أيّ صلاح الدين تنتظر القدس؟

الأصل في الحكاية أن القدس تنتظر، وأنها لا تفوّت لحظة إلا وهي تلهج بالدعاء: أين أنت يا صلاح الدين؟ ولدنا وتربّينا على ثنائية "صلاح الدين والقدس"، شاب الشعر وانحنى الظهر وصلاح الدين لم يلقِ علينا التحيّة ولم يسعفنا بمكالمة هاتفيّة واحدة، ولم يكلّف خاطره أن يزور أسيرا واحدا أو يقدّم عزاءً لشهيد!

المنتظرون صلاح الدين هم الذين أخذوا سيفه وسرقوا ترسه ونحروا فرسه، هم الذين اجتمعوا على لعبة الورق ليلا وتراهنوا على أن الخاسر منهم عليه أن يعتقل "صلاح الدين" قبل مولده، وعليه وعلى زبانيته أن يقتلوا الفكرة ولو كانت على شكل بطل تُردد اسمه الجماهير بأجيالها المتعاقبة ولا من تلبية للنداء ولا من أمل في الظهور.

كيف سيأمن صلاح الدين الخروج من بطن أُمّه وكل الأجهزة الأمنية العربية لا شغل لها إلاّ رصد كلّ حامل قد تكون على قسمات بطنها الخارطة السريّة للقدس

كيف لصلاح الدين أن يظهر أو يبعث "مسجا" على "موبايل" والعرب الراكضون من سيّد لسيّد يأخذون شرعيّة بقائهم من أسلحة تتوزع على الطرقات الرئيسية والفرعيّة لقتل صلاح الدين أو الاشتباه بأي مجنون يدّعي بأنه سيأتي حتما؟

كيف سيأمن صلاح الدين الخروج من بطن أمّه وكل الأجهزة الأمنية العربية لا شغل لها إلا رصد كل حامل قد تكون على قسمات بطنها الخارطة السريّة للقدس بدروبها العتيقة، والتي تمتدّ من "حطين" وصولا إلى القبّة المشرّفة؟

كيف لصلاح الدين أن يرسل لنا إشارة واحدة بالمجيء وكل الفضائيات العربية منشغلة بتخصيص جُلّ وقتها لحمل الفنانة فلانة، وما تبقّى من الوقت محجوز لصراع الجماهير على حلاوة اسم مولود الفنانة بين مؤيد للاسم ومبارك لسلامة الوالدة، ورافض لتعكير صفو الفنانة بالدخول في خصوصياتها التي رسمت خطة متكاملة لتجعلها عامة وطامة!

قلنا: إن الأصل في الحكاية أن القدس تنتظر؛ لأن القدس تثق أنّ حكاية الاحتلال لا تدوم ولن تدوم؛ ولها في احتلالاتها السابقة خبرةٌ ويقين، ولكنها اليوم تنتظر انتظارا مُرّا، فالعرب اليوم ليسوا عرب الأمس، ليسوا الممسكين على سيوفهم وينتظرون لحظة الانقضاض؛ بل إنهم النائمون في فراش الأعداء الذي جرّهم إليه الحاكم العربي "القطروز" الذي ادّعى أول ما جاء أنه "صلاح الدين"، وأنه لن يبتسم إلاّ بعد أن يفكّ حزن القدس ويمرّ على جوامعها ويطلب منها الغفران ويبكي عند كنائسها ويطلب من أجراسها ترنيمة الغضب.

الحاكم الغبي المكشوف الذي ما زال مُصرّا على فراش الأعداء وإعداد العدة لتحرير الأقصى من هناك! ما زال يُصرّ على أنّ إستراتيجية الحرب الحقيقية تبدأ من تزوير نتائج الانتخابات

هذا الحاكم الغبي المكشوف والذي ما زال مصرّا على فراش الأعداء وإعداد العدة لتحرير الأقصى من هناك! وما زال يصرّ على أنّ إستراتيجية الحرب الحقيقية تبدأ من تزوير نتائج الانتخابات ليبقى أولا حاكما منفردا وبعدها كلّ شيءٍ يهون، ولو كان ذاك استبدال أوطانٍ بأوطان وبيع أوطان مقابل تمديد لفترة تزوير جديدة!

