القدس تسألكم: ماذا تبقى لكم؟

من يفتح عينيه جيداً ليرى الأفاعي والثعابين الاستيطانية تلتفّ حول خاصرة مدينة القدس يشعر بخجل تاريخي شديد أمام كل ما يجري من مشاريع استيطانية صادمة لشعور كل عربي أو مسلم غيور، ومن يتتبع تزايد الأورام الاستيطانية الخبيثة في أنحاء مختلفة من المدينة المقدسة، سواء داخل السور أو خارجه لا بد أن يسأل نفسه: ماذا تبقى لنا من القدس؟

فالاستيطان في القدس يجري على قدمٍ وساق، ويقابله العجز العربي الإسلامي عن فعل أي شيء يمكن أن يوقفه عند حد؛ فللموقف العربي الإسلامي قدم تراوح مكانها، وساق حائرة لا تدري إن هي تقود القدم إلى أمام أم إلى وراء.

في القدس خطط ومشاريع وأفكار استيطانية تهويدية يتم تنفيذها على الأرض ليل نهار، وعلى الطرف الآخر الذي يُظهر رد فعل الأمة العربية والإسلامية لا يجد المراقب سوى تصريحات وبيانات شجب واستنكار لا ترقى إلى درجة التحذير أو الإنذار على الأقل.

وحتى لا نظلم الطرف الآخر ونتهمه بعجزٍ مطلق ولا مبالاة مستفحلة إزاء كل ما يجري للقدس، نعترف بأن هناك اجتماعات ومؤتمرات وقمم عقدت وستعقد من أجل القدس، وأن هناك قرارات وتوصيات تمخضت عنها، وأن هناك مسيرات ومظاهرات كبيرة وحاشدة ارتفع صوت هتافاتها إلى عنان السماء دون أن تترك أصداءً توقظ ضمير العالم أو تغيّر مواقف أصحاب القرار والنفوذ قيد أنملة.

فوعد "ترمب البلفوري" ساري المفعول، وإجراءات نقل السفارة الأميركية قيد التنفيذ، وربما يتبع ذلك نقل سفارات أخرى اعتادت دولها أن تذعن لأي طلب أميركي أو أية إملاءات دبلوماسية يمكن أن تمليها الإدارة الأميركية، ولو بعد حين من التردد الذي سيجعل تلك الدول الخانعة تنقل سفاراتها من تل أبيب إلى القدس على استحياء.

مشروع "الحوض المقدس" يأتي استكمالا لمشروع "القدس القديمة" الذي سيعطي القدس معالم جديدة تشابه الوصف التوراتي لها، وهو يقام على أنقاض الآثار العربية الإسلامية

بعد كل هذا الزخم الاستيطاني والمد التهويدي الذي شهدته مدينة القدس العربية في العام المنصرم (2017)، ها هي تدخل، بل يتم إدخالها إسرائيليا إلى غرفة عمليات استيطانية بالغة الخطورة، لتخضع لأكثر من جراحة تهويدية يخشى أن تخرج منها فاقدة للكثير من معالمها العربية والإسلامية، هذا إذا كانت مشاريع عام 2018 واسعة النطاق وشديدة "الأسرلة" ستبقي لها شيئا من ملامحها وقسماتها العربية، التي طالما حرصنا عليها في خطاباتنا وقصائدنا وأحلامنا أيضا دون أن نتمكن من الحفاظ على هويتها التاريخية.

