عـاجـل: المجلس الأعلى للدولة في ليبيا: حفتر والدول الداعمة له يرغبون في عودة الإرهاب إلى مدينة سرت

القدس لم تكن عاصمة إسرائيل القديمة (2-4)

يعجّ سفر الملوك الأول والثاني من التوراة، بتفاصيل يصعبّ عليّ -نظرا للمساحة الضيّقة- تقديم خلاصات وافية عنها، وهي تسجل بدقة أشكال الصراع الدموي بين الإسرائيليين الشماليين واليهود الجنوبيين. وفي كل هذه الأسفار لا وجود لأي إشارة قط إلى أن "قدس" (קדש) كانت عاصمة مملكة إسرائيل، علما بأن أحداث هذا السفر تغطي حقبة طويلة من التاريخ. ومع ذلك، فسوف أعمل على تقديم أفضل تكثيف ممكن لها.

أين كانت عاصمة إسرائيل القديمة إنْ لم تكن لا في "قدس/ قدش" ولا في "أورشليم"؟ سأرسم إطارا تاريخيا عموميا لتسهيل الأمر على القرّاء:

عندما انقسمت المملكة الموّحدة الإسرائيلية/اليهوذية (وهي ذاتها المملكة السبأية/الحميرية 727- 605 قبل الميلاد) ظهرت مملكتان: في الشمال مملكة سبأ، وهؤلاء هم العبرانيون الإسرائيليون أبناء عابر (وسبأ في أنساب اليمن ابن/حفيد لعابر) ومملكة  يهودية في الجنوب (وهؤلاء هم الحميريون الذين تقول أنسابهم إنهم ينتمون لهود وهو نفسه عابر).

يؤكد سفر الملوك الأول أن عاصمة مملكة إسرائيل كانت في عصر أخاب بن عمري هي "السامرة"، أي ليست "قدس" ولا "أورشليم"

وأنا هنا أعارض التاريخ الرسمي اليمني الذي كتبه المستشرقون، تماما كما أعارض التاريخ التوراتي. المملكتان الشقيقتان (الشمالية والجنوبية) خاضتا صراعا متراكبا، تماما كما صورته التوراة، حول الأرض والدين والتجارة.

سعى الجنوبيون بكل وسائل القوة إلى التوسع في "تعز" والسيطرة عليها لضمان السيطرة على سواحل المخا والحديدة (تماما كما يحدث اليوم أمام أنظارنا)، بينما قاتل الشماليون ببسالة ودون ترددّ من أجل فرض الهيمنة على "تعز". وسأكشف في مؤلفاتي القادمة كل التفاصيل عن هذا الجانب.

يؤكد سفر الملوك الأول أن عاصمة مملكة إسرائيل كانت في عصر أخاب بن عمري هي "السامرة" -أي ليست "قدس" ولا "أورشليم"-. هاكم ما يقوله النص بلغته القديمة:

سفر الملوك الأول 16: 29 :

وأخْآبُ بْنُ عُمْرِي ملَكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ وَالثَّلاَثِينَ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، وَمَلَكَ أَخْآبُ بْنُ عُمْرِي عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي السَّامِرَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَة.

וְאַחְאָב בֶּן-עָמְרִי, מָלַךְ עַל-יִשְׂרָאֵל, בִּשְׁנַת שְׁלֹשִׁים וּשְׁמֹנֶה שָׁנָה, לְאָסָא מֶלֶךְ יְהוּדָה; וַיִּמְלֹךְ אַחְאָב בֶּן-עָמְרִי עַל-יִשְׂרָאֵל, בְּשֹׁמְרוֹן, עֶשְׂרִים וּשְׁתַּיִם, שָׁנָה.

هذا النصّ يقول بوضوح، إن الصراع بين الإسرائيليين الشماليين بقيادة أخاب بن عمري، وبين الجنوبيين (من يهوذا/ هود) أي الحميريين، قد انتهى باستيلاء الشماليين على "السامرة". فمن هو أخاب وفي أي عصر عاش؟ بحسب نص تركه لنا شلمانصر الثالث Monolith Inscription of Shalmaneser III فقد كان أخاب وأسرته (858-823 قبل الميلاد) يقاومون الغزو الآشوري. وهذا يعني أنه استولى على "السامرة" بالفعل، وأصبحت عاصمته، ثم دخل في صراع مع الغزاة. هاكم جزءا من النص:

هل يمكن لعاقل أن يتخيّل أن أخاب التوراتي استولى على السامرة في فلسطين، ونقوش الآشوريين تتحدث عن تحالفه مع قبائل "مملكة أوسان" اليمنية المعروفة؟

Much of Ahab’s attention, however, was taken up with a war against Syria to the north (1 Kgs 20). When Israel had gained the upper hand, a peace treaty between the two nations was struck which lasted three years (1 Kgs 20:31–34, 22:1). This period of peace was born out of necessity, for both Syria and Israel now faced a common enemy—Assyria.