ماذا لو كان صلاح الدين موجودا فعلا بيننا؟ ماذا لو كان الآن يجلس في غرفة بإحدى القرى العربية المنسية وليس لديه إلا هاتفه النقّال وتلفزيونه ذو "الدش" الرديء، ماذا تراه فاعلا؟ من أين سيبدأ؟ وما أول مكالمة سيجريها؟ وأية جيوش عربية سيستطيع الوصول إليها؟ ومن سيمشي معه؟ مَن مِن أصحاب النياشين التي لم تتغبر حتى في معركة صغيرة يرضى أن يستمع إليه أصلا؟ بل من سيقول له وهو يطأطئ بالأرض: "اعتبرني ما شفتك انفذ بريشك قبل أن يذبحوك"؟

صلاح الدين الذي أشبعونا كلاما بانتظاره، لم يدخل في الحكاية بعد، ولا يريد أن يسمع بها من الأساس؛ ولكنه الآن إمّا "قطروز" يقدّم التقارير لضابط أميركي صغير أو أنه يقف على طابور الخبز الطويل "يكحّ" كحّة تخرج الأمعاء وتكاد تخرج الروح معها! هو الآن إمّا يجلس مع الموساد ليعطيه بقيّة أسماء الخلية التي برفقة "أحمد نصر جرّار" ويعطيه معها أسهل طريقة للقبض عليهم، أو أنه راقد في إحدى المستشفيات العربية الرديئة التجهيز ينتظر من يجلب له إعفاءً طبيّا كي يموت فوق الذلّة بشبر وتحت الكرامة بمراحل! صلاح الدين الذي ببالكم يعمل الآن مهرّبا للدخان والمخدرات؛ ويتقاسم الإشارات الضوئية العربية مع مافيات التسوّل العربي!

صلاح الدين المختبئ الآن في عوالم الغيب سيأتي، ولن يخذل كل هذا الدم، ولن يساوم على وجع الأجيال التي توارثت الهزائم مغصوبة على العيش المرير

أمّا صلاح الدين الذي تنتظره القدس وننتظره معها والذي هو أصل الحكاية؛ فشخص مختلف تماما، فهو يصحو صباحا بعينين واثقتين أنّ القدس لنا؛ وأنّ الزمن مهما طال لا يغيّر الحقائق والثوابت؛ وأن فراش الأعداء لا يؤدّي إلاّ إلى الحمل الحرام؛ وأنّ طابور الخبز الطويل هو مضيعة للوقت وأن الأوان قد آن لتصنع خبزك بنفسك؛ وأن استجداء "القطاريز" هو استجداء لاحتلال جديد.

صلاح الدين المختبئ الآن في عوالم الغيب سيأتي، ولن يخذل كل هذا الدم، ولن يساوم على وجع الأجيال التي توارثت الهزائم مغصوبة على العيش المرير لدى حاكم عربيّ لا يتقن بعد خدمة الأعداء إلاّ الضحك على نفسه أمام المرآة وهو يقهقه: "صرتَ حاكما يا ولد"!

صلاح الدين الخارج من زعتر فلسطين قادم؛ الشابك يديه مع أيادي الثوار الذين ما بدلوا تبديلا قادم؛ الذي يحمل الخرائط السريّة من "حطين" إلى "القبّة" قادم، مهما نصبوا له من فخاخ أو وضعوا في طريقه ألغاما أو بقروا بطون الحوامل كي لا يخرج.

إنه قادم، فالقدس تنتظره وهو أصل الحكاية، وأنا أصدّق القدس وأثق بأحلامها حينما تغفو لكي تراه وتبتسم له.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أنشأ صلاح الدين الأيوبي الكلية الصلاحية بالقدس، وكانت بمثابة جامعة تدرس علوم الدنيا والدين، وتخرج منها علماء أفذاذ قديما وحديثا، لكنها تحولت بفعل المصالح السياسية إلى كنيسة "سانتا آن".

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة