شهر على الإعلان الأميركي بحق القدس

مع مرور شهر كامل على إعلان رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترمب قرار بلاده باعتبار مدينة القدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، من الضروري بمكان الوقوف وقفة تقييم وقراءة بتمعُّنٍ وتفحُّصٍ لنتائج هذا القرار الذي لم يكن وليد لحظة ولم ينزل علينا من السماء ولم يكن خبرًا صاعقًا، بل هو ترجمة دقيقة وسريعة لوعود قطعها (ترمب) لجمهور الناخبين ولتصريحات كثيرة سبقت القرار.
 
من خلال هذا المقال سنقف لنقيم الأحداث التي تلت القرار على الصعيد المحلي وموقف الكل الفلسطيني وكذلك رد الفعل الإسرائيلي وما تلاه من قرارات تحد للسلطة الفلسطينية، من خلال هذا المقال سنسمي الأمور بمسمياتها الحقيقية بلا تنميق للجمل والعبارات، ومن خلال هذا المقال يجب أن نقول من الذي أدى للوصول إلى هذه النتيجة ولماذا كل هذا الخذلان.
فجميع التقديرات التي رفعت للإدارة الأميركية أشارت بكل وضوح إلى أن ردة فعل الشارع الفلسطيني (الضفة والقدس) ستبقى وستكون تحت السيطرة

معرفة مسبقة
من الظلم والإجحاف أن نقول إن تاريخ 6 ديسمبر/كانون الأول 2017 وخطاب ترمب الاستفزازي هو اللحظة التي علمنا فيها بقرار الولايات المتحدة الأميركية اعتبارها القدس عاصمة لدولة الاحتلال، فقد سبق هذا الخطاب اتصالات وتصريحات إعلامية، ولقاء للرئيس الفلسطيني مع ملك السعودية ومع رئيس مصر، وجميعهم وضعوا القيادة الفلسطينية بصورة الوضع والقرار المزمع الإعلان عنه.

كل هذا لم يُحفز السلطة على اتخاذ إجراءات عملية استباقية، وانتظر (الشعب) الخطاب، وأنا على يقينٍ بأنه لو كانت هناك إرادة سياسية مستقلة لدى القيادة الفلسطينية لأعلنت بكل وضوح حجم المؤامرات ومن يتآمر، والإجراءات التي ستقوم بها، ولأعلنت بكل وضوح جملة من الخطوات الاستباقية، ولكنها -وكما توقعنا- لم تفعل، وكيف لها أن تفعل ذلك وهي التي قَيّدت نفسها ضمن عمليات التسوية والاحتكام للمؤسسات الدولية والمحفل الدولي الذي لا يملك صفة الإلزام بل (كالدول العربية) يتقن لغة الشجب والاستنكار والمطالبة.

الاحتلال المتغلغل بالضفة الغربية يعلم كل صغيرة وكبيرة وعلى علم بنفسيات وتوجهات الناس كما يعلم طرق السلطة الفلسطينية والأجهزة الأمنية الفلسطينية في تطويق الأزمات ويعلم أنها لن تسمح بتدهور الأمور

تقديرات أمنية

قبل الحديث عن خطوات السلطة ورد فعل الشارع الفلسطيني لا بد من الحديث عن التقديرات الأمنية الإسرائيلية التي رفعت للإدارة الأميركية، فجميع التقديرات التي رفعت للإدارة الأميركية أشارت بكل وضوح إلى أن ردة فعل الشارع الفلسطيني (الضفة والقدس) ستبقى وستكون تحت السيطرة، وأن "إسرائيل" قادرة على التعامل معها بأقل الخسائر، وأن الأمور لن تخرج عن السيطرة.

كما أشارت التقديرات الإسرائيلية إلى أن حالة الرفض الذي ستتبع القرار في العالم العربي والإسلامي لن تتعدى المسيرات والهتافات، وهذا أمر لا يهم "إسرائيل"، كما رأت أن المسيرات والغضب سيخفت يوما بعد يوم إلى أن يتلاشى، وأن هذا أمر معتاد.

