المقامة التّلحميّة

حدّثنا جبرا بن جبران التلحمّي قال: وقفنا في تلك الساحة يا رجال، لنجد أنفسنا بين مجموعة من الشباب يتجمعون في الساحة الواقعة بين كنيسة المهد وجامع عمر بن الخطاب، وقبل أن نسألهم عن واقع الحال تقدم منا شابٌ اسمه جمال، كان طويلاً مديد القامة بادرنا بالحديث وهو مرفوع الهامة، طرح علينا السؤال وقد عجبنا مما قال: ما شأنكم أيها الرّجال؟ يبدو أنّكم لستم من أهل هذه المدينة، فوجوهكم غريبة ونظراتكم حزينة.

أجبتهُ أنا على الفور، وقد أخذت في الكلام الدّور: نحن يا أخا العرب أخوةٌ عرب قادمون من أكثر من مكان لنشدّ على أيدي شباب بيت لحم الشجعان، فقد رأينا على شاشات الفضائيات ما قاموا به في ميدان المواجهات من جولات وصولات، حيث كان لهم بحجارتهم ومقاليعهم مع كل إشراقة شمسٍ طلوع رغم أصوات الرّصاص والقنابل المدمعة. يحتجون على قرارات ترمب البلفورية والإجراءات الأميركية مطالبين بإنقاذ القدس العربية لتكون عاصمة أبدية للدولة الفلسطينية.

الأملُ فيكم أيّها الشباب، فعزمكم كفيلٌ بهدم كل عائق وفتح كل باب، تستأنس بكم المقدسات وتعتزُّ فلسطين بهذه القامات

تقدّم منا الأخ جمال وعانقنا واحدا واحداً في الحال، ثم تبسمّ في وجوهنا وقال: مرحباً بكم في بيت لحم المقدسة الجميلة.. مدينة المسيحيّة والإسلام التي ما زالت تفتقر إلى السلام، أرجو لكم في مدينتنا الجريحة إقامة طيبة ومريحة.

هنا ردّ عليه صديقي عبد الحميد وهو بعزم الشباب يُشيد: الأملُ فيكم أيّها الشباب، فعزمكم كفيلٌ بهدم كل عائق وفتح كل باب، تستأنس بكم المقدسات وتعتزُّ فلسطين بهذه القامات، فقاماتكم مديدةٌ أبيّةٌ عالية، ما أن تُنهون جولة للصدام مع المحتل حتى تستعدون لجولة ثانية.

ضحك الشاب التلحمي جمال وقد أعجبه حُسنُ المقال، ثم لنا قال: كأنكم عرفتم لماذا نحن في هذه السّاحة نتجمع ولأي مواجهة مقبلةٍ نتطلع، فقد خطّطنا منذ يومين على كيل الصاع للمحتل صاعين، فالقدس علينا عزيزة وغالية وبيت لحم لنا أُمٌ ثانية. غدًا أمام قبة راحيل ستكون المعركة، وتفاصيل حجارتها للعدوِّ مذهلةٌ ومُربكة، نأمل أيّها الضيوف الكرام أن تشاركونا عُرسَ الصّدام.

انطلقنا إلى جهة الشمال، وركضنا دون أن نتعب حتى أصبحنا إلى القدس أقرب، أخذنا في إلقاء الحجارة على جنود العدو، وقد ساءت بهم أحوال الجو

هُنا انتفض صديقنا الثالث من مكانه متمرداً على همومه وأحزانه، وقال دون تريّثٍ أو تفكير: لنا معكم شرف النَّفير، فلا كانت لبيت لحم لنا زيارة إن لم نشارك في التصدي لأي هجمة وغارة، فنحن أبناءُ همِّ واحد، ومن يخرج عن همِّ بلاده يكن لوطنه الجاحد، ولمعنى وجوده فاقد.

