زهير دعنا.. صانع الحقائب الوحيد بالقدس

أسيل جندي–القدس المحتلة

في طريق الواد بالبلدة القديمة من القدس وعلى بعد أمتار من باب المجلس أحد أبواب المسجد الأقصى تستقبل الزائر رائحة الجلود المنبعثة من حانوت المقدسي زهير دعنا، بينما ينهمك هو في صناعة الحقائب الجلدية غير آبه باندثار هذه الحرفة وببقائه وحيدا في ممارستها بالقدس العتيقة.

يجلس دعنا خلف آلة خياطة أثرية مرتديا نظارة كلما بدأ بحياكة الجلد على آلته، يسترق النظر إلى الخارج كلما مرّ أحد من باب الحانوت ثم يعود لعمله.

"وعليكم السلام.. تفضل.. أهلا وسهلا" عبارات ترددت على مسامعنا كثيرا خلال جلوسنا بجواره، فلا يكاد يمر شخص دون إلقاء السلام على الحرفي المخضرم وأحد أعلام طريق الواد.

يتحدث بصوت منخفض ونبرة رزينة لا تختلف حتى عند انفعاله بالحديث عن تخلي السلطة الفلسطينية والدول العربية عن القدس وتجارها.

يجلب زهير دعنا جلد الأبقار والأغنام والجمال من مدينة الخليل (جنوب الضفة الغربية) ويقوم بقصها وتفصيلها وخياطتها (الجزيرة)

موروث عائلي
ولد الحرفي زهير دعنا عام 1956 في طريق الواد والتحق بمدرسة العمرية القريبة من منزله، وتعلم على يد والده وجده حرفة صناعة الحقائب والأحذية الجلدية عند بلوغه سن العاشرة، فكان يتجه للحانوت الملاصق لمنزل العائلة بعد دوامه المدرسي ويراقب خطوات التصنيع فيه حتى أتقنها.

يستذكر الحرفي المقدسي أياما خلت "كان خان الأقباط في البلدة القديمة يعج بالحرفيين بالإضافة إلى سوق الدباغة المخصص لدباغة الجلود وتصنيع الملابس والأحذية والحقائب والأحزمة منها.. كنا نعمل كخلية نحل وكان الطلب على المنتجات عاليا وفوق طاقتنا أحيانا".

وبمجرد استئنافه الحديث عن هذه الحرفة المتوارثة بعائلة دعنا، اصطحبنا للمعمل الداخلي الواقع في الطابق الأرضي بمنزله وأطلعنا على الآلات القديمة التي يواظب على استخدامها بعدما ورثها عن أبيه وجده.

تتراكم أكوام من قصاصات الجلد على أرض الحجرة ذات البناء المتآكل التي تحتضن أربع آلات، في حين وضع زهير الخامسة في الحانوت الخارجي، ويعمل عليها خلال طيلة النهار الذي يمر غالبا دون نفاد شيء من بضاعته.

ركز زهير دعنا جهده في صناعة الحقائب واستغنى عن صناعة الأحذية (الجزيرة)

أفول المهنة
في ظل التطور الصناعي واجتياح البضاعة الجاهزة للأسواق بدأ نجم هذه الحرفة بالأفول تدريجيا، وحسب دعنا فإن أكثر العوامل التي أدت لاندثار حرفة صناعة الجلود هي بناء الجدار العازل، وتحريض السياح الأجانب ضد التجار المقدسيين، بالإضافة للأوضاع الأمنية المتردية التي تؤدي في كثير من الأحيان لإغلاق المحال التجارية في طريق الواد وتكثيف إجراءات الاحتلال التعسفية ضدها.

"يمر آلاف السياح من أمام الحانوت لكنهم يسيرون حسب برنامج حُدد لهم ويمنعون من الاقتراب من بضائعنا.. البيع شحيح وأحيانا يكون معدوما لكنني صامد وعلّمت ابني هذه الحرفة ليكمل طريق عائلتنا بها.. لن نستسلم لخططهم التهويدية".

بشغف تحدث عن مراحل التصنيع قائلا إنه يجلب جلد الأبقار والأغنام والجمال من مدينة الخليل (جنوب الضفة الغربية) ويقوم بقصها وتفصيلها وخياطتها ثم تحضير الجيوب وأقفال الحقائب، وفي المرحلة النهائية تُطبع صور معينة على الجلد كصورة الأقصى والبلدة القديمة أو زخارف معينة يمكن للزبون اختيارها.

يستغرق تصنيع الحقيبة الواحدة ساعتين وتتراوح أسعارها بين أربعين ومئتي دولار أميركي. وتوقف دعنا عن تصنيع الأحذية قبل سنوات.

دعنا رفض مساومة بـ 15 مليون دولار مقابل بيع محله في شارع الواد بالقدس للمستوطنين (الجزيرة)

مساومة بالملايين
يلوم الغرفة التجارية الصناعية في القدس والسلطة الفلسطينية على عدم اكتراثهما بتجار البلدة القديمة وبمصير حوانيتهم التي تصارع للبقاء "آخر مبلغ عرضته علي الجمعيات الاستيطانية لإخلاء حانوتي وبيتي كان 15 مليون دولار لموقع عقارنا الحساس القريب من المسجد الأقصى وحائط البراق.. رفضتُ وما زلت أرفض كل الإغراءات لكنني بالمقابل أحتاج لمن يدعم صمودي في وجه هذا التهويد الشرس".

عشرات الحرفيين الذين اعتمدوا في لقمة عيشهم على تصنيع الجلديات اندثرت حوانيتهم وتحولت لتخصصات أخرى وبقي دعنا وحيدا في هذه الحرفة التي تأسست في القدس مع قدوم الصليبيين حتى أُطلق على إحدى حواري القدس "حارة الجوالدة".

وتطورت الحرفة في عهد القائد صلاح الدين الأيوبي الذي اهتم بتطوير القدس حرفيا وصناعيا، وفي العهد المملوكي بُني سوق الدبّاغة الذي اختص بجانبين: الأول فصل الشعر عن جلود الأبقار والأغنام والجمال وصبغها، والثاني صناعة المنتوجات الجلدية من معاطف وأحذية وحقائب وأحزمة وغيرها.

وفي القرن التاسع عشر قدمت عائلات من الخليل إلى القدس من بينها عائلة دعنا وعملت لعقود في هذه الحرفة التي اندثرت واندثر معها سوق الدبّاغة وتحول لسوق أفتيموس الذي تبيع بعض محلاته الحقائب الجلدية القادمة من الخليل، في حين تحولت بقية المحلات لمطاعم.

المصدر : الجزيرة