المقامة الخليلية

حدثنا بديع الزمان الخليلي قال وفي بالنا أكثر من سؤال: إن سألتموني عن مدينة الخليل فإن ليلنا فيها طويل وما لنا عن الصبر على ظلامه بديل..

مدينة الخليل يا رجال أبية وعالية الجبال لا تحني جبينا للاحتلال، وهي مدينة عريقة قضت آلاف السنين حُرّةً طليقة، جذورها عربية كنعانية، وتعتبر رابع مدينة إسلامية، بعد مكة والمدينة.. والقدس الحزينة.

لقد شرفتها الديانات السماوية، والحرم الإبراهيمي الشريف من أهم معالمها الحضارية، مما جعلها مميزة المكانة.. لا تعرف خضوعا أو استكانة، قصدها المؤمنون من كل مكان وسعى إليها علماء الزمان، وعندما زارها الرحالة العرب أجادوا في وصف كروم التين والعنب، كما وصفوا أهلها بالطيبة والكرم والأدب.

وعندما جاء إليها نبي الله وخليله إبراهيم، وبات تحت شجرة بلوط يُقيم، استقبله أهلها الحثيون الذين لكنعان ينتسبون، فأكرموا وفادته وعرفوا عند الله مكانته، حتى إنهم غيروا اسمها "أربع" إلى "حبرون"، وراحوا به اسمها القديم يستبدلون.

تقع المدينة على هضبةٍ مرتفعة كما ترون، وتبدو للناظر خضراء اللون يربطها ببيت لحم والقدس طريقٌ رئيسي مهددٌ في أي لحظة بحصارٍ احتلالي صهيوني

سأل أحدنا: وماذا يعني اسم "حبرون"؟

فقال محدثنا الكريم وهو بتاريخ المدينة عليم: حبرون تعني الصديق أو الخليل بالتمام.. نسبة إلى خليل الله سيدنا إبراهيم عليه السلام، ومنذ ذلك الحين عرفتها بلادنا فلسطين باسم مدينة الخليل من أقدم العصور وحتى كتابة هذه السطور.

سألت أنا: هل لك يا محدثنا أن تعطينا فكرة عن طبيعة المدينة فتصفها لنا؟

هُنا بديع الزمان الخليلي قال وهو يجيب بأريحية على السؤال: الخليل مدينة كبيرة المساحة، وأهلها يوصفون بالطيبة والسماحة، إلا أنهم لا يجدون مع الاحتلال راحة، ورغم أن المدينة عديدة الأحياء والأسواق فإن قوات الاحتلال قد حكمت على أكثر من شارع وحارة بالإغلاق.. وأخذت تسيطر على المباني والعقارات، وصادرت من أراضي المدينة مساحات، حتى إن عصابات المدعوة إسرائيل قد أصبحت تضع يدها على عشرين بالمئة من مساحة مدينة الخليل، والشرح في هذه المسألة مؤلمٌ وصعبٌ وطويل... حيث أخذت قوات الاحتلال وعين المدينة تدمع تخطط لمستوطنة هنا أو هناك بأسلوب من القمع والانتهاك، واستمرت في إنشائها تنفذ وتشرع إلى جانب مستوطنتها الكبيرة كريات أربع.

هنا راح رفيق الدرب وصديق العمر رباح يسأل، وبوصفٍ دقيق للمدينة يأمل: نحن أمام صورةٍ رائعةٍ لمدينة الخليل فهل لك بدقةٍ أمينة أن تمسك بمؤشر يد لتشرح لنا جغرافية المدينة؟ راح بديع الزمان الخليلي يجيب وقد لقينا منه أجمل ترحيب: تقع المدينة على هضبةٍ مرتفعة كما ترون، وتبدو للناظر خضراء اللون يربطها ببيت لحم والقدس طريقٌ رئيسي مهددٌ في أي لحظة بحصارٍ احتلالي صهيوني، وعلى جانب الطريق تنبتُ أعشاب انتظارٍ ليوم خلاصٍ عربي.

والخليلُ كالوردة الظامئة في قلب فلسطين تحلمُ بالماء، وتقع على طريقٍ يربط كلاً من الشام ومصر مروراً بسيناء.

مدينتنا الخليل رغم المستوطنين وتمادي حراس أطماعهم فيها ما زالت تحض على الصمود أهاليها، فتدور في أسواقها المشاغلُ والمصانع

بنيت مدينتنا على سفح جبلين هما: تل الرميدة وجبل الراس، وفارس أحلامها ما زال يملأ سمعها صهيلُ حصانه، وتعرفهُ تمامَ المعرفةِ من تصميمه واتزانه، فهو بعينيها ما زال شديد البأس لا يتسلل إلى قلبه خوفٌ أو يأس.

وفارس أحلامها يأتيها كل ليلة يسابق جيش العشق الوطني وخيله.. يمسح بكلتا يديه على جراحها، وبإضاءةٍ من دمه يبشرها بقرب صباحها.

