المطلوب من الشعوب تجاه القدس

من أصعب الأشياء عليك أن يدفعك أحدهم إلى الحائط ويضغطك من كلّ جهاتك، ويطلب منك بعدها وبكلّ وقاحة أن تمارس حريتك في المشي والقفز! بل الأصعب منها كما يقول الشاعر:

ألقاهُ في اليمّ مكتوفاً وقال له      إيّاكَ إيّاك أن تبتلَّ بالماءِ

يتصاعد في السنوات الأخيرة، وكلما أزداد وضع القدس صعوبةً وشقاءً السؤال التالي: ما المطلوب منّا تجاه القدس؟ ففي لقاءات صحفية وتلفزيونية وإذاعية وأمسيات ثقافية كثيرة كان يُوجّه للضيوف -وأنا أحدهم- هذا السؤال -وإن كان بصيغ مختلفة قليلاً- ولكن ما يجمع هذه الصيغ هو كلمة (منّا)، البعضُ -غيري- كان يلجأ إلى اللغة الإنشائية والخطابية؛ فهي تكفيه مؤونة الجواب: المطلوب منّا أن نتحد، المطلوب أن نقاوم، أن ندعم صمود القدس، أن نعيد القضية الفلسطينية قضية مركزية للعرب كلّ العرب، وأن تعود الخبر الأول في كل نشرات الأخبار، أن... وأن... وأن...

كنتُ أستمع للإجابات وأنا أضحك قهراً؛ فهي إجابات جميلة لكنها ليست لأمّةٍ انشطرت إلى مليون أمّة، ليست لأنظمةٍ كلّ همها النهاري والليلي كيف تُطيل أعمار حاكميها، ليست لمسؤولين عرب كبار إستراتيجية عملهم الوحيدة: كيف يرضى عني سيدي ووليّ نعمتي؟

السائل لم يحسب أنني سأخرج عن الإجابة النمطية لأنني رميت السؤال بسيل من الأسئلة: حدد لي ماذا تقصد بكلمة (منّا)؟ نحن من؟

أتذكّر أول مرّةٍ تمّت مواجهتي بهذا السؤال؛ كنتُ ضيفاً لمنبر رسميّ، ولم يحسب السائل أنني سأخرجُ عن الإجابة النمطية لأنني رميتُ السؤال بسيل من الأسئلة: حدد لي ماذا تقصد بكلمة (منّا)؟ نحن من؟ الشعوب؟ أم الأنظمة؟ الراكض للقمة الخبز أم أصحاب النياشين والبُسُط الحمراء؟ المطلوب منّا نحن كمعذبين بالأرض والساعين لحياة كريمة؟ أم المطلوب من أصحاب القرار؟! وما أن أكملتُ أسئلتي حتى وجدتُ المذيع بارتباكٍ كاملٍ ووجه عبوس يقول لي: منّا يعني أنا وأنت ومن هم مثلنا. وفي كل مرّة يتهور إعلامي ويسألني السؤال ذاته: ما المطلوب منّا تجاه القدس؛ أصرّ عليه أن يحدّد مقاصد كلمة (منّا).

أما نحن؛ فإذا كانت كلمة (منّا) لنا؛ فنحنُ لا نملك إلا أبجدية الاتجاه فقط نحو القدس، والأبجدية هنا هي الدعاء غير المستجاب، واقتطاع دراهم معدودة من خبز عيالنا، وتعليم أطفالنا أن القدس لنا مهما تعاقبت الأجيال وطال الزمن وهي تحت الاحتلال، هي أبجدية الذي لا يملك حلاًّ أو أبجدية فاقد الشيء الذي لا يستطيع أن يُعطي إلا فوضى الكلام وخُطباً تصلح للتصفيق عند الضيق؛ لأن الحلول الأخرى تجاه القدس هي حلول ثورية بامتياز، حلول تتطلب أن تحمل روحك على راحتك وتمضي بها لمهاوي الردى، حلول تجعل هذه الشعوب التي تصفّق لطغاتها ليل نهار في مواجهة دائمة معهم، والشعوب لا تلعب إلاّ على المضمون وقد تخسر المضمون عند "حزها ولزها" إذا تدخلت القوى العظمى في اللعبة، كما يجري الآن بسوريا وشعبها، الذي يخسر ثورته الأولى ويدفع ثمنها من دم أطفاله ونسائه وشيوخه وشبابه، عداك عن الأثمان الأخرى الواضحة للعيان.

