أصوات غاضبة للقدس ومواقف رسمية باهتة

لطالما احتلت المدينة المقدسية قلوب العشاق في كل مكان، وتربعت سويداء قلوبهم، واستطاعت أن تعيد من ابتعد عنها بمجرد المساس بها، مكانتها لا توازيها مكانة، وعشقها لا يُنسى، وأثرها بتحريك المشاعر بالغٌ كبير، لا نقول هذا مبالغة بل هو الواقع الذي يحاول دوما الأعداء اختباره، وفي كل مرة يفشلون.

سنوات طويلة مرت حاول فيها أعداء القدس العمل بكل الوسائل على طمس معالم المدينة؛ ساعة بتهويدها وتارة بزيارات يقوم بها قطعان المستوطنين، وأخرى بإغلاقه، وبوضع كاميرات وأجهزة تفتيش على بواباته، وفي كل مرة يعود هؤلاء مدحورين.

أعداء القدس غير قادرين على تفسير سر وسحر هذه المدينة، هم لا يريدون أن يفهموا أن القدس آية بسورة الإسراء تتلى إلى يوم الدين، وليست مجرد مدينة قد يستطيع كيان تغيير ملامحها وطرقها وديموغرافيتها وجغرافيتها.

شارون حاول اختبار أهل القدس وقرر زيارتها فكانت انتفاضة القدس، وما أدراك ما انتفاضة القدس، خرجت الضفة عن بكرة أبيها، في وقت كنا نظن فيه أن المقاومة ماتت بعد أوسلو

لطالما كانت القدس هي الثيرموميتر والمقياس الذي يحاول أعداء القدس قياس مكانتها من خلال الاعتداء عليها ليروا هل نسيت الأمة؟ وهل غفلت الشعوب؟ هل روض أهلها؟ هل استكانت حجارتها؟ وفي كل مرة يرتد الجمع خائبين خاسرين.

محاولات فاشلة
حاول الهالك شارون اختبار أهلها وقرر زيارتها فكانت انتفاضة القدس، وما أدراك ما انتفاضة القدس، خرجت الضفة عن بكرة أبيها في وقت كنا نظن فيه أن المقاومة ماتت بعد أوسلو لما قامت به السلطة من ملاحقة المجموعات الفدائية، فأثبت الشعب أنه لا يموت، وبسرعة كبيرة توحدت فتح وحماس بعد أن وجدت لها حاضنة في حينها الشهيد أبو عمار الذي أدرك أن الأمر جلل، وأن المطلوب منه أكبر من أن يستطيع تقديمه، وهو حل نهائي يشمل القدس في تلك المباحثات التي أطلق عليها "كامب ديفيد"، حين أغلقت الأبواب في وجه أبو عمار
.

تدافع الشباب بالعشرات يذودون عن حمى مدينتهم، فكانت تلك العمليات التي هزت الكيان، وتلك الغضبة التي انتقلت للشارع العربي الذي لم يكن في حينه منهمكًا بسبب الانقلاب على الربيع العربي فيه، فثارت مصر واليمن وليبيا وسوريا، والخليج قدم المال الكثير لدعم صمود المقاومة؛ فكانت لكل أسير منحة مالية تقدمها السعودية، ولكل شهيد منحة مالية يقدمها العراق.

كانت الشعوب تهتف وتردد بصوت عالٍ: "بالروح بالدم نفديك يا فلسطين". وكانت الحكومات تستجيب (في حينه) لهذا النبض (وتظهر) دعمها له ووقوفها خلفه.

العرب كانوا يلملمون جثث شهدائهم في سوريا واليمن والعراق، وكل مكان بعد الانقلاب العربي، فثار أهل القدس بما أطلق عليه هبة القدس في أكتوبر/تشرين الأول 2015

ومرة أخرى، حاول المحتل من خلال انتهاكات متكررة اختبار حب ومكانة المدينة بعد ما تعرضت له الدول العربية من انقلاب على الربيع العربي وتفكك الدول العربية كاليمن وسوريا والعراق ومصر، فرفع وتيرة انتهاكاته للحرم المقدس، وكان قطعان المستوطنين يقتحمون المدينة في كل يوم بشكل سافر دون أدنى مراعاة لمشاعر الفلسطينيين والمسلمين والعرب الذين كانوا يلملمون جثث شهدائهم في سوريا واليمن والعراق، وكل مكان بعد الانقلاب العربي، فثار أهل القدس بما أطلق عليه هبة القدس في أكتوبر/تشرين الأول 2015.

