أبو جمل.. عائلة مقدسية تحمل لواء المقاومة رغم العقوبات

العقوبات الجماعية المفروضة على خمسين فردا من عائلة أبو جمل مستمرة للعام الخامس على التوالي (الجزيرة)
العقوبات الجماعية المفروضة على خمسين فردا من عائلة أبو جمل مستمرة للعام الخامس على التوالي (الجزيرة)

أسيل جندي–القدس المحتلة

الطريق المؤدي إلى منازل عائلة أبو جمل بدت خالية من المركبات والمارة، وبصعود الزائر السلالم الطويلة نحو منزل عبد الرحمن، أحدث الشهداء، يمر بجوار منزل علاء الذي سبقه ويسترق النظر من إحدى نوافذه إلى الإسمنت المسلح المسكوب داخله، ثم يكمل سيره صعودا وعلى يساره تستقبله صور كل من غسان وعدي اللذين ارتقيا قبل علاء بأشهر.

في نهاية السلالم يقع منزل عبد الرحمن الذي خيم الصمت على ساكنيه وزوراهم، تجلس والدته محدقة في المدفأة الكهربائية أمامها وترفض إجراء أي مقابلة صحفية وتقول "ربنا يفرج همنا.. شدة وستزول".

عائلة الشهيد تعتبر أن إقدامها على إجراء المقابلات الصحفية سيعكر صفو الإجراءات التي تسير قدما فيها، حيث رفعت قضية طالبت فيها بتشريح جثمان الشهيد لإيمانها أن الشرطة لم يكن لديها مبرر لإعدامه خاصة أنها لم تنشر مقاطع فيديو تثبت أن عبد الرحمن أقدم على تنفيذ عملية طعن كما جرت العادة.

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة" كلمات لمحمود درويش آمن بها محمد أبو جمل والد الشهيد غسان (يمين) ومعاوية شقيق غسان (الجزيرة)

قساوة الانتظار
ووسط انتظار العائلة لنتائج التشريح الذي وافقت عليه المحكمة، يبقى الحديث يتمحور عن آليات ومكان وزمان استلام الجثمان ودفنه في مشهد يعيد أفراد العائلة لأيام قاسية عاشوها خلال انتظارهم الإفراج عن جثامين كل من غسان وعدي وعلاء من صقيع ثلاجات الاحتلال.

وقضى كل من غسان وعدي أبو جمل برصاص الاحتلال بعد هجوم نفذاه على كنيس في "هار نوف" بالقدس الغربية في 18 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014، وأسفر الهجوم عن مقتل خمسة حاخامات وجرح آخرين، بينما تم تسليم جثمانيهما بعد 37 يوما من استشهادهما، ودفنا خارج مدينة القدس المحتلة.

أما علاء فنفذ عملية دعس وطعن في 13 أكتوبر/تشرين الأول عام 2015، وأسفرت عن مقتل حاخام إسرائيلي وإصابة سبعة آخرين بجراح متفاوتة، قبل إقدام رجال أمن إسرائيليين على إعدامه.

عبد الرحمن أبو جمل الأحدث في قافلة شهداء العائلة اتهمته الشرطة بتنفيذ عملية طعن قرب مركز للشرطة في بلدة جبل المكبر، لكن العائلة تفند هذه الرواية وترجح أن الاحتلال أقدم على تصفيته دون ذنب ارتكبه لمجرد انتمائه لعائلة أبو جمل.

ما تبقى من منزل الشهيد غسان أبو جمل بعد تفجيره إثر عملية فدائية (الجزيرة)

عقوبات جماعية
العقوبات الجماعية مفروضة على خمسين فردا من عائلة أبو جمل للعام الخامس على التوالي، يؤكد محمد والد الشهيد غسان أبو جمل وشقيقه معاوية.