انطلقنا إلى جهة الشمال، وركضنا دون أن نتعب حتى أصبحنا إلى القدس أقرب، أخذنا في إلقاء الحجارة على جنود العدو، وقد ساءت بهم أحوال الجو.. نزلت عليهم الحجارة كالمطر، فتراجعوا وقد أحسوا بالخطر، ولما لم يفدهم عن الحاجز رجوع أطلقوا علينا قنابل مدمعة، وحين الغاز الخانق إلى حلوقنا وصل صاح جمال: عليكم يا رفاق بالبصل، واستمر معهم الصّدام، فأخذوا يتراجعون إلى الوراء ونحن نتقدم إلى الأمام، حتى اختفوا عن الأنظار مختبئين وراء أكثر من جدار، هنا صحت أنا في جماعتنا: يا قوم.. وقد وجدتني في بحر المقاومة أتقن فنّ العوم، ثابتوا ورابطوا وقاوموا، وهنا اجتمع جنودهم مع أحد الضباط  وراحوا يطلقون علينا رصاصا من مطاط، فأصيب أحد الشباب بطلقة في الجبين وهو يهتف: عاشت فلسطين. بقينا طوال ذلك اليوم العصيب.. نقاوم وقد نالنا من الشرف نصيب، وأضفنا إلى ما نحن عن المقاومة نعرف أكثر من مشهدٍ وموقف.

وحينما حلّ علينا المساء، وتعبت من مراقبتنا عيون الأعداء قررّنا الاكتفاء بمعارك اليوم الحجريّة، والاحتفاظ بما لدينا من مقاليع وقذائف يدوية لمعركة الغد التلحميَّة.

قبل أن يدعونا جمال التلحمي إلى داره وقفت أنا بجواره، ففوجئنا بقدوم شيخ أبيض العمامة بصحبة راهبٍ طويل القامة، وبحرارةٍ وجّها لنا التحيَّة

وكم فرحنا لما كُنا نرى من تضامن أبناء القُرى، حيث شبكوا أيديهم بأيدي أبناء المدينة الباسلة، وانطلقوا بحجارتهم  المقاتلة.

عدنا إلى تلك الساحة ونحن لا نشعر بتعبٍ بل براحة.. وقفنا بين المهد وجامع ابن الخطاب حيث أخذ أحد الشباب يصف تقافز الجنود الصهاينة كالأرانب حين انهالت عليهم الحجارة من كل جانب، ضحكنا وضحك معنا الشبّان، حين تذكرنا ذلك الجندي الجبان، حيث تعثر بصاحبه فخانته القدمان وانقلب على ظهره وهو يصيح، فعاجلتهُ حجارتنا الفلسطينية بضربات على الرأس والصّدر قوية فجرَّهُ بعض زملائه، وقد فزعوا من دِمائه.

وقبل أن يدعونا جمال التلحمي إلى داره وقفت أنا بجواره، ففوجئنا بقدوم شيخ أبيض العمامة بصحبة راهبٍ طويل القامة، وبحرارةٍ وجّها لنا التحيَّة، وأخذا يشيدان بالوحدة الوطنية والوقفة الإسلامية المسيحية في وجه الحملة الصهيونية، فالمساجد والكنائس في بيت لحم لوحدة الهمِّ والصبر علامة، وفي القدس يلتقي الدعاء بالدعاء في الطريق إلى السماء ومصدرهما المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وقد داست ما بينهما بساطير جنود الاحتلال أكثر من غصن زيتونٍ وحمامة.

هنا قال الشيخ الوسيم المعمم بعد أن صلى على النبي وسلَّم:

حدّثهم يا راهب المهد عن يومٍ لا يُنسى، لم يكن أصعب منه ولا أقسى.. حين لجأ بعض شبّان الانتفاضة إلى كنيسة المهد القديمة، وقد حوصروا بقوة احتلال لئيمة.. فوفّر المهد لهم الوفادة والسقاية، ووجدوا فيه الحماية حيث أدخل لهم الرهبان الطعام بالتهريب، وعانوا معهم من الحصار الرَّهيب، حيث ظل الشعار عندهم الصمود والثبات، والحزم في أصعب المفاوضات، إلى أن سلم الشباب من قتلٍ أو اعتقال، وخرجوا معززين مكرمين من دون تنكيلٍ بهم أو إذلال.