عشرات الشباب المقدسي وبطرق عفوية وبدون (دعم) التنظيمات الفلسطينية حمل السكاكين وثار في وجه المحتلين طعنًا، وبتنا في كل يوم نشهد عملية طعن لدرجة خرجت عن قدرة الاحتلال السيطرة على الحدث؛ من طلاب مدارس وفتيات كبار وصغار، كانت ساحة باب العامود في القدس كل يوم تشهد عملية طعن أو محاولة طعن، وكذلك الحواجز العسكرية في الضفة الغربية، وتحديدًا حاجز زعترة وحوارة القريب من مدينة نابلس الذي كان مسرحًا لثأر عشاق القدس بسكاكينهم.

لم يقف الأمر عند السكين لينتقل لعمليات الدعس، فما من تجمع على طول الطريق التي يمر بها المستوطنون إلا وتم تحصينه وبناء جدر وسدود حوله بسبب كثرة عمليات الدعس التي حدثت في القدس وكل مدن الضفة الغربية، وبات هناك شبح اسمه عمليات الدعس الأمر الذي دفع الاحتلال للتراجع عن اقتحاماته للقدس والأقصى ومحاولته احتواء الهبة.

ملاحقة المغردين
أعلن الاحتلال فشله في مواجهة الظاهرة وعدم قدرة أجهزته الأمنية على التنبؤ بوقت حدوث أي عملية، وبات يلاحق المغردين عبر مواقع التواصل الاجتماعي بتهم التحريض، وإغلاق أي صوت مساند تحت تهم (التحريض)، وخفت الظاهرة نتيجة عدم قدرة الفصائل المنهكة في الضفة على مواكبة التطورات وعدم رغبة السلطة في تحول الهبة لانتفاضة.

بعد فشل الاحتلال مع كل عملية قياس لرد فعل الشارع العربي والفلسطيني والمسلمين والأحرار في كل مرة قرر هذه المرة أن يكون الاختبار خارجيًّا بإجراء عالمي دولي

وعاد الاحتلال مرة أخرى لاختبار المقدسيين والفلسطينيين من خلال تغيير واقع الحال في الأقصى الشريف من خلال وضع أجهزة تفتيش بعد إغلاق المسجد، إثر قيام مجموعة فدائية من الداخل المحتل بعملية إطلاق نار داخل الحرم المقدسي، ليعلن إغلاق المسجد الأقصى؛ الأمر الذي رفض (مقدسيًا)، وكان الشكل الجديد لرد الفعل المقدسي المتمثل في رفض فرض أمر واقع داخل القدس، وتسلط المسلمون -ومعهم المسيحيون وكل القدس- على أبواب المدينة التي أجبرت الاحتلال على التراجع عن جميع إجراءاته وإعلان الهزيمة أمام المقدسيين الذين دخلوا أبواب المدينة مكبرين مهللين، كأنهم فاتحون، ولم يفلح الاحتلال في تمرير هزيمته التي أراد من خلالها قياس رد فعل المسلمين على الإجراءات التي يمكن أن تحدث.

بعد فشل الاحتلال مع كل عملية قياس لرد فعل الشارع العربي والفلسطيني والمسلمين والأحرار في كل مرة، قرر هذه المرة أن يكون الاختبار خارجيًّا بإجراء عالمي دولي، ولم يجد ولن يجد أحدا ينفذ أجنداته سوى أميركا الحليف الأكبر والدائم، ووجد في شخصية رئيسه (الاستثنائية) فرصة مواتية لتنفيذ أجنداته وقياس رد الفعل المحلي الفلسطيني والدولي -عربي ومسلم وحر- في كل مكان، وكانت ردود الفعل على مستويين:

