عـاجـل: المتحدث باسم التحالف السعودي الإماراتي: الفرصة مهيأة لتضافر الجهود للتوصل لوقف شامل ودائم لإطلاق النار باليمن

حارة المغاربة.. دمرها الاحتلال ويواصل تهويدها

الاحتلال دمر حارة المغاربة ثم حولها إلى ساحة واليوم يقيم مبنى تهويديا على أنقاضها (الجزيرة)
الاحتلال دمر حارة المغاربة ثم حولها إلى ساحة واليوم يقيم مبنى تهويديا على أنقاضها (الجزيرة)
أسيل جندي-القدس

أينامُ الليل من هدموا منزله وشردوا عائلته؟ لماذا عليّ تقبل فكرة إبادة الحي الذي ولدتُ وترعرعتُ به؟ هل ستشاء الأقدار أن أعود والمغاربة من جديد إلى الحي لنبني منازلنا ونعيش هناك من جديد؟ هل ستفوح رائحة الكسكس المغربي (المفتول) من منازلنا الملاصقة للأقصى مرة أخرى؟

سيل من الأسئلة يمر بمخيلة المقدسي عبد اللطيف السيد (70 عاما) بشكل يومي، فرغم مرور أكثر من خمسين عاما على تدمير حي المغاربة الملاصق للأقصى وتهجيره وعائلته منه، ما زالت تفاصيل حياته فيه حاضرة لا تخبو ولا تمحى، وعادت أشغال الاحتلال مؤخرا على أنقاضه لتقّلب مواجعه.

ولد عبد اللطيف في حارة المغاربة لأم مغربية وأب فلسطيني، ووطئت قدم جده لأمه أرض القدس أول مرة عام 1915 قادما من مدينة العيون المغربية المطلة على المحيط الأطلسي، وكان كلما حاول العودة إلى المغرب ألمَّ به المرض وأقعده حتى قرر الزواج والاستقرار في حي المغاربة الذي كان يبعد أمتارا عن الحائط الغربي للمسجد الأقصى المبارك.

عبد اللطيف السيد بزي مغربي وصله من المغرب في شبابه (الجزيرة)

غداء لم يتم
ترعرع السيّد مع أبناء جيله في الحي -الذي كان الفريسة الأولى للاحتلال الإسرائيلي في حرب عام 1967 حيث سويت منازله بالأرض- وما زال يذكر أن 150 عائلة كانت تعيش فيه تفصل بين منازلها ممرات ضيقة، وتفوح في الأزقة رائحة الخبز الطازج لاشتهار حارة المغاربة بوجود فرن كان يقصده الناس لخبز احتياجاتهم اليومية من خبز وطعام
.

منذ أيام شرع الاحتلال الإسرائيلي في بناء مشروع "بيت الجوهر" التهويدي في ساحة البراق على بعد أقل من مئتي متر من المسجد الأقصى، وذلك بعد نحو نصف قرن من تحويلها إلى ساحة يؤدي فيها اليهود طقوسا دينية عند الحائط الغربي للمسجد الأقصى.

يقول السيد إنه منزل أسرته "كان يبعد عن سور الأقصى الغربي ستة أمتار لا أكثر، وكنا نلعب في ساحة أمام المنازل يبلغ طولها خمسين مترا وعرضها سبعة أمتار، وعبر باب المغاربة المؤدي للمسجد الأقصى كنا ندخل للباحات ونقضي معظم أوقات طفولتنا نمرح فيها.. كانت حياتنا هادئة وآمنة، تُغلق أبواب البلدة القديمة في تمام الثانية عشرة ليلا ونخلد مطمئنين إلى مضاجعنا".

يوم الاثنين 5 حزيران/يونيو 1967 اصطحب عبد اللطيف ثلاثة مهندسين هنودا إلى مدينة بيت لحم طلبوا منه مرافقتهم لزيارة كنيسة المهد، وكان من المفترض أن يتناولوا طعام الغداء في منزله بحي المغاربة إذ استيقظت والدته مبكرا لإعداد الأكلات المغربية لهم، لكن في طريق عودتهم إلى القدس -وبالتحديد في تمام الساعة الثانية ظهرا- اندلعت الحرب وبدأت بإجبار سكان الحي على إخلاء منازلهم.