ضوء أخضر
إذا كان عام 2017 في القاموس الصهيوني الاحتلالي عام الاستيطان بامتياز، حيث وصلت فيه الحمى الاستيطانية الاستعمارية إلى درجة حرارة عالية، فإن عام 2018 ينذر بالأخطر والأسوأ؛ حيث ستزداد الهجمة الاستيطانية على القدس حدَّة وشراسة وعلى أوسع نطاق، خاصة بعد وعد الرئيس الأميركي ترمب بأن تكون القدس بشطريها الغربي والشرقي عاصمةً لإسرائيل، فهذا الوعد الذي يذكرنا بوعد بلفور المشؤوم قد أعطى الضوء الأخضر للمحتلين، وفتح لهم باب الاستيطان على مصراعيه للانقضاض على مدينة القدس العربية الإسلامية لتغيير طبيعتها الجغرافية والتاريخية والديموغرافية، تغييرا جذريا يطمس هويتها العربية الإسلامية، تمهيدا لإصدار هوية إسرائيلية صهيونية، وبصورة لا تدل على شخصيتها القديمة
.

فها هي سلطات الاحتلال بعد قرار ترمب تستغل هذا القرار وتستثمره لصالحها أيما استثمار، وعلى نطاق لا أوسع منه ولا أبشع، فتخرج من الأدراج المليئة كل الخطط والمشاريع الاستيطانية التي وجدت فرصة كبيرة لها منذ مطلع هذا العام لدفعها إلى حَيّز التنفيذ دون إبطاءٍ أو تأجيل، وكيف لهذه السلطات أن تبطئ أو تؤجل وهي ترى في وعد الرئيس الأميركي ترمب الفرصة الذهبية السانحة لتهويد القدس، فمن استكمال مشروع "الحوض المقدس" الذي يمتد من الشيخ جراح شمالا ليصل إلى بلدة سلوان وجبل المكبر، حيث يأتي مشروع "الحوض المقدس" استكمالا لمشروع "القدس القديمة" الذي سيعطي القدس معالم جديدة تشابه الوصف التوراتي لها، وهو يقام على أنقاض الآثار العربية الإسلامية، وسيؤدي إلى مصادرة مساحات واسعة من البلدة القديمة دون أيّ اعتبار لردّات فعل عربية إسلامية ومسيحية قد لا تتجاوز حدود الكلام أو الشجب في أحسن الأحوال.

سيشهد عام 2018 أيضا استكمال مشروع القطار الهوائي الذي سيمر من فوق القدس القديمة، بالإضافة إلى مشروع متنزه جبل الزيتون الذي يراد له أن يقام على أراضٍ فلسطينية ستتم مصادرتها، حيث ستقيم بلدية القدس الإسرائيلية مركزاً لزوار المقبرة اليهودية على الجهة الغربية من جبل الزيتون الذي يشرف على المسجد الأقصى من الجهة الشرقية.

وفي حين يدعم العرب والمسلمون مدينة القدس وأهاليها المرابطين بطريقة الري بالتنقيط، وبشكل محدود للغاية، فإن سلطة الاحتلال والقوى الصهيونية المتنفذة في شرق العالم وغربه تضخ مليارات الدولارات لتمويل الاستيطان ومشاريعه الضخمة لا في مدينة القدس وحدها، بل في سائر أرجاء الضفة الغربية المحتلة.

سلطة الاحتلال الاستيطانية ترى أن ساعة الصفر للانقضاض على مدينة القدس بالكامل حانت بعد الوعد البلفوري للرئيس الأميركي ترمب، وها هي الحرب الاستيطانية الجديدة قد اشتعلت

جمعية إلعاد
ها هي جمعية "إلعاد" الصهيونية الاستيطانية تعلن عن 11 مشروعا استيطانيا تمَّ إقرارها في 2017، وستحال إلى عطاءات تقدمت بها شركات مختلفة لتتم المباشرة في تنفيذها في العام الحالي، والتي ستؤدي إلى تهويد شامل وكامل لمدينة القدس، وجمعية "إلعاد" هذه تكشف عن تلقيها دعما كاملا حظيت به من حكومة نتنياهو ومن بلدية القدس المساندة لها، وتتحدث بكل أريحيَّة عن عزمها على بناء مشروع استيطاني ترفيهي يشمل خط "أوميجا للتزلج الهوائي" بدءاً من منطقة جبل المكبر باتجاه حي سلوان ممتداً بطول 784 متراً
.

