أطفال التوحد بالقدس.. ضحايا عنصرية الاحتلال

2-أسيل جندي، مجموعة من أهالي أطفال التوحد في روضة السنابل العلاجية خلال الاعتصام الذي نظموه أمام مقر البلدية(الجزيرة نت)
ذوو الأطفال المصابين بالتوحد في القدس يتظاهرون للمطالبة بحقوق أبنائهن (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس

عبثا تحاول المقدسية إيناس الجنيدي إسكات طفلها المصاب باضطراب طيف التوحد، تتجول في غرف النوم والجلوس والمطبخ للتفكير في خيارات من شأنها إرضاء طفلها، ثم تعود لتجلس مع ضيوفها وهي في حالة توتر شديدة.

شُخّص طفلها الأصغر توفيق -الذي يبلغ من العمر ثلاثة أعوام ونصف العام- بهذا الاضطراب في أبريل/نيسان المنصرم، وبدأت إيناس وزوجها خالد منذ ذلك الحين رحلة عذاب وظلم وصفاها بالجحيم.

التحق توفيق بروضة السنابل العلاجية في بلدة بيت حنينا (شمال القدس) مطلع العام الدراسي الحالي، ومنذ التحاقه لاحظ الوالدان تراجعا في حالته، وقال والده خالد الجنيدي "سمات التوحد كانت ظاهرة على توفيق، مثل تأخر النطق وعدم تقبل الطعام، لكن بعد دخوله الروضة شعرنا بتحوله لشخص آخر يضرب شقيقاته بعنف شديد، وبدأ مؤخرا القيام بالحركات المنوالية المعروفة لدى هذه الفئة".

ثلاث عائلات مع أبنائها المصابين بالتوحد خلال حديثهم للجزيرة نت (الجزيرة)
ثلاث عائلات مع أبنائها المصابين بالتوحد خلال حديثهم للجزيرة نت (الجزيرة)

فارق الخدمة
منذ اللحظة الأولى، أدرك خالد وزوجته أن مبنى الروضة الخاضعة لسلطة بلدية الاحتلال غير ملائم لأطفال التوحد، ومع متابعتهما اليومية وتواصلهما مع أهالي 62 طفلا آخرين في الروضة العلاجية، التفتا لرداءة الخدمات التي تقدم لهم مقارنة مع ما يُقدم للأطفال في الروضات العلاجية اليهودية الواقعة في الشطر الغربي من القدس المحتلة.

"أشعر بالتيه منذ لحظة تشخيص ابني؛ على الموقع الإلكتروني للروضة تفيد المعلومات بأن الأطفال يتلقون فيها علاجا وظيفيا وسلوكيا ونفسيا وعلاج اتصال وتواصل، بالإضافة إلى العلاج بالحركة والموسيقى ولقاءات إرشاد للأهالي، لكن أطفالنا يتلقون فعليا علاجا للنطق وعلاجا وظيفيا فقط في غرف عامة لا فردية"، بحسب إيناس.

استقبلت وزوجها كلا من المقدسي رامي جابر وزوجته سلمى، ومحمود أبو فرحة وزوجته غدير، مع أطفالهم المصابين بالتوحد فريد ويوسف للحديث بشكل جماعي للجزيرة نت عن معاناة أهالي هذه الفئة المهمشة، حسب تعبيرهم.

رامي جابر وزوجته سلمى مع طفلهما المصاب بالتوحد فريد (الجزيرة)
رامي جابر وزوجته سلمى مع طفلهما المصاب بالتوحد فريد (الجزيرة)

بوجود الأطفال الثلاثة كان من الصعب تواصل الأهالي الذين لم يتمكنوا من السيطرة على تصرفات أبنائهم المصابين بالتوحد، مما أثار تساؤلا عن كيف يمكن لطاقم الروضة النجاح في الجلسات العلاجية الفردية إذا كان الأطفال يتلقونها في الغرفة ذاتها؟

تجربة مريرة
غدير أبو فرحة شرحت مطولا عن تجربتها المريرة في الروضة العلاجية، وقالت إنها تفتقر للحد الأدنى من احتياجات هذه الفئة، وتطرقت لأبرز المطالب التي توجهوا بها للبلدية قبل أسبوع من خلال اعتصام نظموه أمام مقرها.