هذه شعوب خسرت رهاناتها كلّها مع حكوماتها، وتستبدلها في أحسن الأحيان بحكومات مستنسخة لا تتغير منها سوى الأغلفة

كيف نعرف المطلوب من الشعوب تجاه القدس التي تضيع الآن بكلّ قرارات الصهاينة الذين كلّما صبّحوا علينا بقرار فإنهم لا يتركون المساء بلا قرارٍ آخر، والعرب يتفرّجون على مباراة المقدسيين مع الصهاينة وهم حتى لا يقومون بواجب الجمهور تجاه فريقه وقت اللعب؟!

هذه شعوب خسرت رهاناتها كلّها مع حكوماتها، وتستبدلها في أحسن الأحيان بحكومات مستنسخة لا تتغير منها سوى الأغلفة كما يقول الشاعر مظفر النواب، الذي يخسر كلّ شيء في رهاناته لن يقدّم حلاً للقدس، بل يقدّم حلاًّ للصهاينة، وللأسف إسرائيل تراهن الآن على سعي الأنظمة لإطالة أعمار الحاكمين؛ لذا فهي لا تخشى الشعوب لدى حكّامٍ يطبّلون ويزمّرون لدى بلاطات القوى الكبرى، كما تطبل وتزمّر الشعوب لدى بلاطات حاكميها.

إذن، وبعيداً عن المطلوب المباشر تجاه القدس، لأنه مستحيل التنفيذ في ظلّ "إلقاء المكتوف في البحر"، و"الدزّ على الحائط"، واللهاث خلف لقمة الخبز وتفاصيل الحياة اليومية؛ فإن المطلوب من الشعوب وبعيداً عن الثورية غير المضمونة، المطلوب من أجل القدس وقف التصفيق للحكومات -كلّ الحكومات- وأن تتوقف معها حالة التطبيل والتزمير التي أهلكت البلاد والعباد وأضاعت القدس وغير القدس.

أصحاب قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس راهنوا على الوقت لتعود الشعوب إلى بيوتها تمارس اللطم والحسرة

فالشعوب التي تحبّ القدس لا تصفّق لحاكم كلّ همزاته ولمزاته ضدّ القدس في "صفقة القرن"، والشعوب التي تريد أن تتحرر القدس لا تلهج بالدعاء في أذكارها وأورادها لحاكمٍ يترجّى إسرائيل يومياً لإفهامه ما المطلوب منه تجاهها بالضبط! الشعوب التي ترمي بنفسها عند قدمي حاكمٍ مقامر؛ بالتأكيد تحلم بالقدس ولكنه حلمٌ ينقصه الصحيان وليس تعاطي المخدرات وحبوب المنوّم كي لا تستفيق من غفواتها التي لا تنتهي!

الشعوب التي ثارت قبل قليل من أجل القدس ها هي تخسر رهان بقائها في الشارع؛ فقد راهن أصحاب قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس على الوقت لتعود الشعوب إلى بيوتها تمارس اللطم والحسرة، وها هي تستعد للاحتفال الكبير بتنفيذ القرار في يوم يعتبر أسود يوم لدى هذه الشعوب.

المطلوب من الشعوب أن تتوب وأن تعود شعوباً حقيقية لا قبائل تحلم بالرضا والمغفرة عند شيخ العشيرة.

المصدر : الجزيرة