حي الشيخ جراح.. كبد القدس الذي يقطعه الاستيطان

الكرد يشير إلى بيته الذي استولى عليه مستوطنون عام 2009 ويعيش بسببهم حياة يصفها بالجحيم (الجزيرة نت)
الكرد يشير إلى بيته الذي استولى عليه مستوطنون عام 2009 ويعيش بسببهم حياة يصفها بالجحيم (الجزيرة نت)

أسيل جندي-القدس المحتلة

"في صغري عشت موقفا لن أنساه أبدا؛ ففي عام 2009 استولى المستوطنون على بيتي وسرقوا أثاثه، تحملت ألم كل هذا، لكن مشهدهم وهم يحرقون سريري وألعابي أشعل قلبي نارا... والآن قلبي ما زال يحترق كلما أمرّ من باب البيت المسروق أنظر في ذاكرتي لتعيدني لذلك المشهد، قلبي لن ينطفئ أبدا، لكنه ما زال لدي أمل أن يخرجوا من بيتي ومن أرضي.. سريري ما زال يحترق".

هذه ليست قصة خيالية، ولكنها خاطرة كتبتها الطفلة المقدسية مها الكرد (12 عاما) التي توثقت خلالها أحداث يوم تحولت فيه حياتها وأسرتها إلى جحيم باستيلاء المستوطنين على نصف منزلهم الكائن في كرم الجاعوني بحي الشيخ جراح في القدس.

مها التي تجلس بجوار والدها في الفناء الخارجي للمنزل لتدارك أي تحرك أو اعتداء مفاجئ من المستوطنين، تقول للجزيرة نت إنها لا تعيش طفولتها كما ترغب في عيشها لافتقادها الأمان في حياتها اليومية. وتقول عندما أخرج للمدرسة وأعود منها يجب أن ألتفت يمينا ويسارا لأتأكد أن المستوطنين غير موجودين ولن يهجموا علي، ولا يمكنني اللعب في الخارج خوفا من اعتداءات المستوطنين أو الاختطاف.

الكرد يستمع لمجموعة من الأشعار التي كتبتها طفلته مها عن الإخلاء (الجزيرة)

أرق الطفولة
تطمح مها إلى أن تصبح شاعرة، وعند سؤالها عن المواضيع التي تحب نظم الشعر فيها قالت إن كل ما كتبته حتى الآن يتمحور حول إخلائها من حي الشيخ جراح "إذا نعمتُ بالحرية يوما ما سأرى العالم جميلا وأكتب بنظرة تفاؤلية".

تطيل النظر لمدخل المنزل، ثم تلتفت لوالدها الذي تحدث مطولا عن معاناة أسرته مع المستوطنين، وتعود لتحدق في دفترها الذي يحتضن كلمات خطتها على وقع القلق الذي يرافقها منذ نعومة أظفارها.

الوالد السبعيني نبيل الكرد استقبلنا بكامل هندامه، حتى ظننا أنه يتهيأ للخروج لمكان ما، لكنه في الواقع يتسمر في كرسيه بمدخل المنزل منذ تقاعده قبل ثلاثة أعوام لمراقبة المستوطنين، تحسبا لأي اعتداء مفاجئ منهم على بقية منزله وأفراد أسرته.

"بنيت منزلا ملاصقا لمنزلي وأنهيت العمل فيه عام 2001، لكنهم صادروا مفاتيحه قبل سكنه بأربعة أيام. وفي عام 2009 جاء المستوطنون واستولوا عليه ومنذ ذلك الوقت تحولت حياتنا لجحيم".

الحاجة معزوزة ذياب تتعهد بالبقاء في كرم الجاعوني في الشيخ جراح مهما كلفها من ثمن (الجزيرة)

خيمة العذاب
نصب نبيل الكرد خيمة في مدخل المنزل وتناوب على التواجد بها متضامنون فلسطينيون وأوروبيون ويهود، وتعرض هؤلاء لمضايقات عدة؛ تمثلت في سكب الحليب الفاسد عليهم، ورشقهم بالخضراوات والفواكه المتعفنة، وإلقاء قمامة المراحيض عليهم وعلى فراشهم، بالإضافة إلى إطلاق الجرذان أثناء نومهم، وبعد خمسة أعوام أضرم المستوطنون النيران في الخيمة وأحرقوها.

انتهت المضايقات للمتضامنين، لكن أصحاب المنزل يعانون على مدار الساعة. وحول ذلك يقول الكرد "يتعمد المتطرفون خلع ملابسهم بالكامل والوقوف أمام النوافذ المطلة علينا، فاضطررت لوضع حاجز قماشي لأحمي بناتي وزوجتي.. كلابهم تهاجمنا ونفاياتهم تغرق المدخل، أعدموا الأشجار وعاثوا خرابا في المنزل".

