الرصاصات الأخيرة هي التي تحسم المعركة

ثمة مدينة واحدة تجعلك تعيش في كل المدن وتُغنيك عن كل الأزمان والأوقات.. إنها القدس!

نتغنى بالقدس، ونكتب لها القصائد، هذا ما يريدونه منا، وهكذا يريدها الغزاة.. مجرد قصيدة.

لكن إن تحولت القصائد إلى خناجر، والألحان إلى رجال يمتشقون السيوف، حينها سيكون الجزاء القيد والكفن.

إن أردتَ القدس حقا فكن على صبر أيوب، فالنصر لا يزهر إلا بالصبر، والرصاصات الأخيرة هي التي تحسم المعركة.

إن أردتَ القدس فلا تسجد لوثن صنعتَه بيدك، وإياك أن تصفق لشيخ القبيلة الذي تنكَّر لعروبته وملامحِه.

ولا تغرنَّك كثرة السماسرة والقتلة والعملاء، فهؤلاء لا أعمار لهم سوى الحياة الدنيا.

إياك أن تصدق مقولة "المفاتيح تصدأ".

إياك أن تصدق أنك طين خالص، وأنك بلا كف فتركن ولا تقاتل. لا تصدق أن الأرض تحتك سبخة مالحة، فالأرض تحت أقدامك صخر والسماء لك مدد.

كن مثقلا بمدينتك، بصوت مآذنها، بعطر ياسمينها، كن متوردا بعشقها.

ستختارك الكثير من المدن، ستفتح ذراعيها لك، لكنك لن تختار سواها إن خُيرت.

كن متيقظا، وحذارِ أن تضلَّ في شوارعها. أفلِت من يد أمك واركض كطفل يعرف ملاعبه، وتدحرج على ترابها، قبّل حجارتَها حجرا حجرا، إياك أن تدَّعي حبها ثم تضِلَّ الطريق إليها!

هي أقرب إليك مما تظن، والخطوة منك بألف، فاخطُ ولا تنتظر مدد أهل الأرض.

القدس..

لا تكتبْها قصيدة، ولا تتغنَّ بعشقها. أبصِرْها بقلبك قبل عينك، واغزل أجنحتَك لتطيرَ إليها، فيا لروعة القدس وهي تمدّ يدَها لك والجرح في خاصرتها يثغب، ويا لعذب مائها والملح في حلقها يشتعل كالحريق.

إن بقيت تتغنى بالقدس وتكتب اسمها على شواطئ المنافي؛ فستحترق، ستصاب الذاكرة بالامتلاء والعطَب، ستنمحي كل الصور، صور المفاتيح والأثواب والأعراس والحصاد، فالذاكرة إن لم يكن لها كفٌّ تسدِّد به الطعنات إلى الأعداء، ارتدت الطعنة إلى صدرك.

بين القصيدة التي تكتبها للقدس والكف الذي تصفع به المحتل ترتسم أنت، وكلما بعدت المسافة بين الحرف والفعل المقاوم بعُدت القدس وتشوهت الملامح.

لا تبحث عن راحة بالك وتغلق عينك حتى لا ترى جرحها.

لا تركن لصكوك الغفران التي  يمنحها سيد البيت الأبيض للصامتين والبائعين.

لا تصدق أن الزمن زمنهم والحجر حجرهم؛ هذا زمنك وهذه حجارتك، حتى إن اقتلعوها واستبدلوها بحجارة تحمل هيكلهم المزعوم ونجمتهم السداسية.

هذه الحجارة هي صبر من رحلوا وهم ينزفون قهرا، هذه الحجارة تعرف من كحَّلها ومن بناها، تملك ذاكرة، وهي بانتظارك.. بانتظار من يغزل خيوط العودة.

هذه حجارتك، تحتفظ بعبق من كانوا، تحتفظ بالصرخة الأولى للمواليد، بهمسات وضحكات الجدات في الليالي القمراء. هي الشاهدة على أن العرين باقٍ وإن غفا الأسد.

هذا زمنك وهذه معركتك وجيشك في يقين قلبك.

لا تكتم غيظك الذي يغشى قلبك بينما البيوت العربية مسبيَّة أمامك.

قف أمام بيتك ورتِّل بصوت عالٍ ما نقش على اللوحات الرخامية المثبتة على واجهته (المُلك لله الواحد القهار)، ليرتعش اللص الذي سلب بيتك في الداخل، ليعرف أنك لن تساوم وستقاوم لآخر النزف.

هذه البيوت لن تتآكل، لن تنحني، لن تنكسر.

أبقِ قلبك حيا وأنتَ ترى البيت الذي سكنته غولدا مائير، والبيت الذي سكنه حاييم عوزي وكونر غولدمان. سِر حول البيوت، احفظ أسماء أصحابها الفلسطينيين، اخلع نعليك وفُكَّ الكمَّامة عن شفتيك، اشدُد على قلبك حتى لا ينفطر، كن حارسا متيقظا وتتبع أفئدة الرجال المكسورة الذين سُلِبت منهم هذه البيوت، واجمع ذخيرتك.. فإن من صدَقَ الله صدَقَه.

المصدر : الجزيرة