Ahab, the Israelite...10,000 soldiers from Irqanata; 200 soldiers of Matinu-ba’lu from Arvad; 200 soldiers from Usanata; 30 chariots, 1(0?),

الكثير مما أثار انتباه "آخاب" أثناء الحرب ضد آشور في الشمال (ملوك 1: 20). إن يد إسرائيل بدت وكأنها هي اليد العليا، ولذا قام بتعطيل معاهدة السلام/الطاعة بين الآشوريين وإسرائيل (في الترجمة الإنجليزية بين الدولتين) التي استمرت ثلاث سنوات (ملوك 1/ 20: 31-34 ، 22: 1).  لقد ولدت فترة السلام هذه بالضرورة، لأن آشور وإسرائيل كانتا تواجهان الآن عدوا مشتركا. (أسرتُ) أخآب، الإسرائيلي ... (و) 10 آلاف جندي من عرجانة، و200 جندي من بعل إيلو في متنة Matinu-ba'lu و200 جندي من Arvad ومن الأوسانيين Usanata؛ 30 مركوبا.

فما علاقة أخاب الإسرائيلي بالأوسانيين (قبائل مملكة أوسان في الجنوب الحميري) بفلسطين؟ هل يمكن لعاقل أن يتخيّل أن أخاب التوراتي استولى على السامرة في فلسطين، ونقوش الآشوريين تتحدث عن تحالفه مع قبائل "مملكة أوسان" اليمنية المعروفة؟ إن فحوى هذا النقش الطويل تتحددّ في التالي:

خلال صراع "أخاب" ضد الآشوريين في الشمال (ملاحظة المتحف البريطاني: ملوك الأول/ 20)، شعر في لحظة ما أنه يستطيع إلحاق الهزيمة بهم، وأن يده هي اليد العليا؛ ولذا جرى توقيع معاهدة سلام مع الآشوريين استمرت ثلاث سنوات (ملوك 1 : 20: 31-34، 22: 1 هذه ملاحظات مترجمي النص في المتحف البريطاني). في هذه الفترة استتب السلام بين الطرفين. كان أخاب/الإسرائيلي قد خسر عشرة آلاف فارس، كما خسر حلفاؤه في (مملكة أرفد) نحو 200 مقاتل، أما حليفه إيل/إيلو في (مقاطعة المتنة) فقد خسر نحو 200 فارس. كما خسرت قبائل أوسان (مملكة أوسان) 30 من راكبي الجمال.

ما أقوم به في مؤلفاتي ليس نقل "جغرافية فلسطين إلى اليمن" كما قد يتوهم البعض؛ بل أنا أقوم بإعادة "الجغرافية اليمنية" في التوراة إلى اليمن، بعدما وضعها اللاهوتيون بقصد فاضح في فلسطين

إذا ما وضعنا هذا الصراع ضمن السردية التوراتية عن استيلاء أخاب على "السامرة" التي اتخذها عاصمة لمملكة إسرائيل كما يقول النص التوراتي؛ فهذا يعني أنه في عصر شلمانصر الثالث (850 قبل الميلاد) لم يكن هناك أي ملك إسرائيلي يفكر -مجرد تفكير- بالاستيلاء على "قدس" ليتخذها عاصمة؛ بل كان التفكير والصراع المحتدم منصبّا على مكان آخر هو "السامرة".

هذا النقش الآشوري واضح ولا لبس فيه، وهو يسجل اسم "أخاب" -في النص التوراتي- سوية مع اسم "أوسان". وبالطبع، لا يمكن لأي مؤرخ أو مؤلف في التاريخ القديم أن يضع أوسان في فلسطين؟ فهذه مملكة جنوبية كانت مزدهرة في هذا العصر (823 قبل الميلاد)، وأراضيها الخصبة هي التي سمتها التوراة بـ"أرض كنعان".