ومن المشكلات التي تواجه ذوي الأطفال، والتي رفعت في عريضة مطالبات لبلدية الاحتلال التي تقع على عاتقها المسؤولية: افتقار المبنى لإجراءات الأمن والسلامة، وعدم جهوزية الغرف العلاجية، وشح الألعاب العلاجية، وعدم تلقي الأطفال الجلسات المعلن عنها، بالإضافة إلى عدم عقد لقاءات إرشادية تفريغية للوالدين، وغياب مراقبة وزارة الصحة على تعقيم الألعاب وتنظيف المكان.

محمود أبو فرحة وزوجته غدير مع طفلهما المصاب بالتوحد يوسف (الجزيرة)
محمود أبو فرحة وزوجته غدير مع طفلهما المصاب بالتوحد يوسف (الجزيرة)

وجاء رد الأخيرة على لسان مديرة قسم المعارف العربية في البلدية لارا مباريكي بمعالجة بعض المشكلات بشكل فوري، وتأجيل أخرى، التي تتطلب مزيدا من الوقت والتخطيط المسبق، حسب تعبيرها.

هذا الرد لم يشف غليل الأهالي القلقين على مستقبل أبنائهم، ووصف محمود أبو فرحة رد البلدية بالباهت الذي لا يلبي 20% من مطالبهم، وأضاف "هناك ميزانيات سنوية لكل مدرسة، لكنها لا تصل لأطفالنا، واتضح وجود اختلاسات لذا نطالب بمحاسبة كل المسؤولين عن ذلك، لأننا سنصعد خطواتنا الاحتجاجية بالامتناع عن إرسال أطفالنا نهائيا في حال عدم الرضوخ لمطالبنا"، حسب وصفه.

‪خالد الجنيدي وزوجته إيناس مع طفلهما المصاب بالتوحد توفيق‬ (الجزيرة)
‪خالد الجنيدي وزوجته إيناس مع طفلهما المصاب بالتوحد توفيق‬ (الجزيرة)

أفضلية لليهود
في خضم الحديث الغاضب عن حال أطفال التوحد شرقي القدس، تتسلل دمعة إحدى الأمهات خلال تعبيرها عن التحديات اليومية التي تواجهها وزوجها مع طفلها، وقالت سلمى جابر "الروضات العلاجية المخصصة لليهود تتوفر بها كل وسائل الراحة للأهل والتطور للطفل، كما تتوفر رحلات سنوية مع المبيت لتخفيف الأعباء النفسية عليهم".

ضرورة "التدخل السريع" عبارة سمعها الأهالي من أطباء الأعصاب عند تشخيص أبنائهم، لكنهم يجمعون على أن الروضات العلاجية أسهمت في تراجع حالة أطفالهم، وتطور أعراض التوحد لديهم في ظل تقاعسها عن تطويرهم وتقديم العلاج المناسب لهم.

يذكر أن حقوق أطفال التوحد المنصوص عليها في القانون الإسرائيلي هي ذاتها لليهود والفلسطينيين، وتتمثل في المخصصات المالية والحصول على يوم تعليم طويل مجاني ومواصلات خاصة بهم، لكن التمييز العنصري يتجلى بأبشع صوره في الروضات العلاجية التي تتوفر بها أحدث التجهيزات والإمكانيات غربي القدس، مقابل أبنية متهالكة تخصص لأطفال التوحد شرقي المدينة، ولا يحصلون داخلها على أدنى حقوقهم التعليمية والعلاجية، حسب الأهالي.

المصدر : الجزيرة