فلسطينيات يُزينّ أزقة القدس بمنتجاتهن

نعمة عوينة مزارعة فلسطينية من بيت لحم تتفقد ضمة من الزعتر وتجهزها لعرضها على زبائنها في القدس المحتلة (الجزيرة)
نعمة عوينة مزارعة فلسطينية من بيت لحم تتفقد ضمة من الزعتر وتجهزها لعرضها على زبائنها في القدس المحتلة (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس

ينبهر المارّ بشوارع القدس وأزقتها بآثار المدينة وعمرانها الفريد من نوعه، ويتشتت بصره بين العديد من المشاهد، من بينها انتشار فلّاحات فلسطينيات قادمات من قرى الضفة الغربية على الأرصفة لبيع الخضروات والفواكه الطازجة لأهالي المدينة المحتلة وزوارها.

تفترش المسنات الأرض بدءا من المنطقة المسقوفة في شارع صلاح الدين الأيوبي مرورا بشارع السلطان سليمان ووصولا إلى باب العامود، وتتواجد بعضهن في طريق الواد وسوق خان الزيت في البلدة القديمة.

في هذا المسار، يستمع المار إلى أصوات كثيرة تعلو وتنخفض، تُروّج وتستجدي، ولا يلوثها سوى الضجيج الصادر عن أجهزة جيش الاحتلال وشرطته اللاسلكية، فيشعر المار أنها دخيلة ويضطر لتجاهلها.

أم محمد صلاح تبيع الزبيب لسياح أجانب في باب العامود بالقدس (الجزيرة)

بيع وابتسامات
على رؤوسهن يحملن بضاعتهن يوميا إلى القدس بعد اجتياز الحواجز العسكرية، ثم يتفرقن كل إلى مكانها الذي ألفته وألفها منذ عقود، وعلى بسطاتهن المتواضعة تتربع هذه الأيام الخضروات الشتوية، وأبرزها السبانخ والفجل والميرمية والزعتر والخبيزة والبصل الأخضر بالإضافة إلى زيت الزيتون ومكبوسه.

أم محمد صلاح (52 عاما) تؤدي صلاة الفجر في منزلها ببلدة الخضر جنوب بيت لحم، وتتوجه منذ ثلاثين عاما إلى القدس لتبيع ما قطفته من خضروات وفواكه طازجة من خيرات أرضها.

تجلس مبتسمة على مدخل باب العامود وتحث الزبائن على شراء زبيب طازج جففته بيديها اللتين بدا عليهما شقاء سنوات عمل طويلة في الزراعة. تحمل أم محمد حفنة منه عاليا وتنثرها مجددا فوق الكومة التي تتمنى أن تنفد مع نهاية النهار.

تقول أم محمد "منذ ثلاثين عاما أعمل في بيع الخضروات والفواكه في القدس. أبيع ورق العنب في فصل الربيع يليه العنب في الصيف وعلى مدار العام أبيع الملبن والدبس، طريقنا محفوفة بالمخاطر إذ يُحظر علينا دخول القدس لأننا نحمل هوية الضفة الغربية الخضراء، ونصل إلى المدينة عبر التهريب".

طاردتها قوات الاحتلال عبر الطرق الالتفافية المؤدية إلى القدس مرات عديدة، وتعرضت للاحتجاز والتحقيق وتحرير المخالفات مرارا، لكن ذلك لم يثنها عن التوجه للمدينة المقدسة. وتقول "أشعر بالمسؤولية تجاه زبائني من جهة وتجاه أسرتي التي أعيلها من بيع الخضروات والفواكه من جهة أخرى، فضلا عن انتمائي لباب العامود وارتباطي الوجداني به".

أم محمد حميدان فلاحة فلسطينية تبيع مخلل الزيتون في باب العامود (الجزيرة)

ملاحقة ومضايقات
لا تتوقف مضايقات الاحتلال للنسوة البائعات لإعاقة وصولهن إلى القدس واستهداف بضاعتهن بالمصادرة والإتلاف على يد طواقم بلدية الاحتلال بحجة البيع غير القانوني.

وعن هذا الجانب، قالت أم محمد "نحاول حماية بضائعنا عندما تهجم طواقم البلدية لمصادرتها، لكننا نفشل أحيانا في الهروب، وقبل أيام هاجمتنا الشرطة ونثرت بضائعنا أرضا.. لقمة عيشنا مغمسة بالمخاطر والهموم".