هذه التقديرات لم تكن عبثية ولم تكن مقامرة بل قراءة واقعية، فالاحتلال المتغلغل بالضفة الغربية يعلم كل صغيرة وكبيرة وعلى علم بنفسيات وتوجهات الناس، كما يعلم طرق السلطة الفلسطينية والأجهزة الأمنية الفلسطينية في تطويق الأزمات ويعلم أنها لن تسمح بتدهور الأمور.

عشرات جرائم القتل التي ارتكبها الاحتلال بالضفة الغربية وثلاث حروب بغزة لم تحرك الشارع المُحْبَط الذي يريد أن يعاقب قيادته بعدما ذهبت لأبعد حد في تماهيها وتنسيقها مع الاحتلال، فلماذا سيتحرك هذه المرة؟ قد يقول قائل: هي القدس. أعلم ذلك، ولكن الشعب لا يثق بقيادته التي تريد أن تستخدمه صوتا تهدد به من دون أن يكون هذا الاستخدام استراتيجية، بل ليكون تكتيكا لتحسين الموقف.

الاحتلال يعلم سقف رد غزة أيضا التي لا يمكن لها أن تخرق التهدئة بأي حال، وتبقى بعيدة لا يُخشى ردة فعلها حسب تقديرات الاحتلال
رد فعل الشارع
كما توقع الاحتلال تماما، رد فعل الشارع الفلسطيني كان (تحت السيطرة)، ولم تخرج أي مسيرة كبيرة حاشدة، ولم تعم المظاهرات الضفة الغربية ولم نَرَ أي اشتباك قوي مع الاحتلال، وكان كل شيء كما (توقع) الاحتلال، وكما كانت تعلم السلطة التي لم تسعَ لمسيرات (رفض وغضب)، فخطاب الرئيس الفلسطيني الذي جاء بعد خطاب ترمب مباشرة تحدث عن اجتماع للقيادة سيكون بعد أيام وسيحدد طريقة رد الفعل على هذا القرار الذي كان معروفا سابقا.
 
في حالات سابقة كان الشعب حين يغضب يخرج وحده للشارع، ولكن هذه المرة لم يخرج الشارع، بل خرجت الأردن مباشرة بمسيرات عفوية تندد بالقرار، في حين كان الشعب يعاق بالقيادة التي تنوي الاجتماع لاتخاذ تدابير، نحن كمراقبين نعلم سقفها كما تعلم الإدارة الأميركية سقفها وحجمها ومداها.
 
وهنا طبعا أتحدث عن الضفة الغربية (منطقة التماس)، ولا يشمل حديثي قطاع غزة البعيد عن التماس مع الاحتلال والذي خرج عن بَكرة أبيه يصرخ ويتوعد ويدعو ويطالب ويزمجر ويُحَمّل الاحتلال المسؤولية، فغزة البعيدة التي خاضت الحروب لا تستطيع التحرك أكثر من ذلك، وليس مطلوبا منها التحرك وخوض حرب، والاحتلال يعلم سقف رد غزة أيضا التي لا يمكن لها أن تخرق التهدئة بأي حالٍ، وتبقى بعيدة لا يُخشى ردة فعلها حسب تقديرات الاحتلال.
 
مصالح أفراد
قيدت قيادات السلطة الوطنية نفسها بقيودٍ ليس من السهل التحرر منها، وهذه القيود مرتبطة بشخوص بعينها تحتكر القيادة وتمسك بزمام الأمور، ومنذ توقيع اتفاقية أوسلو وقدومها للأراضي المحتلة كبِرت وشاخت وما زالت تمسك زمام الأمور، ذات الأشخاص ونفس الأسماء وبنفس الألقاب هؤلاء مصالحهم إبقاء النظام على الحالة السياسية جزء من استمرار بقائهم، القاعدة الفتحاوية تعرف ذلك جيدا ولكنها لا تستطيع فعل شيء أو تغيير المعادلة.
ما يعتري قاعدة فتح شيء مختلف وصل إلى مرحلة إحباط عَبَّرَ ويُعَبِّر عنه شبابها الذين نلتقيهم بالشارع ونقرأ تعليقات جزء منهم على مواقع التواصل الاجتماعي

اعترفت وتعترف القيادة الحالية بأنها غير قادرة على المواجهة وأن سقف اعتراضها المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية والتحرك عبر الدبلوماسية وتحقيق الانتصارات عبر الأروقة الأممية وتضخيم هذا الفعل، وهو جهد لا أقلل من قيمته، ولكنه من ناحية واقعية لا يساوي شيئا، لأن سقفه الشجب والاستنكار، كما أن الشارع لا يثق بالمؤسسة الدولية التي شنت وصوتت مئات القرارات التي يُعد جزءا منها لصالح الشعب الفلسطيني ولكن أيا منها لم يطبق.