زيدان نزح مع عائلته من حارة المغاربة إلى مدينة رام الله بالضفة الغربية (الجزيرة)

بدأ تجريف المنازل بمحتوياتها وسويت بالأرض، ومن لم يسمع نداء الإخلاء هدم منزله فوقه، لكن عبد اللطيف يذكر أن النخلة التي كانت تجاور منزلهم صمدت شهورا قبل "تعدمها" طواقم الاحتلال، "نخلة منزلنا لها ذكريات خاصة فكلما توفي أحد من البلدة القديمة أو بلدة سلوان المجاورة مروا بجانبها وأخذوا من سعفها لحمله بالجنازة وتثبيته على القبر، صمدت النخلة بعدنا في الحي لكنها لقيت حتفها أيضا بعد ثمانية شهور".

أرشيف حي
تفرق سكان حارة المغاربة في أحياء القدس المختلفة ومنهم من نزح إلى المملكة الأردنية وما زال يعيش فيها حتى يومنا هذا، أما المسن عبد اللطيف السيد فنزح مع عائلته إلى حي رأس العامود بالقدس، وما زالت أطياف أيام طفولته وشبابه في الحي تراوده خاصة كلما التقى بأبناء جيله من سكان الحي صدفة، أو قلّب بين الوثائق والصور الأرشيفية وعثر على صورة له بالزي المغربي التقطت له دون أن يعلم أن الحي سيتحول من حضن دافئ له إلى ساحة يقصدها المستوطنون ليل نهار لأداء صلواتهم التلمودية يطلقون عليها "ساحة المبكى".

علم المغرب مرفوع أمام أحد المنازل في سماء مدينة القدس (الجزيرة)

"غصة في القلب لم يمحُها مرور خمسة عقود"، هكذا وصف المقدسي صالح زيدان (68 عاما) ألمه عندما بدأ الحديث عن حارة المغاربة التي كان والده أول من وضع كشكا على مدخلها لبيع العصائر والمواد التموينية، قبل أن يستأجر حانوتا في الحي إلى جوار مقر الحكومة الأردنية الذي كان مخفرا.

رافق صالح والده إلى الحانوت لمساندته وتوطدت علاقتهما مع سكان الحي، ويذكر أن مبعوثين من الملك محمد الخامس كانوا يترددون على الحارة وزاوية المغاربة باستمرار، وكان للأوقاف المغربية والمحال التجارية مأمور يدبر شؤونها.

شهد الوالد على تدمير الحي وراقب تفاصيل الإجهاز عليه من حانوته الصغير الذي سلم من الهدم لأنه لا يعتبر ضمن الحيز السكني للمغاربة، وبعد شهور من الهدم بدأت جرافات الاحتلال إزالة الأنقاض تمهيدا لتبليط الساحة وتحويلها إلى مكان عبادة لليهود. يستذكر صالح زيدان تلك الفترة قائلا إن "ثلاثة مسنين شاهدهم والدي بأم عينه أثناء انتشال جثثهم من تحت الأنقاض، وإحدى الجثث تعود لامرأة لم تسمع نداء الإخلاء لأنها صماء".

حضور قديم
في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، كثفت سلطات الاحتلال من مضايقتها لعائلة زيدان بهدف إخلاء حانوتها، لكنها صمدت فيه حتى أقدمت الجرافات على هدمه عام 1983 مع المخفر الأردني الذي يجاوره
.

انتقلت العائلة بعيد هذه الحادثة للعيش في مدينة رام الله، لكن صالح ما زال ينسج حتى يومنا هذا حكايا طفولته بين أزقة الحي بخيط قوي واحد، ويصر على نقل رواية الحي التي تأبى النسيان لأبنائه وأحفاده.

وحطت رحال المغاربة في القدس قبل ثمانمئة عام، حين طلب القائد صلاح الدين الأيوبي المدد من سلطان المغرب يعقوب المنصور، وتزويده بأساطيل بحرية لتسانده في تحرير مدينة القدس من الصليبيين، فجهّز سلطان المغرب أسطولا ضخما لمساندة الجيش الإسلامي في المشرق العربي، وكان ذلك عام 1187 للميلاد.

وبعد تحرير القدس كرّم صلاح الدين المجاهدين من بلاد المغرب العربي بإسكانهم في المدينة، وقال حينها "أسكنت هنا من يثبتون في البر ويبطشون في البحر، وخير من يؤتمنون على المسجد الأقصى وعلى هذه المدينة"، بحسب ما تحكي الروايات.

المصدر : الجزيرة