عـاجـل: مايك بنس: الاتفاق مع تركيا يقضي بوقف كل العمليات العسكرية في شمالي سوريا

البيادر السياسي.. صوت القدس الذي تمرد على الرقابة العسكرية

كان الطابق العلوي لمجلة البيادر بمثابة وزارة الخارجية الفلسطينية تقام فيه حفلات الوداع للقناصل والدبلوماسيين (الجزيرة)
كان الطابق العلوي لمجلة البيادر بمثابة وزارة الخارجية الفلسطينية تقام فيه حفلات الوداع للقناصل والدبلوماسيين (الجزيرة)

أسيل جندي–القدس المحتلة

في بداية شارع الرشيد على بعد أمتار من باب الساهرة أحد أبواب البلدة القديمة في القدس لا يزال مقر مجلة البيادر السياسي صامدا، وما زال رئيس تحريرها الصحفي المقدسي جاك خزمو يستقبل ضيوفه رغم توقف صدور النسخة الورقية للمجلة منذ عامين ونيف.

تؤدي سلالم ضيقة للطابق الثاني في البناية وبمجرد الاقتراب من مدخل المجلة يُقرع الجرس مع مرور الضيوف بجواره فيُقبل خزمو باتجاه الباب لاستقبالهم بابتسامة تُخفي خلفها حكايات نجاح وصمود وخيبات أمل كثيرة مرّت عليه في مسيرته المهنية.

في الممر الرئيسي ثُبتت صورة لقبة الصخرة المشرفة تقابلها غرفة خُصصت لأرشيف المجلة الورقي وتفوح من هذه الحجرة رائحة مميزة تمتزج بها رائحة الأوراق مع عراقة البناء القديم، وبالخروج منها يتجه الزائر إلى مكتب جاك خزمو ويشعر لوهلة أنه عاد لثمانينيات القرن الماضي، حيث الأثاث القديم وهاتفين لم يهتم بتجديدهما وكرسي جلدي ثابت أمام المكتب الذي يخلو من جهاز الحاسوب ويعجّ بالأوراق.

مدخل مقر مجلة البيادر السياسي من الخارج في حفاظ واضح على مشهدها يوم بدأت قبل أكثر من ثلاثة عقود (الجزيرة)

طريق الزوجين
غرفتان أخريان في المقر إحداهما كانت مخصصة لطباعة ومونتاج المجلة وأخرى لزوجته الصحفية ندى خزمو وبينهما تتنقل موظفة وحيدة ما زالت تواظب على التوجه لمكان عملها، وتسأل الضيوف بين حين وآخر عما يرغبون باحتسائه.

بداية طريق النجاح للزوجين المقدسيين كانت بإطلاق مجلة البيادر الأدبي عام 1976، التي ساهمت في نشوء الحركة الأدبية في الضفة الغربية والقدس وكانت أول من نظمت جائزة فلسطين للآداب.

وبعد خمسة أعوام ارتأيا ضرورة إنشاء مجلة سياسية بالقدس في ظل غياب هذا اللون الصحفي وانتشار الصحف اليومية فقط، وصدر أول عدد من مجلة البيادر السياسي في الأول من أبريل/نيسان عام 1981.

وخلال نبشه لذاكرته في حديثه مع الجزيرة نت تحدث جاك خزمو (68 عاما) بعنفوان الشباب وهو يسرد تاريخ أرض وقصة شعب لامس همومه اليومية وحرص على بثها في مجلته الأسبوعية.

"انسجمت المجلة مع رؤية منظمة التحرير الفلسطينية وكانت توزع 40 ألف نسخة منها أسبوعيا، شطبت الرقابة العسكرية آلاف الصفحات على مر العقود وسعت للتضييق علينا بكافة الوسائل لإغلاق المجلة ولم نستسلم، تعرضتُ وزوجتي لعدة محاولات اغتيال لكننا قدّمنا رسالتنا الصحفية على سلامتنا الشخصية وأكملنا الطريق".

جاك وندى خزمو يستعرضان أرشيف الصور في مقر المجلة (الجزيرة)

الرقابة العسكرية
تزاحمت في ذاكرته مواقف تاريخية كثيرة من بينها أعداد المجلة التي صدرت عام 1982 خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وقال إنهم ذهبوا باتجاه رفع معنويات الشعب الفلسطيني في الوقت الذي عمل الإعلام الإسرائيلي والعربي على بث حالة من الإحباط والخوف الشديد والترويج بأن منظمة التحرير انتهت، وعلى إثر ذلك استدعت الرقابة العسكرية خزمو للتحقيق معه.

