له ثمن الكلام

تتلفّت حولها، تلتقط بحواسها المتأهبة كل الصور من حولها، ترى الصغار وأقمار الأمنيات، تحدّق في المآذن والقباب، وتلتقط أنفاسها وهي تتجوّل منهكةً في ممرّاتها.. تتوقّف لتمسح دمعا تدفّق بالألم على وجنتيها المزروعتين بأخاديد حملت وجع سنينها الطويلة.. يرتعش وجهها بالبكاء وهي تراقب قطيعا من المستوطنين يسارعون بجدائلهم وجمود ملامحهم صوب المسرى، وقد غطّى وقع خطواتهم على صرخاته في الأسماع.

رفعت رأسها لتكبّر، فخانها صوتها وتقهقر، ولم تكن سوى حشرجة سكنت بمرارتها أعلى الحلق.

أرادت أن تهبط إلى الأرض وقد خانتها قدمها، غير أن أحدهم دفعها بعنف.. لم تلتفت، وقد تلاحقت في سمعها الشتائم، ويد تمسك بذراعها الواهن وتدفعها.. لم تقل شيئا لرجل أمن الاحتلال وهو يدفعها، كانت تراقب الشاب المقدسي وهو يدافع عنها دون أن يصل إليها صوته، وكأن الأصوات كلّها توقّفت فجأة، وتسلل إليها صوت الماء رقراقا من سبيل الماء الذي تقصده كل يوم.

سارت، وربما زحفت صوب ذلك الماء، أحسّت به يجتاح ببرودته عروقها المحترقة، وينثر فيها ملامح الحياة. هي لم تخرج من القدس ولو مرّة.. لم تعرف بقية الخريطة الفلسطينية، ولا العربية.. لم تعبر غير أبواب القدس لتدخل جنّة الأرض وقد لفت حجارة السور ذراعيها حولها.. ولم تحلم بغير حرّيتها.

ظلّت مرابطة تحت السماء، وسنين العمر تسلّمها من خوف إلى خوف، ومن وجع إلى وجع، ومن أمل إلى أمل، حتى صارت تلك العجوز التي تتمنى لو تموت واقفة.. يراقبها المقدسي بإشفاق، فتمدّ يدها إلى الماء بكأسها الصغيرة وتملؤها، ثم تسكبها على جذع زيتون جاف انشقت عنه الأرض، بينما تكرر الأمر وهي تردّد بقوّة أمٍّ تردّ الموت عن صغيرها: بدّك تعيشي.. بدّك تعيشي.

كانت العجوز قد زرعت تلك الشجرة لتظلّل في الأقصى المصلّين، لتقاوم الموت والتهجير، ولتألف في باحته التكبير، أرادتها أن تعلن للكون أنها فلسطينيّة الجذور والذاكرة.. أرادتها غصنا أخضر يحيا من بعدها، ويطل على المسرى بعين ساهرة.

تجرّ جسدها المنهك كل يوم لتروي تلك الشجرة، وتهمس في أذنها بأن عليها وسط هذا الموت أن تحيا.. وبأن عليها أن تقاوم.

أرضنا باتت ميزان حق في زمن اختلّت فيه الموازين وفقدت صدقها ومبرر وجودها، وصارت الكاشفة عن معدن القلوب وخبث النوايا، فما عادت الأقنعة تنفع أصحابها، وما عاد زخرف القول يخدع إلا مَن يخدع متعمّدا نفسه

كشجرة تلك العجوز نقف وسط الجفاف محمّلين بالأمنيات، لتظلّ في قلوبنا طرّية عروقها.. تتبخّر من أمامنا خياراتنا، وتطلّ المقاومة ككلمة أخيرة يمكننا قولها قبل أن نواجه مصيرنا.. صراع عدوٍ يسعى لمحو وجودنا لا ينتهي إلا بمحو وجوده على ترابنا.. إمّا نحن أو تلك الطفيليات التي نمت على جلودنا.. لا خيار لمن يواجه بصدره العاري سكين عدوّه إلا أن يتقدّم صوب السكين، وبقضبان صدره يكسرها.

هي أرضنا تنبض في عروقنا، ولن يستريح النبض حتى تهدأ أنفاسنا في حضنها.. هي امتداد البركة بوعد السماء.. هي ميلاد نبوّة.. والتيه من حولها لا فيها.. هي فجر يتدفّق بالضوء وإن غابت شمسه، فلا عتمة تسكنها. ومن رفات الشهداء تربها، ودمهم مسك حجارتها وهمس مبانيها.