 لم نتمكن من التعرف على معاوية للوهلة الأولى، بدا هزيلا وشعره يملؤه الشيب وأسنانه سقطت من مكانها، وكأنه شخص يختلف عن ذلك الذي كان يستقبل الزوار بابتسامة واثقة وملامح هادئة في السنوات السابقة، وقال "منذ قدّم أبناؤنا أرواحهم للوطن ونحن نعيش في عزلة عميقة، يدمرنا الاحتلال يوميا ويسعى من خلال إجراءاته لدفعنا للعيش خارج القدس".

عندما أقدم الاحتلال على تفجير منزل غسان بعد استشهاده بأشهر تضرر منزل معاوية بشكل كبير وتمكن مؤخرا من إعادة ترميمه، وفي الاقتحام الليلي الأخير للحي قبل أيام هددته المخابرات بهدم منزله مجددا، فهو شقيق الشهيد ويجب أن يدفع ثمن ما أقدم عليه غسان طيلة حياته.

"الاقتحامات الليلية أنهكت أطفالنا.. بمجرد سماع أبنائي صوت طرق الأبواب يتبولون لا إراديا، وأقف عاجزا عن حمايتهم من هذا الرعب والظلم شبه اليومي" يضيف معاوية.

لم يقتصر العقاب على تفجير منزل غسان وإغلاق منزلي عدي وعلاء بالإسمنت المسلح بل تعدى ذلك لفصل كافة شبان العائلة من عملهم.

وعن ذلك قال معاوية "كنت أعمل مقاولا وهذا العمل يرتبط بالإسرائيليين بشكل أساسي.. فقدت عملي ثم بحثت عن أي فرصة لأكون عاملا ولم أفلح.. فتحتُ محلا صغيرا لبيع العصائر فدأبت المخابرات على اقتحامه كل ثلاثاء وخميس حتى اعتقلوني وادعوا أنني فتحت المحل لمراقبة عناصر الشرطة في جبل المكبر واضطررت لإغلاقه.. وها أنا مغرق بالديون بعد ترميم منزلي ولا أفق في الحصول على فرصة عمل".

بجوار معاوية يجلس والده محمد أبو جمل (73 عاما) الذي بدأ حديثه بعبارة "الهموم زادت من عمري عقودا.. أخبرني أحد المحققين بُعيد استشهاد غسان أنهم سيتبعون معنا سياسة الموت البطيء".

الموت البطيء للوالد المسن بدأ بإعدام ابنه فور تنفيذه العملية وتفجير منزله لاحقا "أعتقد أن ذلك كان كافيا لعقاب غسان، لكنهم لم يكتفوا به بل رحّلوا زوجته التي تحمل الهوية الخضراء إلى الضفة الغربية مع أبنائها الثلاثة الذين حُرموا من حقهم في التأمين الصحي والوطني".

وخلال الاقتحامات المتتالية للمنازل صادر جيش الاحتلال مبالغ مالية من منزل والد الشهيد وما زال يعبث بمحتوياته مع كل اقتحام مع تعمد توجيه سيل من الألفاظ النابية له ولأبنائه.

عزيمة وإرادة 
ويضاف إلى ذلك إعاقة الدوائر الرسمية الإسرائيلية لمعاملات العائلة الممتدة في كل مرة يتوجهون إليها لإتمام معاملة ما لتكون الإجابة أن الملف يحتاج لفحص أمني.

هذه الإجراءات لم تنل من عزيمة العائلة التي يؤكد والد الشهيد أنها متجذرة في أرضها بجبل المكبر منذ مئات السنين ولن تزعزع مضايقات الاحتلال من صمودها.

أما معاوية الذي تحدث بغضب مطولا عن أشكال العقوبات الجماعية التي يتبعها الاحتلال ضدهم وعن التحريض الإسرائيلي عليهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فصمت للحظات عند سؤاله عن عبارة الراحل محمود درويش "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" والمثبتة على خريطة خشبية لفلسطين على أحد جدران منزله، ثم قال "نحن منهكون لكنني أومن بهذه العبارة وأقرؤها عشرات المرات يوميا لأستمد القوة وأمضي وعائلتي نحو مستقبل آمل أن يحمل لنا الأفضل".

المصدر : الجزيرة