إذا كانت التوراة تتحدث عن استيلاء أخاب على السامرة في عصر مملكة أوسان، والنقش الآشوري يتحدث عن "أخاب" الذي هزمه شلمانصر الثالث في هذا الوقت، فما علاقة فلسطين بمملكة أوسان؟ لقد استولى ملك إسرائيلي على "السامرة" واتخذها عاصمة لإسرائيل. هذا يعني ببساطة أن (القدس/قدس/قدش) في التوراة لم تكن عاصمة مملكة إسرائيل.

وبكل تأكيد لم تكن المدينة الدينية أورشليم تحت سيطرتها.

ثمة وجه آخر لهذه المعضلة التي خلقها لاهوتيو "صندوق آثار فلسطين" في لندن، وكل بعثات التنقيب، أنهم قاموا بترجمة السجلات الآشورية بطريقة غير مهنية، فقد ترجموا اسم "قدس" (קדש) إلى "أورشليم" حيث ما ورد (Jerusalem)، كما أضافوا اسم "سورية" وحشروه كمعادل لكلمة "آشور". وهكذا وضعوا "رفح" الصنعانية بسهولة على حدود مصر. بكلام آخر، قاموا بنقل جغرافية اليمن إلى فلسطين. وهذا هو جوهر نظريتي:

ما أقوم به في مؤلفاتي ليس نقل "جغرافية فلسطين إلى اليمن" كما قد يتوهم البعض؛ بل أنا أقوم بإعادة "الجغرافية اليمنية" في التوراة إلى اليمن، بعدما وضعها اللاهوتيون بقصد فاضح في فلسطين. هذه الجغرافية المسلوبة سأعيد وضعها ضمن تاريخ مملكة سبأ/ حمير.

الذين يرددّون اليوم أن ملوك آشور خاضوا حروبهم في فلسطين ضد العيلاميين وأرمينيا ومصر وإثيوبيا، لم يتمكنوا من معرفة أي مكان ورد اسمه في هذه الحروب

إن نقوش سرجون الثاني عن "رفح" و"أورشليم" و"يهوذا" و"السامرة" تتحدث بشكل واضح لا لبس فيه عن جغرافية اليمن، فهو قاد حملاته الحربية ضد قبائل سبأ وحمير ومعين الجوف و"مصرن" وقبائل أوسان، قبل أن يدخل أورشليم. ومن المستحيل علينا تخيّل أن سرجون الثاني قاتل السبأيين اليمنيين ومصر وأرمينيا وإثيوبيا والمعينيين سكان الجوف اليمني في دمشق، ثم انتقل منها إلى أورشليم في فلسطين!

في الواقع، حدثت كل هذه الفوضى بسبب عاملين رئيسيين: أولهما الأخطاء الفادحة في الترجمة، وثانيهما التأويل التعسفي الذي قام به علماء من التيار التوراتي، حين "أرغموا" النقوش على التطابق الشكلي مع جغرافية فلسطين.

ومن الأمثلة على الأخطاء الفادحة في الترجمة، أن أسماء المواضع التي جرى فيها القتال رسمت بطريقة تجعل منها أماكن في جغرافية خيالية. مثلا، ترجم اسم "تبع إيل" -وهذا لقب ملوك اليمن- إلى "إثيوبيا"! وبذلك، أصبحت نقوش سرجون الثاني، وكأنها تسجيل لحروب في أفريقيا! كما ترجم اسم قبائل الأرمانيين الذين اصطدموا به إلى "أرمينيا"! وبذلك، أصبح سرجون محاربا في آن واحد في أفريقيا وأرمينيا! كما ترجم اسم موضع موشكي/موسكي إلى "موسكو الآسيوية"! والمؤسف أكثر، أن ما من باحث في تاريخ العراق القديم إلا استخدم هذه المواد باعتبارها منزّهة عن أي خطأ محتمل.

والغريب أن الذين يرددّون اليوم أن ملوك آشور خاضوا حروبهم في فلسطين ضد العيلاميين وأرمينيا ومصر وإثيوبيا، لم يتمكنوا من معرفة أي مكان ورد اسمه في هذه الحروب. مثلا، من شعب الآرتو؟ وأين تقع "أرض حتت"؟ وما علاقة إثيوبيا بفلسطين؟

لقد أصبحت "جغرافية النقوش" معضلة حقيقية، لأن لا أحد على وجه الإطلاق يمكنه أن يقدم أي دليل على وجود هذه الأسماء، لسبب بسيط، أنها قرئت بشكل خاطئ، تماما كما حدث مع النص التوراتي الذي أصبحت جغرافيته لغزا مُحيّرا.

المصدر : الجزيرة