أرضنا باتت ميزان حق في زمن اختلّت فيه الموازين وفقدت صدقها ومبرر وجودها، وصارت الكاشفة عن معدن القلوب وخبث النوايا، فما عادت الأقنعة تنفع أصحابها، وما عاد زخرف القول يخدع إلا مَن يخدع متعمّدا نفسه.

تنزف شوارع عروبتنا حتى الموت، والجوع يلوّن أبوابها ونوافذها بصفرة لا تغادرها، وتسكن عروقنا ونحن نواجه صراخها وهي الحرّة تستجدي اللئام، وغير ذلّ جباههم المرتعشة لا يأتيها.

باعوا وعبثوا في أعراضنا، قدّموا لحمنا شهيا للغزاة، وما كسبوا غير أنفاسهم، وذلّا تجرّعوه راضين، لا حرقة في قلوبهم ولا حميّة، وما أبقوا على خلقٍ أو دين.

تسرّب كل ما نملك من بين أصابعنا، وقد أجبرونا أن نبسط من قهرٍ قبضتنا في كفّ عدوّنا.. جرّدونا من تاريخنا.. رسمونا بوجوه كالحة وأطراف مرتعشة ليوهمونا بأننا مثلهم نخاف الحياة.. اختاروا الموت، وأرادوا مثلهم أن يميتونا.

حكّامنا رضوا بالذلّة! صاغرين أمام الغزاة، منحوهم غلال حقولنا، وقمعوا صراخ الجائعين وقد غاب الرغيف عن موائدهم وغادرت الكرامة جباههم.. تركوهم فرائس للجفاف، فلا يُعجز عدوَّهم كسرهم، ونسوا أن الله يمدد العروق الجافة (إن شاء) بالخلاص ويحييها.

ستسري في عروقنا رغم عدوّنا كلمات أرادونا أن ننساها، وكانوا من قبل قد ذبحونا لننزف حتى الموت، ونسونا.

لن يستسلم فدائيّو القدس لذلّ الاحتلال.. لن يكفّ أبناء القدس عن حماية المآذن والتراب.. لن يتسلل إليهم اليأس مع خيوط الألم.. لن يزحف لأرواحهم الخراب

لن يستسلم فدائيّو القدس لذلّ الاحتلال.. لن يكفّ أبناء القدس عن حماية المآذن والتراب.. لن يتسلل إليهم اليأس مع خيوط الألم.. لن يزحف لأرواحهم الخراب.

فلملِموا شعث أرواحكم أينما كنتم، وأصغوا لصوت المدينة الحزينة، فعلى جبينها الوضّاء تتفتّح أفراحكم.. انفضوا الذل عن أكتافكم لتقطفوها، وانضمّوا إلى قوافل نجدتها، بثورةٍ تجتاح الأرواح والشوارع.. لا تخذلوها، فالوعد وعد الله.. متبّر ما يعلون، وستزهر الأرض -العطشى لدم أبنائها- بالتهليل والتكبير، وستشرّع بالنصر بوّابة السماء.. فقف بأبوابها حرّا صامدا، وسيسكنك رغم عتمة الظلم الضياء.

لا تخدعوا أنفسكم بالصبر الصامت، ففي هذا الزمن له ثمنٌ الكلام.. القدس تُنتهك حرماتها، والكل من حول خدرها نيام.. لا بارك الله في قوم أحلّوا لعدوّهم حرماتهم، وحبسوا أنفسهم كالجواري في الخيام، بينما الصهاينة يفرضون نفوذهم من نيلكم إلى فراتكم! يهيمنون على تفاصيل يومكم، ويذرون في أعينكم الرماد. 
بغير ثورة تجتاح الشوارع المظلمة لن ننعم بالضوء! بغير صرخة تحملها يد لا ترتعش، لن يتفتّح على ثغر كرامتنا الكلام.

إن لم تثوروا للقدس، فلمن ثورتكم؟!

القدس تستصرخ دفء عروقكم، فلا تتركوا الجليد يتسلل إلى قلوبكم، وتعلّموا أبجدية المقاومة من الأكف الصغيرة في غزة، من دمع الأمهات المكابر، ومن شاب بُترت رجله وما بُتر منه الأمل، فقفز بقدم واحدة ليزرع عدوّه باليأس.

في معارك الوجود ليس السلاح هو مَن ينتصر، بل القلوب.. القلوب التي تصر على النصر والحياة.. فلنعلنْها للكون من مواقعنا.. سنقاوم الجوع والجفاف، وسنسير بقلوب طريّة صوب القدس.. لن يكسرنا ظمأ، ولن توقفنا تهديدات، فبيد الله وحده الحياة! وهذا الحاضر القاهر الذي نعيشه في أوطاننا العربية بأمرٍ من عدوّنا هو الممات.

ولنا في القدس لقاء.. 

المصدر : الجزيرة