بئر عونة.. قرية مقدسية معزولة ومهمشة

قوار خسر نحو 4.35 مليون دولار بعد هدم بنايتين سكنيتين انشأهما في بئر عونة (الجزيرة)
قوار خسر نحو 4.35 مليون دولار بعد هدم بنايتين سكنيتين انشأهما في بئر عونة (الجزيرة)
أسيل جندي-القدس

تقع منطقة بئر عونة ضمن أراضي بلدة بيت جالا جنوب القدس، وبعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 تم توسيع حدود بلدية القدس لتضم منطقة بئر عونة إليها، ومنذ ذلك الحين يعيش سكانها حالة من التخبط إذ كان يحمل معظمهم هوية الضفة الغربية (خضراء)، لكنهم وجدوا أنفسهم فجأة داخل حدود مدينة يفترض أن يحمل سكانها هوية القدس (زرقاء).

تقدم عدد من سكان المنطقة بطلبات للحصول على صفة "مقيم" بالقدس، وتم إحصاؤهم ضمن سكان المدينة المحتلة وباتوا يحملون الهوية الزرقاء، لكن ظروف العيش في بئر عونة بدأت تضيق تدريجيا مع إقامة الحواجز العسكرية في الطرق المؤدية إلى القدس وبعد إقامة الجدار العازل عام 2002.

وكبقية الأحياء الواقعة خلف الجدار والتي عزل نحو ستة آلاف دنم من أراضيها مجتعمة، يعيش أهالي بئر عونة حياة قاسية نتيجة سياسة التهميش التي تتبعها بلدية الاحتلال تجاههم.

يدفع السكان لبلدية الاحتلال ضريبة الأملاك (أرنونا) ويحصلون على خدمة المياه من مصلحة المياه الإسرائيلية التي أوصلت تمديداتها إلى منطقة واحدة بعيدة عن المنازل، واضطر السكان لمدّ أنابيب المياه إلى منازلهم بشكل فردي مما كبدهم آلاف الدولارات.

الجدار العازل الذي يطوق بئر عونة والبوابة التي أغلقت المنطقة بالكامل (الجزيرة)

استهداف بالهدم
لجأت عائلة خالد قوار (60 عاما) إلى منطقة بئر عونة عام 1948 من قرية المالحة المجاورة والمهجرة، وحطت رحالها فيها لوفرة المياه اللازمة لرعي مئات المواشي التي اعتمدوا على تربيتها آنذاك.

ترعرع خالد بعيدا عن قريته الأم، لكنه انتمى إلى بئر عونة، ومع تقدمه في العمر تمكن من شراء أراض عدة بنى على إحداها إسكانا مكونا من خمسة طوابق، فكانت بلدية الاحتلال له بالمرصاد، إذ اقتحمت المنطقة وطوقتها ثم باشرت بهدم بنايتين متجاورتين قرب الجدار العازل.

روى قوار للجزيرة نت جزءا من معاناته وقال إن "15 مليون شيكل (نحو 4.35 ملايين دولار) خسرتها في الأرض والهدم.. لم يخطر ببالي يوما أن تستهدف بلدية الاحتلال أراضينا في المنطقة".

وقال إن هدفه من بناء الإسكان كان مساعدة الأزواج الشابة في القدس على شراء شقق سكنية بتكاليف منطقية لا تتجاوز 100 ألف دولار، لأن هؤلاء لا يحلمون بامتلاك منازل في الأحياء الواقعة داخل الجدار بسبب ثمنها الباهظ.

خالد قوار خسر بنايتين سكنيتين بعدما هدمهما الاحتلال (الجزيرة)

بعد تسوية جرافات الاحتلال البنايتين السكنيتين بالأرض، تصاعد الإحساس بالقلق والترقب لدى السكان لشعورهم بأن الإجراء الأخير إنما هو باكورة لاقتلاع حقوق أخرى للسكان، لا سيما حق الإقامة في القدس.

تأخر إغلاق منطقة بئر عونة بالجدار العازل بشكل كامل لأسباب يجهلها السكان، لكنهم أدركوا بمجرد الشروع في بنائه أن مصيرا غامضا ينتظرهم. وحسب قوار فإن الجدار عزل العائلة عن ثمانية دونمات من أراضيها التي تمتد حتى قرية الولجة المجاورة، وهم ممنوعون منذ 15 عاما من دخولها وقطف ثمار الزيتون عن أشجارها.

تحمل سهيلة أبو سعد (67 عاما) هوية زرقاء بعد إحصائها في التعداد السكاني وعائلتها في بئر عونة منذ احتلال القدس، وأبدت امتعاضها بسبب البعد الجغرافي عن مركز المدينة الذي ساهم الجدار العازل في مضاعفته.

سهيلة: المسافة التي نقطعها للوصول إلى أرضنا تبلغ حاليا سبعة كيلومترات بعدما كانت مئة متر فقط (الجزيرة)

مستقبل قاتم
وتضيف سهيلة "نعتاش من قطعة أرض نربي فيها النحل وتبعد عن منزلنا مئة متر فقط.. بعد استكمال بناء الجدار ووضع بوابة، نضطر الآن إلى السير بالسيارة مسافة سبعة كيلومترات لنتمكن من الدخول إلى مصدر رزقنا، وبعد ترتيبات معينة.. منذ تنصيب هذه البوابة أصبت وزوجي بالإحباط".

ضيق العيش في بئر عونة لا يقتصر على الجدار العازل ورداءة الخدمات، بل يمتد لمعاناة السكان من تدفق مياه الصرف الصحي في بعض الأحيان من مستوطنة "جيلو" المطلة على منازلهم وأراضيهم، مما يسبب كوارث صحية وبيئية.

بدوره اعتبر المسن نعيم أبو سعد أن بلدية الاحتلال تعامل السكان كأنهم "بقرة حلوب" تدر عليها ضريبة الأرنونا.

وفي ظل الهجمة المحمومة على الأحياء الواقعة خلف الجدار العازل، والحديث عن إمكانية تسليمها لجيش الاحتلال، كما هو الحال في مدن الضفة الغربية، قد يجد أهالي بئر عونة أنفسهم فجأة خارج حدود بلدية القدس مرة أخرى. ولعل الخاسر الأكبر مئات الأزواج الشابة من المقدسيين الذين لجؤوا للشراء في المنطقة بكثافة منذ عام 2005.

المصدر : الجزيرة