مسنات مسيحيات يتطوعن لخدمة عجائز القدس

ست عشرة مسنة يجتمعن يوميا لإعداد الطعام وتوزيعه على عجائز حارة النصارى بالقدس (الجزيرة)
ست عشرة مسنة يجتمعن يوميا لإعداد الطعام وتوزيعه على عجائز حارة النصارى بالقدس (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس 

من حيي النصارى والأرمن وطريق الآلام وغيرها من أزقة البلدة القديمة في القدس المحتلة، تتوجّه يوميا ست عشرة مسنة مسيحية من منازلهن إلى مركز "بذور الحياة" في حارة النصارى للتطوع بمساعدة غيرهن من كبار السن الذين لا يتمكنون من مغادرة منازلهم والقيام باحتياجاتهم اليومية.

تقول صاحبة المبادرة سميرة الشاعر (72 عاما) إنها شعرت من خلال تنقلها بين منازل حي النصارى بحالة من الفراغ القاتل تعيشها المسنات، وخاصة الأرامل منهن، ففكرت في إعادة افتتاح مركز مغلق منذ عقود يجمع هؤلاء النسوة في أجواء عائلية تخفف عنهن آلام الشيخوخة الجسدية والمعنوية.

وبالفعل افتتح المركز قبل عام تقريبا، وجهز المطبخ بكافة المستلزمات، وباشرت السيدات بإعداد الطعام بشكل يومي وتوزيعه على نحو خمسين مسنا ومسنة.

وعن هذه المبادرة تقول سميرة الشاعر "نحن المسنات نشعر بأن وجودنا في هذه الحياة بلا قيمة لأنه ليس لدينا ما نقوم به في المنازل، آلمتني هذه الحال ففكرت في الخروج من سجن الشيخوخة إلى الحياة مجددا، وبالفعل أعلنت لكل من حولي من نساء حي النصارى عن هذه المبادرة، وتمكنت من جمع عدد منهن لمساندتي فيها".

سميرة الشاعر: فكرت بالخروج من سجن الشيخوخة إلى الحياة مجددا وبالفعل نجحت في ذلك (الجزيرة)

لفتة اجتماعية
تُقرر سميرة وصديقاتها المسنات نوعية الأطباق التي ستعد أسبوعيا، ويعملن بشكل جماعي على طهي المأكولات الفلسطينية المختلفة، ثم يجتمعن معا لتناولها على المائدة مع من يتمكن من الحضور من المسنات الأخريات، وترسل وجبات جاهزة لمن تعذر خروجهن من منازلهن.

أما في مواسم الأعياد المسيحية، فتبادر المسنات لصنع الحلوى التقليدية وتغليفها لترسل للمسنين في منازلهم، كما يحرصن على زيارتهم وتوفير احتياجات يومية يعجز البعض عن شرائها لضيق الحال، وذلك من خلال تمويل متواضع يحصلن عليه بشكل شهري.

حنّة مجلطون (61 عاما) واحدة من القائمات على المبادرة، تؤكد أن انضمامها للسيدات بالمركز قبل عام انتشلها من ألم عميق كانت تعيشه بعدما أخبرها الأطباء أنها مصابة بسرطان الثدي ومباشرتها قبل عامين تلقي العلاج الكيميائي الذي أدى لتساقط شعرها وإدخالها في حالة نفسية صعبة.

في نهاية كل يوم تغادر المسنات إلى منازلهن بكثير من الأمل والتفاؤل (الجزيرة)

تقول حنة "عندما اجتمعت ببقية المسنات واستمعت لهموم غيري هانت علي مصائبي، وبدأت بتحدي المرض بإرادة أقوى من قبل حتى شفيتُ مؤخرا منه.. نحتاج في هذا العمر للاهتمام ولملء وقت فراغنا لأنه طويل وقاتل".

أما ميري سيسريان (71 عاما) فشعرت بمجرد دخولها المركز بعودتها للحياة لها من جديد بعد معاناة استمرت عشرين عاما مع مرض زوجها قبل أن توافيه المنية قبل عامين.

وتقول عن تجربتها "كبر أبنائي وخرجوا للحياة وكنت أنا حبيسة المنزل قبل وبعد وفاة زوجي، والآن أصبحت لدي عائلة جديدة من المسنات، نطهو الطعام معا ونجتمع على المائدة، كما نقوم بفعاليات ترفيهية وأخرى دينية، وأصبحنا جميعنا منتجات نملأ أوقات فراغنا بما هو مفيد لنا ولغيرنا".

فيوليت كيدان تجد في الاجتماع اليومي للمسيحيات في البلدة القديمة فرصة للتغلب على الوحدة (الجزيرة)

صناعة الأمل
"راحة النفس" هكذا وصفت المسنة أنطوانيت شاهين (66 عاما) ما تشعر به منذ انضمامها لمجموعة المتطوعات في الطهي وخدمة مسني حارة النصارى. وتؤكد أنه رغم الإرهاق الجسدي الذي تشعر به أحيانا، فإنها لم تعد تخشى التقدم في السن لأن اختلاطها بالآخرين وانشغالها في التفكير بما ستقوم به في الأيام القادمة مع السيدات أنعش ذاكرتها، وجعلها أقوى في مواجهة أمراض الشيخوخة وخاصة ألزهامير.

ومن بلدة العيساوية شرقي القدس، وجدت يوليت كيدان (67 عاما) في الاجتماع اليومي للنساء المسيحيات في البلدة القديمة فرصة للتغلب على وحدتها، وذلك بعد أن ظلت وحيدة بعد وفاة زوجها وعدم إنجابها أطفالا.

وتابعت "تلقينا دورة في الإسعاف الأولي وأخرى في الزراعة المنزلية، ويتردد معلم لتعليم الأميات من المسنات القراءة والكتابة، بالإضافة للقداس الأسبوعي والفعاليات الترفيهية والطهي لنا وللمسنين، نحن نساعدهم وحتما سيأتي يوما من يساعدنا.. ماذا تحتاج مسنة مثلي لأكثر من ذلك؟".

في نهاية كل يوم تغادر العجائز إلى منازلهن بكثير من الأمل والتفاؤل اللذين ولدا بتحويل روتين حياتهن اليومية من الوحدة إلى النشاط والحيوية والشعور بأهمية ما ينتجنه لذاتهن وباقي مسني القدس.

المصدر : الجزيرة