في البيت المجاور للكرد تعيش الثمانينية المقدسية معزوزة ذياب مع عائلتها الممتدة، بدت هذه المسنة صارمة في حديثها عن إمكانية إخلاء الحي من الفلسطينيين وتحويله لحي استيطاني.

وقالت "هنا الجنة التي لا أستبدلها بقصور العالم.. جئنا للشيخ جراح لاجئين من يافا، هذه أرضي وهنا بيتي ولن أخرج منه، وهذا الاحتلال عاجز عن كسر شوكة الفلسطينيين منذ سبعين عاما".

المقدسي عارف حماد يضع أمامه عشرات الأوراق من رحلته الطويلة في المحاكم الإسرائيلية للدفاع عن بيته وأرضه (الجزيرة)

ادعاء زور
على مقربة من منزلها تعيش عائلة حمّاد اللاجئة من حيفا. هناك استقبلنا عضو لجنة وحدات سكن لاجئي الشيخ جراح عارف حمّاد الذي يقارع المستوطنين في المحاكم الإسرائيلية منذ سبعينيات القرن الماضي، بعد أن رفع المستوطنون دعوى ضد كل من عائلات الأيوبي وغوشة والحسيني بادعاء أنهم سرقوا الأرض في زمن الحكم الأردني للمدينة.

آخر القرارات الإسرائيلية صدر عن المحكمة العليا التي رفضت نظر قضية قدمتها عائلتا حمّاد والصباغ لإثبات ملكيتهما للأرض. وفي تعليقه على ذلك قال حمّاد "نعيش حالة من القلق الدائم.. كل أسئلة أطفالنا تتمحور حول موعد الإخلاء وكيفيته، خاصة أنهم شهدوا وحشية إخلاء أربع عائلات بالحي قبل سنوات".

المحامي سامي ارشيد أحد المكلفين بالدفاع عن العائلات التي تعيش في كرم الجاعوني في حي الشيخ جراح بالقدس، قال إنهم جميعا لاجئون فلسطينيون من الداخل المحتل عام 1948، وقررت الحكومة الأردنية بالتعاون مع الأونروا توطينهم بالقدس في الخمسينيات مقابل تخليهم عن حقوقهم كلاجئين.

وتم اختيار 28 عائلة بنيت لها وحدات سكنية في كرم الجاعوني وتعاقدت الأردن مع المواطنين على دفع إيجارات لمدة ثلاثة أعوام وتصبح المنازل بعدها ملكا لهم، وانتهت عقود الإيجار عام 1959، وبات المواطنون يتصرفون تصرف المالك في العقارات.

لكن بعد احتلال القدس عام 1967 وضم شطرها الشرقي للسيطرة الإسرائيلية؛ فوجئ السكان بلجنتين يهوديتين تتوجهان لدائرة الأراضي عام 1972 وتسجلا ملكيتهما لهذه الأرض التي تبلغ مساحتها نحو 16 دونما (الدونم ألف متر).

800 مهدد
لم تُخبر هذه اللجان المواطنين بما أقدمت عليه، وبدأت تطالبهم بإخلاء عقاراتهم بادعاء أنه لا حق لهم في ملكيتها، وهكذا تفرعت عشرات القضايا في المحاكم حسب المحامي ارشيد، الذي قال إن 28 عائلة نووية امتدت ليصبح عدد أفرادها الآن ثمانمئة فرد وهم معرضون للإخلاء لصالح المستوطنين.

وأضاف أن عائلة الصباغ التي تعيش بالحي صدر بحقها قرار بالإخلاء عام 2012 لكنه جُمّد تنفيذه، ومن الممكن أن يسرع قرار المحكمة الإسرائيلية العليا الأخير إجراءات إخلائها.

وعن تفاصيل المسار القانوني الأخير، أوضح ارشيد أنه تم رفع دعوى باسم عائلتي حمّاد والصباغ لمطالبة المحكمة بالنظر في ملكية الأرض بادعاء أن عملية تسجيل المستوطنين لملكيتها تم عن طريق الغش والتزييف، وأن العائلات تملك حق التصرف بالأرض والمنازل بناء على اتفاقيات مع الحكومة الأردنية.

رفضت المحكمة نظر الدعوى بناء على التقادم، وقال القضاة إنه كان يجب التوجه للمحاكم للنظر في الملكية خلال 15 عاما على أقصى تقدير، وفي تعليقه على ذلك قال ارشيد "هدف الإخلاء واضح؛ خلق حي استيطاني جديد على أنقاض منازل الفلسطينيين بكرم الجاعوني".

المصدر : الجزيرة