نفتدي أرض الإسراء ومهد مريم العذراء. وكلنا عند فلسطين والقدس سواء، لا فرق لديها بين مسيحي ومسلم إلا بمقدار ما يقدمُه من تضحية وفداء

أخذ الراهب يقدّرُ الشيخ ويحترم، وهو لنا يبتسم وقد تساءل: ماذا سأضيف وفضيلة الشيخ قد أجاد التوصيف؟ نحن على هذه الأرض أبناءُ العروبة، نعرف للصمود طرقَهُ ودروبه، فالوطن واحد.. والهم واحِد، وشعبُنا على التحدّي قادرٌ وفي وجه الاحتلال صامد، نفتدي أرض الإسراء ومهد مريم العذراء. وكلنا عند فلسطين والقدس سواء، لا فرق لديها بين مسيحي ومسلم إلا بمقدار ما يقدمُه من تضحية وفداء.

قضينا تلك الليلة التلحمية في بيت أخينا جمال نتبادل الأحاديث والأقوال، ومحور أحاديثنا الانتفاضة الفلسطينية والعهدة العمرية التي نصَّت على أن لا يسكن القدس يهودي واحد، وهي تحظى بالفتح الإسلامي، حيث ظل هذا الشرط التاريخي المتفق عليه ساري المفعول، تحرصُ عليه مدى الأيام قلوبٌ وعقول، حتى جاء وعد بلفور المشؤوم وتآمر على القدس يهودٌ وروم..!

استعرضنا في تلك الليلة فرسان الإسلام وخيله، وسكتنا حين تذكرنا كسوف الشمس يوم وقعت في قبضة الاحتلال القدس، فدخل إليها حاخاماتٌ ركبهم الغرور يتقدمهم الحاخام الأكبر "غور" حيث أخذ يلف بهم حول المسجد الأقصى ويدور، وحين سُئل عن مصير الأقصى عند بناء الهيكل شد على لحيته وتململ، ثم قال وهو في من حوله يتأمل: "أتمنى أن تهبَّ عاصفة تنصَبُّ فوق رأسه، فتهدمه وتقتلعه مِن أساسه".

أخذنا نستذكر تلك الأيام بحرقة، ولكني قطعت الحديث مذكرّاً بالصّفقة، صفقة القرن الأميركية التي يتم طبخها في مطابخ صهيونية، وتستهدف تصفية القضية الفلسطينية.

صاحب الحق أولى بالشجاعة، والشجاعة كما قيل في المثل صبر ساعة، ونحن فداءٌ للقدس حتى تقوم الساعة

هنا اعتدل مضيفنا جمال في جلسته، وأمسك بشعر لحيته، ثم بقوة بيانٍ حكى: لن نكون رجالاً بشوارب ولحى، إذا كائنٌ من كان وجودنا وتاريخنا في القدس محا.. وإذا تواقح عدونا في عدوانه وما استحى، سنعرف كيف لهجماته نتحدى، ولمؤامراته وصفقاته نتصدّى. وما أن أكمل جمالٌ كلامه حتى ظهرت على وجوهنا للغضب علامة: بل أكثر من علامة، فنهضنا كما الأشجار منتصبين، وبقينا واقفين متقابلين، نضعُ أيدينا فوق بعضها، وشوقها إلى جولة الغد يعلن عن رفضها.. أخذنا نقسم برب العالمين ونعاهد أرض فلسطين أن نصون العهد ونخلص في اليمين، وبصوتٍ تلحمي مقدسيٍّ واحد مستنكرٍ لزمن الصمت الجاحد رُحنا نؤدي القسم.. متعاهدين على إعلاء الهمم، وبذل مالٍ وولدٍ ودم. حتى لا تنطلي علينا حيلة أو مؤامرة، مهما تكن مدننا وقرانا محاصرة، فصاحب الحق أولى بالشجاعة، والشجاعة كما قيل في المثل صبر ساعة، ونحن فداءٌ للقدس حتى تقوم الساعة.

وقبل وداعنا لبيت لحم يا كرام، ومشاركتنا في أكثر من صدام.. نحيطكم علماً بأننا عازمون على الذهاب إلى مدينة أخرى فلسطينية لا تعرف مذلّة أو دنية، وظلت رغم قبح الاحتلال وبشاعة الاستيطان جميلةً عزيزة النفس أبيّة، فإلى لقاءٍ قريب حارٍّ وشجي مع بديع الزّمان الفلسطيني.. في مقامة عربية جديدة.. بآلامها وآمالها فريدة.

المصدر : الجزيرة