في ظل معادلة المصالح والبقاء على الكرسي تحت مسمى "مصلحة البلد"، وأن أحدا لا يعرف حجم المؤامرة وتحت مسمى "القيادة الشرعية" والتعذر بـ"المؤامرات الدولية" ومع الحديث عن حماية المشروع الوطني، ليس غريبا أن تمرر قرارات كهذه، فالقوم أقنعوا أنفسهم بكل هذه الشعارات، ونحن -كشعب- نعلم حجم المؤامرة علينا منذ احتلال فلسطين، وأن تآمر زعماء العرب علينا وتبعيتهم للاحتلال وأميركا سر بقائهم على الكراسي، وكانت خطابات قادة فتح كلها تحت هذا السقف، ولكنها مع الوقت تراجعت وتغيرت وتبدلت وباتت لها (مصالح) تريد الحفاظ عليها.

إحباط فتحاوي
الشارع الفلسطيني لا يثق بالإجراءات التي ستقوم بها السلطة، ولكن ما يعتري قاعدة فتح شيء مختلف وصل إلى مرحلة إحباط عبّر ويعبر عنه شبابها الذين نلتقيهم بالشارع ونقرأ تعليقات جزء منهم على مواقع التواصل الاجتماعي، هذه القاعدة التي ينتمي جزء كبير منها للانتفاضة الأولى وجزء للانتفاضة الثانية، وتضع كوفية الشهيد أبو عمار وتتذكر سعد صالح وأبو إياد، وهي التي تسارع لالتقاط أي تصريح ناري به رائحة مواجهة ضد الاحتلال كما حدث مع تصريح السيد محمود العالول، الذي لم يصرح بأي تصريح بعده.

في ظل هذا الخذلان الرسمي العربي -باسثناء الأردن- تدير السلطة الوطنية الفلسطينية ظهرها للمصالحة، وهي أكبر ورقة رابحة نملكها ونحن كفلسطينيين بحاجة لها

صادف الإعلان ذكرى انطلاقة حركة فتح الـ(53)، التي كانت سابقا يحشد لها الآلاف وتعد مكانا تجمع فيه القاعدة الفتحاوية لتتحدث عن الثورة وعيلبون والرصاص والفداء وذكرى الكرامة وصمود بيروت، لم تحتفل الحركة بهذه الذكرى، ولم يكن هناك ككل عام احتفال انطلاقة مركزي ولا تجميع ولا مسيرات، ولم تستجب جماهير فتح في عدد من المدن للدعوات بالمسيرات، وكان العدد بضع عشرات.

لا يمكن أن يخفى على الشارع الإحباط الفتحاوي، ولا يمكن أن ينكر أحد دور فتح التي تحكم الضفة الغربية وتسيطر عليها أمنيا وسياسيا، إنها المحرك الحقيقي والفعلي لأي أحد لو أرادت، ولكنها مكبلة وممنوعة ومحكومة برؤية قادتها وأجهزتها الأمنية، تحت نظرية المصالح، وللأسف إن أحبطت فتح بالضفة نام الشارع في هذه المرحلة.

لا مصالحة ولا انتخابات
في هذه الحالة السوداوية وهذه الهجمة الشرسة من قبل الاحتلال وأميركا ومع هذا الخذلان الرسمي العربي، باسثناء الأردن، تدير السلطة الوطنية الفلسطينية ظهرها للمصالحة، وهي أكبر ورقة رابحة نملكها ونحن كفلسطينيين بحاجة لها، لكنها تجمدها ولا تقوم بأي إجراء عملي من شأنه أن يعزز الجبهة الداخلية، ويخفف من حالة الإحباط التي يعانيها الشارع، ورفع العقوبات على قطاع غزة، والتخفيف من أزمة شعبها المحاصر، وإعادة الكهرباء وصرف رواتب الموظفين، ولكن أيا منها لم يحدث للأسف.