المستوى الشعبي: خرجت الجماهير المحبة للقدس من عرب ومسلمين وأحرار في كل مكان في العالم، وخرجت الجماهير العربية رغم ما بها من ألم وتقتيل وذبح على يد زعمائها تهتف من أجل القدس، وسجلنا في يوم واحد، وهو يوم الجمعة الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2017، أكثر من ألف مسيرة غضب في العالم، و114 مسيرة منها فقط في الولايات المتحدة الأميركية من قبل نشطاء فلسطينيين وعرب هناك، بينما كانت الدول العربية ترتفع فيها وتيرة الأصوات، فكان الأردن أول من خرج ليلة الإعلان بشبابه وشيوخه يهتفون للقدس، والأردن لا يبعد سوى بضعة كيلومترات، ثم جاء موقف ملكها وزوجته مؤيدًا لهذا الصوت معبرًا عن فخره بشعبه الذي خرج من أجل القدس، جاء هذا وفق تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي تويتر.

في مصر تلك التي أنهكها النظام الرسمي بالإجراءات وقرارات منع التظاهر خرجت جامعاتها مطالبة بفتح الحدود، وخرجت عن صمتها بمشهد أعاد الاعتبار لهذه الشعوب

أما تونس، فقد هاجت وماجت شوارع ثورتها وعبر أكبر نقاباتها (نقابة العمال) بمسيرات متكررة منددة بالإجراء الأميركي والصمت الدولي في رد فعل طبيعي ورائع يشهد من خلالها بروعة نبض أهلها وشعبها، وكذلك الرد الرسمي لزعيمها كان ضمن المقبول والمرضي عنه.

أما في مصر، تلك التي أنهكها النظام الرسمي بالإجراءات وقرارات منع التظاهر، خرجت جامعاتها مطالبة بفتح الحدود. وخرجت عن صمتها بمشهد أعاد الاعتبار لهذه الشعوب وهذه البلاد التي (ظننا) أن مشاكلها الخاصة وقمع حكامها لها أنساها قضاياها المركزية قضية القدس، ولكن شعب وطلاب ونقابات مصر، بما فيها نقابة الصيادلة التي أعلنت مقاطعتها الأدوية الأميركية، أثبتوا أنهم ما زالوا قادرين ومستعدين على العطاء والوقوف من أجل القدس.

تركيا كان لها دور رسمي وشعبي متقدم على كل الدول، فدموع وصراخ وهتافات شعب وقيادة تركيا أثبتت أن القضية ما زالت في وجدان كل مسلم في كل مكان.

اليمن المثقل بالدم والقصف وطيارات التحالف العربي خرج منه -وتحديدًا من صنعاء- من يهتف من أجل القدس وفلسطين، فما أعظم أن يخرج المكلوم المجروح من أجل غيره، هنا تنتصر العقيدة على الوجع المركزي وتنتصر لقضايا الأمة.

في فلسطين كان الموقف الشعبي والفصائلي أيضا معبرًا عن مقدار الغضب، فاشتبك الشباب الفلسطيني مع المحتل في أكثر من مئة نقطة، مسطرين ملاحم بطولية، وقدموا في يوم خمسة شهداء في قطاع غزة وحدها، التي خرجت عن بكرة أبيها.

فتح التي تمسك زمام الأمور بالضفة لا تريد للأمور أن تتدحرج وتخرج عن السيطرة كما حدث في انتفاضة عام 2000، فهي لا تزل تراهن على العملية السلمية

لم يكن رد فعل الضفة المتعبة من الإجراءات التي اتبعتها السلطة بحق مقاومتها بالمستوى المطلوب، ولكنه يمكن أن يصنف جيدا غير أنه دون المستوى المطلوب؛ ففتح التي تمسك زمام الأمور بالضفة لا تريد للأمور أن تتدحرج وتخرج عن السيطرة كما حدث في انتفاضة عام 2000، فهي لا تزل تراهن على العملية السلمية التي منحتها (امتيازات) لا تريد خسارتها.