ومدينتنا الخليل رغم المستوطنين وتمادي حراس أطماعهم فيها ما زالت تحض على الصمود أهاليها، فتدور في أسواقها المشاغلُ والمصانع، ولا ترى لدوران عجلة الحياةِ أي مانع.. حيث صناعة الغزلِ والنسيجِ دائرة والحياة الطبيعيةُ سائرة، فهناكَ من ينشغلُ بصناعة الجلود والصابون متحدياً احتلالَ بني صهيون، وهناك من يصنع المعاطف والأكياس والأحذية والأبواب الحديديةَ والخشبية للأبنية، حيث يستمر الأهل في البناء على الرغم ما حل بهم من بلاء، فهم يخشون المزيد من الاستيطان ويحمون أراضيهم بالتشييد والعمران.

هنا.. تجملنا بالصمت وأبدينا الإعجاب بما لذ من الحديث وطاب، لكن أصغرنا سناً خطر بباله سؤال وهو حديثُ خبرةٍ بالاحتلال، فمسح دمعةً تحدرت من عينه ثم قال: وما حال الحرم الإبراهيمي هذه الأيام وهو يُعاني من التقسيم ووجع الانقسام؟

تنهد بديع الزمان الخليلي ثم سكت قليلاً من الوقت، وهو يحاول ألا يظهر ما في صدره من حزنٍ ومقت، تنهّد مرةً أخرى ثم قال على عجل وقد أجهده السؤال كأنه حجرٌ سقط عليه من أعلى الجبل: التقسيمُ وما أدراك ما التقسيم.. قرارٌ ظالمٌ ولئيم.. لكأنه قادمٌ من الجحيم وله جرحٌ في أعماق النفسِ نازفٌ ومقيم.

وهنا أنا سألت: وماذا بعد يا بديع الزمان فعلت؟!

انتفض محدثنا يا أحباب، وبصعوبةٍ بالغة سمعت منه الجواب حين ضرب كفاً بكف وقال: رجعت في الحال، وخشيت إن أغلظت القول وأنا أمامهم أعزل لا حول لي ولا طول أن أتعرض للاعتقال دون جواب أو سؤال، فيتهموني بحمل سكين أو بمقاومةٍ غير مشروعة عندهم للمحتلين، وقبل أن أعود إلى الدار يسمع الأهل اسمي في نشرة الأخبار وهم يعلنون القبض على إرهابي يحاول طعن جنودهم قرب الحرم الإبراهيمي.

مازال يحدونا أمل في أي فعل أو عمل يوقف زحف الاستيطان ويحمي المدينة من شراسة ومكر العدوان، فنحن رغم الشعور بالخسران لم يتراجع لنا بإرادة أمتنا إيمان

عجبنا من غرابة ما يقول، وأصابنا خليطٌ من الغضب والذهول، فسألنا السؤال الأخير وعقل الواحد منا يكاد أن يطير: ألا يوجد بابٌ للأمل ترى فيه الخليل الفجر وقد أطل؟

فجأةً رأينا وجه بديع الزمان يتهلل وقد بسمل ثم حوقل، ثم انطلق في كلامه المتفائل وهو عن تشاؤم البعض غير سائل: رغم أننا نسرف ونبالغ في اللوم على غياب وتخاذل الأمة، ورغم أن الخوف على مدينتنا قد وصل القمة، فإنه مازال يحدونا أمل في أي فعل أو عمل يوقف زحف الاستيطان ويحمي المدينة من شراسة ومكر العدوان، فنحن رغم الشعور بالخسران لم يتراجع لنا بإرادة أمتنا إيمان، وهذا ما أنبأنا به الرسول الكريم وبشرنا به الرحمن الرحيم.. حيث قال تعالى في آيةٍ محكمة التنزيل في القرآن "كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس" فهل يعقل أن تكون خير أمةٍ، أرادها الخالق تظل مشتتّةً وموزعة بين جبان ومدبر ومطبع ومنافق؟!

مازلنا مؤمنين بالنصر، وأحلامنا بالخلاص ليس لها حصر، وإن جار علينا أو تنكر لنا الزمان، فأملنا كبير في أبناء الخليل الشجعان، وها هي نجوم دمهم تسطع في كل ميدان، فهم في غياب الفرسان فرسان، لهم في أرضهم كالأشجار جذور، يتلقون الريح العاتية بالزنود والصدور، وهم كالأقمار في الليلة الظلماء لهم ظهور، وإن غابت عنهم أمة المليار ونصف المليار، عرفوا كيف يُصنع من ظلمة الليل نهار، فإن غابت أمتهم عنهم لهم على أبواب مدينتهم أروع حضور، وأمهم الخليل تنثر على خطاهم الورود، وتنسج لشهدائهم أكاليل الزهور.

هنا شعرنا بالاعتزاز والفخر أمام إرادة خليلية صلبة كالصخر، فنهضنا نودع محدثنا بعناق حار وطويل وقلوبنا على مدينة الخليل.

المصدر : الجزيرة