عامر خليل.. مقدسي عشق المسرح وأبدع فيه

ثلاثون عملا مسرحيا في رصيد الفنان المقدسي عامر خليل الذي يتفرغ حاليا لإدارة مسرح الحكواتي (الجزيرة)
ثلاثون عملا مسرحيا في رصيد الفنان المقدسي عامر خليل الذي يتفرغ حاليا لإدارة مسرح الحكواتي (الجزيرة)
أسيل جندي-القدس
"يُكتفى بتعليمه" كتب أحد مدرسي الممثل المسرحي المقدسي عامر خليل هذه العبارة بقلم حبر أحمر على شهادته بعد إنهائه الصف الثاني الإعدادي، وعاد الطفل المفصول بسبب ضعفه الأكاديمي لمنزله في ذلك اليوم بحالة دهشة ينبهه منها سؤال والده المتكرر: ماذا أفعل بك الآن؟
 
وفي اليوم التالي استقل عامر ووالده الحافلة من بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى باتجاه البلدة القديمة بالقدس، وفي الطريق التقى والده بصديق له وحدثه عما حصل بمسيرة ابنه التعليمية، ونصحه صديقه بأن يتوجه لجمعية الشبان المسيحية بالقدس ويسجل ابنه في برنامج التدريب المهني هناك، ليتخرج بعد ثلاث سنوات بتخصص الكهرباء والصيانة العامة.. وهذا ما كان.
 
ولد المسرحي عامر خليل عام 1964 ببلدة سلوان، وتنحدر عائلته من قرية قالونيا المقدسية المهجرة عام 1948. ومع بلوغه سن الخامسة عشرة التحق بجمعية الشبان المسيحية، وهناك شعر بأن مرحلة جديدة في حياته قد بدأت، إذ عاش أجواء مختلفة أثناء مراقبته لوفود السياح والفرق المسرحية المختلفة على مقر الجمعية.
 
نقطة تحول
كان شهر ديسمبر/كانون الأول 1980 المنعطف الكبير الذي أدخل الفنان المقدسي لعالم المسرح إذ عرضت فرقة مسرح الحكواتي مسرحية "محجوب" في مقر الجمعية، وطلب منه الممثل والمخرج المسرحي فرانسوا أبو سالم حينها مساعدة الطاقم بترتيب مكان العرض، ولمس المخرج شغف عامر بالمسرح أثناء العمل
.
انضم الممثل المسرحي المقدسي عامر خليل لفرقة مسرح الحكواتي عام 1980 (الجزيرة)

انضم عامر خليل لفرقة مسرح الحكواتي عام 1983 كفني إضاءة وصوت في البداية، ثم حمل مسؤولية تمثيل أدوار ثانوية في المسرحيات، وأول الأعمال التي شارك بها كانت مسرحية "العين والسن" و"ألف ليلة وليلة" و"اليوبيل"، وفي عام 1987 مثل أول دور رئيسي بمسرحية "كفر شمّا" وكانت مدتها ثلاث ساعات تجولوا بها في عدة دول منها أميركا.

وفي مسرح الحكواتي بالقدس حيث استقبل عامر خليل الجزيرة نت استرجع تفاصيل أحد عروض هذه المسرحية في ولاية نيويورك قائلا "وبّخني فرانسوا واتهمني بالغرور وسألني: ماذا تظن نفسك؟ أنت أميّ لا تعرف شيئا عن المسرح بعد.. الثقافة والفن مسؤولية، وعليك أن تلتحق أكاديميا وتتخصص بالمسرح.. رغم غضبي منه حينها فقد أدركت لاحقا أهمية كلامه".

غادر خليل القدس إلى فرنسا ومكث فيها أربعة أعوام درس خلالها المسرح ورافقه فيها فرانسوا الذي لم يفارقه حتى لحظة انتحاره برام الله عام 2011.

خليل: نحن الممثلين المسرحيين سفراء فلسطين في الخارج (الجزيرة)

يقول خليل إنه أدرك المعنى العميق للعبارات التي وبّخه بها فرانسوا أثناء جولاته العالمية بالمسرحيات التي مثل بها. وأوضح "نحن الممثلين المسرحيين سفراء لفلسطين في الخارج، لا نعرض فنا فحسب بل نلتقي بقناصل وسياسيين، ودورنا حمل القضية وإيصال رسالتنا السياسية للعالم".

وأضاف أن "مواطني بعض الدول لا يصدقون أن هناك مسرحيين فلسطينيين وأن المسيحيين جزء من فسيفساء المجتمع الفلسطيني.. كل هذا نوضحه في جولات عروض مسرحياتنا".

تأثير أوسلو
اتفاقية أوسلو كانت صفعة، كما يقول الممثل المقدسي، موضحا أن الأجواء الثقافية والمسرحية التي كانت سائدة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لن تعود، فمع مجيء اتفاقية أوسلو اندثرت مفاهيم الوطن والانتماء والتضحية، وتحول الفن والثقافة لخطط ومقترحات تقدم للاتحاد الأوروبي. "و
دخول المسرح والثقافة تحت مظلات الوزارات كان كارثيا".

ثلاثون عملا مسرحيا في رصيد الفنان المقدسي عامر خليل الذي يتفرغ منذ نحو ست سنوات لإدارة المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي) في القدس. ويطمح اليوم لجمع الأدوار التي أداها في حياته في عمل واحد وأن يكون فيلما وثائقيا.

وأضاف "أريد صنع خط درامي لكل الشخصيات التي تقمصتها منذ أواخر السبعينيات حتى اليوم وأستمتع بمشاهدتها في عمل واحد".

المسرح الوطني الفلسطيني عندما حرق في الثمانينيات وقرر فرانسوا وخليل إعادة ترميمه (الجزيرة)

الحكواتي دفيئتي
أسس خليل العديد من المؤسسات التي تهتم بمجال المسرح الفلسطيني، أحدها مؤسسة "أيام المسرح" في قطاع غزة، لكنه لم يبتعد عن الحكواتي كليا لأن له معه حكاية يحرص على سردها باستمرار.

ويضيف "كان الحكواتي يسمى قديما سينما النزهة وأُحرقت عام 1979، ثم أهمل المكان حتى عام 1983 وأخذنا أنا وفرانسوا أبو سالم وعدد من الشبان على عاتقنا ترميمه وافتتحناه بالفعل في مايو/أيار 1984 ليصبح الحكواتي دفيئتي منذ ذاك الحين".

وعند سؤاله عما يعني له المسرح بدأ ينسج بأصابع يديه صورا وأشكالا كمن أبحر في عالم آخر، وقال "المسرح هو الحياة والمكان الذي يمكننا أن نكون به أحرارا.. نقول به ونطرح ما نريد، نتقمص الأدوار ونلعب بالحدود وتتوفر لنا مساحة لمس الأشياء اللامنطقية واللاعقلانية".

وعن رسالته ممثلا مسرحيا مقدسيا في اليوم العالمي للمسرح الذي يصادف اليوم 27 مارس/آذار حيا عامر خليل المسرحيين الفلسطينيين الذين أنتجوا فنا بمستوى عال يضاهي مسارح عالمية تقف خلفها دول وميزانيات.

وخلص إلى أن المسرح الفلسطيني رغم طاقاته المتواضعة وفقره المادي تمكن بالغنى الإنساني من تحقيق إنجازات ضخمة، وكان لكل شخص تحت هذه المظلة تأثير ودور في إنجاح الحركة المسرحية الفلسطينية.

المصدر : الجزيرة