وتقول هذه الجمعية الاستيطانية على موقعها الإلكتروني إن مشاريعها لهذا العام تهدف إلى تشجيع السياحة الداخلية والأجنبية في مناطق القدس الشرقية، خاصة في البلدة القديمة داخل السور.

إن سلطة الاحتلال الاستيطانية أصبحت ترى أن ساعة الصفر للانقضاض على مدينة القدس بالكامل قد حانت بعد الوعد البلفوري للرئيس الأميركي ترمب، وها هي الحرب الاستيطانية الجديدة قد اشتعلت وأحاطت نيرانها بالقدس من كل جانب لا لتطمس معالمها الحضارية ذات الطابع العربي الإسلامي فحسب، وإنما لتحرق هويتها التاريخية تمهيداً لإصدار هوية إسرائيلية لها لا تمت للعروبة والإسلام بصلة.

ويحضرنا في هذا الصدد ما أفصح عنه مؤخراً المدير السابق للمسجد الأقصى المبارك ناجح بكيرات، حيث قال في قلق ينم عن تخوف ومرارة: إسرائيل تنفق عشرة ملايين دولار يومياً لتهويد مدينة القدس المحتلة، بينما أنشأت الدول العربية صندوقاً لدعم المسجد الأقصى؛ ونسيته في ما بعد. وقد جاء تصريح السيد بكيرات هذا في ندوةٍ عقدت بالدار البيضاء في المغرب تحت عنوان "هوية القدس ومركزها الديني والحضاري".

هل ينتبه العرب والمسلمون أينما كانوا لوضع القدس بالغ الخطورة وقوى الاستيطان الصهيوني تفترسها بقعة بعد بقعة وقطعة من أرضها المقدسة تلو قطعة؟

لقد أثيرت في تلك الندوة أفكار وقضايا بالغة الأهمية، وكان أبرزها وأهمها الإشارة إلى أن من يدعمون دولة الاحتلال في مخططاتها التي تستهدف تهويد و"أسرلة" مدينة القدس العربية يصدرون عن جهلهم بتاريخ ومكانة مدينة القدس في نفوس العرب والمسلمين، وهم يظنون أن معركة تهويد القدس تواجه فقط ثلاثمئة ألف فلسطيني يعيشون فيها، وعلى الأكثر ستة ملايين فلسطيني يعيشون على أرض فلسطين المحتلة.

حقيقة تاريخية
هذه هي الحقيقة التاريخية والجغرافية التي يجهلها من يدعمون ويساندون حكومة الاحتلال الاستيطانية، ولكن مصيبة المصائب تكمن في جهل أو تجاهل بعض العرب والمسلمين -إن لم يكن كلهم- هذه الحقيقة الكامنة في النفوس والعقول والضمائر
.

وانطلاقا من هذه الحقيقة التي لا يماري فيها عربي أو مسلمٌ واحد نقول: هل ينتبه العرب والمسلمون أينما كانوا لوضع القدس بالغ الخطورة وقوى الاستيطان الصهيوني تفترسها بقعة بعد بقعة وقطعة من أرضها المقدسة تلو قطعة؟

هل سينتصرون لهذه الحقيقة الساطعة في تاريخهم الحضاري القديم والمعاصر ليقفوا أمام سؤالٍ مصيريٍ يصحو في داخلهم ليمثل أمام أعينهم، "وماذا نحن فاعلون للقدس وهي تُنهب وتسلب ويجري تهويدها في كل يومٍ وليلة إذا ما أخفت عنا أحزانها ودموع جراحها لتسألنا في ابتسامة دامعة البريق: "أيها العرب، أيها المسلمون، اسمعوني لأسألكم ولآخر مرة: ماذا تبقى لكم؟!"

المصدر : الجزيرة