"قال لي المحقق أنا أقرأ صحيفتي معاريف ويديعوت أحرونوت ثم أفرشها على الطاولة فورا لأتناول الطعام عليها، أما مجلة البيادر فأحتفظ بنسختين منها للأرشيف أحدها في المكتب والأخرى في المنزل".

خلال إعداد هذه المادة للجزيرة نت حاولنا استطلاع آراء الشارع الفلسطيني حول المجلة، وتفاجأنا بمدى الارتباط الوجداني للفلسطينيين بهذه الوسيلة الإعلامية التي قالوا إنها ساهمت في صقل الوعي السياسي والحشد والمناصرة لقضايا الشهداء والأسرى والعمال حتى أطلقوا عليها اسم "مجلة الجماهير الفلسطينية" و"صوت الأسير".

تنبه الاحتلال لأهمية دور البيادر فمنع توزيعها في الضفة الغربية وقطاع غزة لمدة أربعة أعوام في الثمانينيات، لكن القائمين عليها لم يستسلموا للقرار ودأب خزمو على وضع آلاف النسخ في سيارته الخاصة لإيصالها لمحافظات الضفة "كانت الحواجز العسكرية تنصب في تمام السادسة صباحا، وكنت أنطلق في تمام الثالثة فجرا إلى الضفة فور خروج العدد الجديد من المطبعة".

جاك خزمو رئيس تحرير مجلة البيادر السياسي يحتفظ بأرشيف ورقي لمجلته (الجزيرة)

قيود وملاحقات
 تفردت البيادر بإجراء حوارات مع قادة إسرائيليين تمكنت خلالها من الحصول على تصريحات أحدثت ضجة كبيرة في الشارع الإسرائيلي، وكان لها تأثير على منظمة التحرير الفلسطينية، ودُعي القائمون عليها لكافة الاجتماعات المحلية والمؤتمرات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ولم تتردد هيئة التحرير في انتقاد المنظمة.

انتقل خزمو إلى غرفة الأرشيف وفي دواليبها أبحر في الألبومات والصور المبعثرة، حملها إلى مكتبه وهناك سقى مع زوجته ندى شجرة ذكريات البيادر "هذا القنصل الألماني وهذا حفل وداع الدبلوماسي الإسباني... كان الطابق العلوي للمجلة بمثابة وزارة الخارجية الفلسطينية تقام فيه حفلات الوداع لكل القناصل والدبلوماسيين الذين أنهوا مهمتهم في فلسطين.. يوضع علم الدولة إلى جانب علم فلسطين على قالب الحلوى في العاصمة المحتلة، لهذه الذكريات وقع خاص في نفسي".

الاحتلال كان يقيم الحواجز ويصادر أعداد مجلة البيادر لكن السبل ضاقت بالقائمين عليها وباتت نسخة إلكترونية فقط (الجزيرة)

توقف الدعم
توقف دعم السلطة الفلسطينية تدريجيا للمجلة بعد توقيع اتفاقية أوسلو، وبدأت الأزمة المالية تعصف بهذه الهامة الصحفية المقدسية مع تراجع الإعلانات والاشتراكات الدولية للقراء فيها خاصة بعد ظهور الإنترنت.

اضطر خزمو وندى لإيقاف النسخة الورقية واقتصار ظهور أعداد المجلة على الموقع الإلكتروني الذي ينشر فيه جاك مقالاته الآن بالإضافة لمراسل في غزة يزودهم بالأخبار اليومية، بعدما كانت تعتاش 65 عائلة من البيادر في سنوات انتعاشها.

ندى التي فضلت عدم إجراء مقابلة معها لم تتمالك نفسها عند سؤال جاك عن المشاعر التي تملكته عند توقف النسخة الورقية بعد 35 عاما على صدورها، قاطعته وقالت اسمحوا لي بالإجابة عن هذا السؤال.

"البيادر هي ابنتنا البكر ربيناها وكبرنا معها وخضنا لأجلها الكثير من المغامرات وتعرضنا للمخاطر.. بتوقف النسخة الورقية قُتل كياننا وقطعة منا.. هذا ما نشعر به".

المصدر : الجزيرة