المستوى الرسمي والدوليالمستوى الفلسطيني واضح حجم ضعفه، فهو دون المستوى المطلوب وأقل بكثير من ردود أفعال دول مجاورة، وقد عبر عنه رئيس وزراء خارجية السلطة (رياض المالكي) في اجتماع وزراء الخارجية العرب بأن سلطته تبحث عن وسيط جديد.

وخرج بيان عربي ضعيف لا يتعدى الشجب والاستنكار والمطالبة دون الخروج، بموقف وإجراء أقله سحب المبادرة العربية، وطرد وسحب السفراء وفرض المقاطعة، فنحن والكل يعلم أن الموقف تم اتخاذه في دول الخليج التي تعهدت (بضبط الموقف)، وهذا أمر واضح واقع لا يحتاج تحليلا وتوضيحا.

وكذلك اجتماع مجلس الأمن في أميركا، وحديث مندوب فلسطين فيها، والكلمات الركيكة التي استخدمها في مقابل قوة خطاب ممثل الكيان الإسرائيلي، وبعد ذلك وقف المندوب الفلسطيني مع مندوبة أميركا يتجاذبان أطراف الحديث والابتسامات، في صورة نقلت عبر وسائل الإعلام مع سخرية كل من شاهد هذا المنظر.

أما عن قمة التعاون الإسلامي، فماذا يمكن أن يفعل أردوغان مع ممثلي دول عربية مطبعة تسهم في تمرير المؤامرة، وتعمل على إسكات الشعوب واحتواء الموقف؟

ولدعم الاحتلال، جاء موقف زيارة (وفد بحريني) في هذا الوقت بالتحديد، ليعبر عن موقف السعودية والإمارات، صحيح أن البحرين دولة صغيرة، لكن سياستها تدور في فلك السعودية والإمارات اللتين تشكلان محورا يسعى للتطبيع مع الاحتلال.

علمتنا التجارب أن الهبات العاطفية غير المنظمة تخمد بسرعة وتموت بسرعة إن لم يكن هناك من يستغلها ويبلورها بموقف جمعي عام منظم

يملك الرئيس الفلسطيني الكثير من أوراق القوة التي يمكنه العمل عليها، فلم يسبق أن كان هناك تأييد بالشارع الفلسطيني له كالحالي. الموقف الشعبي والفلسطيني والفصائلي كفيل بتحويل الرئيس الفلسطيني لزعيم للأمة إن استغل الفرصة والموقف واتخذ إجراءات (غير مألوفة) تحدث صدمة، فقد طالبه الجميع -الكبير والصغير- بموقف حازم حاسم مانع لهذا التدهور في القضية كالإعلان عن موت أوسلو، أو تشكيل (قيادة إنقاذ) بحكومة وحدة وطنية، ووقف التنسيق الأمني، والإعلان عن برنامج (مقاومة سلمية) وعصيان مدني. كثيرة هي المواقف التي يمكن اتخاذها والذهاب لها في ظل وجود حاضنة شعبية وعربية ومسلمة لأي مواقف تشكل مواجهة للمحتل.

ختامًا، لا تخرج السلطة في طريقة تفكيرها وتعاملها مع الأمور عن المنظومة العربية الرسمية التي تخاف على مواقعها وكراسيها وامتيازاتها، وتسعى لإطالة أمد جلوسها على الكرسي، غير مكترثة بمواقف الشعوب التي لا يتعدى موقفها الصراخ والغضب، لأنها عفوية شعبية غير منظمة.

لقد علمتنا التجارب أن الهبات العاطفية غير المنظمة تخمد بسرعة وتموت بسرعة إن لم يكن هناك من يستغلها ويبلورها بموقف جمعي عام منظم، قابل للعيش والحياة والاستمرار، وإلى أن نصل لهذه المرحلة علينا العمل والعمل والعمل من أجل إبقاء القدس عاصمة القلوب ومهجة الأحرار وقبلة الثوار، غير عابهين بالمواقف الرسمية، مقتنعين بأن الشعوب تنتظر الفرصة، وآمل أن تأتي الفرصة قبل فوات الأوان وقول يا ليت.

المصدر : الجزيرة