شهدت أم محمد ورفيقاتها إعدام عدة شبان أمامهن في ساحة باب العامود منذ انطلاق هبة القدس عام 2015، وأثر ذلك في نفسياتهن بشكل سلبي عميق، إلا أنهن يرفضن إخلاء المكان والانتقال للبيع في غيره.

على مقربة من هذه السيدة، تجلس أم محمد حميدان (60 عاما) القادمة من قرية نحّالين جنوب غرب بيت لحم.

تلبس ثوبها التراثي الأسود المطرز بالأخضر وتعرض أمامها الزيتون الطازج والميرمية والزعتر الأخضر، وتتحدث بلهجة قروية مميزة تفخّم فيها مخارج الحروف، وتجلس أمام النقطة العسكرية التي يتمركز فيها جيش الاحتلال في باب العامود.

نعمة عوينة تأتي إلى القدس من مدينة بيت لحم رغم إجراءات الاحتلال وحواجزه بين المدينتين (الجزيرة)

زينة باب العامود
تقول المسنة الفلسطينية إن "الفلّاحات زينة باب العامود.. اعتدنا على المقدسيين واعتادوا هم على وجودنا رغم البيع الشحيح في السنوات الأخيرة".

وما زالت أم محمد حميدان تذكر سنوات الانتعاش، عندما كان يصل للقدس كل أهالي الضفة الغربية وقطاع غزة وكانت تبيع طنا من الزعتر الأخضر يوم الجمعة، لكنها الآن لا تجلب معها سوى نحو  15 كيلوغراما ويستغرق بيعها أياما، وتعزو ذلك إلى إقامة الجدار العازل حول القدس.

غادرنا باب العامود وتوجهنا إلى سوق خان الزيت في البلدة القديمة، وفي منتصفه التقينا بالمسنة نعمة عوينة من قرية بتّير غربي بيت لحم والتي بدت منهمكة في الترويج لبضاعتها، تحمل السبانخ تارة وتنادي "يا بنات سبانخ طازج" ثم تحمل ضمة النعناع بيدها وتفركها وتنادي على النسوة لتشمها.

في حديثها للجزيرة نت، قالت إن الفلّاحات لم يتقاعسن عن المجيء للقدس يوما، وقد حرصن على التوجه إليها في أوج مراحل الخطر لتثبيت وجودهن فيها، "قصص المطاردة والاحتجاز التي تعرضنا لها خلال رحلتنا اليومية للقدس لا تنتهي.. كانت معاطفنا تعلق بالسياج الشائك أحيانا ولا نتمكن من إفلاتها، فيحتجزنا جيش الاحتلال ويمنعنا من الدخول، وبعد اجتيازنا سن الخمسين يمكننا الدخول للقدس بسهولة لكن بضائعنا تتكدس كبقية التجار".

تبيع نعمة "الباذنجان البتّيري" الذي تشتهر به قريتها طوال فصل الصيف، كما تبيع الفاصولياء والخيار والفقوس وورق العنب، ومع حلول فصل الشتاء تتغير ملامح بسطتها وتكتسي باللون الأخضر، فتبيع الخبيزة والبصل الأخضر والسبانخ والزعتر والبقدونس والفجل وغيرها.

خضار شتوية في منتصف سوق خان الزيت بالبلدة القديمة في القدس (الجزيرة)

جذب الزبائن
"هي الخبيزة يا بنات.. تعالي اشتري الضمتين بعشرة شواكل.. طيب تعالي خذي ثلاثة بعشرة"، جلسنا إلى جوارها قرابة نصف ساعة لم تمل خلالها من الترويج لبضائعها ومساومة الزبائن، وقالت "عندما أغيب يومين لظرف ما يفتقدني التجار والزبائن ويقولون إن المكان معتم بغيابي".

عندما تنجح في بيع زبون ما، تُخرج الميزان من ثوبها لتزن الخضروات المطلوبة ثم تُخرج الصرة التي تحتفظ فيها بالنقود، تفتحها بحذر شديد وسرعان ما تعيدها لمكانها، لتبدأ مجددا إطلاق عبارات الترويج بلهجتها القروية.

ودّعنا نعمة عوينة التي تنظر للبضاعة من حولها متمنية أن تنفد قبل السادسة مساء، ليتسنى لها الركوب في آخر حافلة تتجه من القدس إلى بيت لحم، لتعود مع فجر اليوم التالي حاملة معها بضاعة طازجة جديدة تعرضها لزبائنها الذين يعتبرونها جزءا من فسيفساء المشهد اليومي بالمدينة.

المصدر : الجزيرة