عدم شعور السلطة بوجود انتخابات وجهات يمكن أن تحاسب سواء كانت مجلسا تشريعيا أو انتخابات من خلالها يمكن للشارع أن يعاقب أو يحاسب المقصر، هو السبب الوحيد بعد المصلحة في سلوك السلطة الوطنية غير المبالي وغير المكترث لأي رد فعل ممكن .

خارج المفاوضات
في ظل هذه المعادلة والحالة السائدة التي يرصدها ويعيها الاحتلال صاحب العين التي لا تنام وهي ترقب وترصد وتسجل وتقيس رد الفعل والنبض، تتجلى العربدة الإسرائيلية وترى الوقت مناسبا للمزيد من الإجراءات التي تحسن من شعبية الحزب الحاكم وتكسبه المزيد من التأييد في ظل حالة التطرف التي يعيشها كيان الاحتلال، فينشط اليمين في سن القوانين.

يزداد تبجح الاحتلال، ويمرر قانونا يجعل من القدس مدينة غير قابلة للتفاوض، وهناك عشرات القرارات التي سيسعى الاحتلال لتمريرها مستفيدا من حالة الضعف الفلسطينية

فبعد القدس وتمرير القرار وسكوت الشارع، الفرصة سانحة ومناسبة لسن القوانين، فكان قانون (الضم) الذي سيلتهم 60% من أراضي الضفة الغربية المصنفة بمنطقة (C)، الأمر الذي يضرب اتفاقية أوسلو في مقتل، ويعد إجراء أحادي الجانب، ويقتل حلم السلطة "بكذبة" حل الدولتين ويجعل الاحتلال يقرر كما يريد، ويرسم مراحل المرحلة بطريقته.

ليس هذا وحسب، بل يزداد تبجح الاحتلال، ويمرر قانونا يجعل من القدس مدينة غير قابلة للتفاوض، وهناك عشرات القرارات التي سيسعى الاحتلال لتمريرها مستفيدا من حالة الضعف الفلسطينية، وقرار عدم المواجهة والفرقة والانقسام وضعف التفاعل الجماهيري.

الحل أن لا حل
ينتقد الأصدقاء كتاباتي ويصفها بالمحبطة، وافتقارها لوضع حلول، وأني أكتفي بمحاولة تشخيص الواقع من دون وضع حلول، هذا بشكل جزئيّ صحيح، علما بأن تشخيص الواقع جزء مهم من حل المشكلة، في السياسة، ليس المهم وضع الحلول ولكن المهم أن تكون هذه الحلول قابلة للتطبيق.

الحل يكمن في أمر واحد، هو توفر إرادة سياسية لدى السلطة وفتح من أجل التغيير، وهذا حل غير قابل للتطبيق، في هذه المرحلة والمرحلة القادمة، السلطة لا تريد المواجهة، والمواجهة ليست انتفاضة، بل حركة جماهيرية وقرارات سيادية وإجراءات فعلية عملية، كوقف التنسيق الأمني، ومنع دخول الاحتلال مناطق السلطة الوطنية المصنفة (A)، والمصالحة الوطنية الحقيقية والعصيان المدني، والمقاطعة للبضائع الإسرائيلية والتحرك الدبلوماسي الجاد، كل هذه الإجراءات وغيرها قادرة على قلب الأمور رأسا على عقب، لو توفرت الإرادة السياسية التي لا يمكن أن تتوفر لهذه القيادة التي تحكمها -كما ذكرت- المصالح، ولا تخشى بأي شكل من التغيير، لأنه لا انتخابات قادمة، ولا توجد لها معارضة داخلية حقيقية يمكن أن تقلب الأمور.

وإلى أن يشاء الله تغيير الحال ستبقى الأمور على ما هي عليه، ويبقى شعار (تغيير الحال من المحال) ينطبق على هذا المقام، لا أدعو للإحباط، لأن هذا الشعب تحت رماده دوما نار تشتعل بلا سابق إنذار. والله قادر.

المصدر : الجزيرة