كيف يتعامل القانون الدولي الإنساني مع صفقة باب الخليل؟

                                                                                                          * د. حنا عيسى

كما هو معلوم قضت محكمة مركزية إسرائيلية بأحقية جماعات استيطانية بالاستيلاء على فندقيْن وبيت، في
البلدة القديمة من مدينة القدس المحتلة. وقبلت هذه المحكمة دعوى جماعات المستوطنين ضد بطريركية الروم الأرثوذكس في المدينة المقدسة بما يتعلق بفندقي البتراء وإمبريال ومنزل في المعظمية في منطقة باب حطة داخل البلدة القديمة (الصفقة سميت بصفقة باب الخليل وتعود إلى من كان مسؤولا عن الدائرة المالية زمن ولاية البطريريك إيرنيوس في العام 2004).

القرار الذي أقرته المحكمة المركزية الإسرائيلية سيعطي المجال لجماعات المستوطنين حق استئجار لمدة 99 عاما قابلة للتجديد رغم وضوح الغش والاحتيال والتزوير الذي استندت إليه المحكمة المذكورة في قرارها. علما بأن البطريركية الأرثوذكسية ستتوجه إلى المحكمة العليا في إسرائيل (أعلى هيئة قضائية) للالتماس ضد هذا القرار، ومن الوضح أمامنا الآن أن قضية باب الخليل قد أصبحت من القضايا المركزية في الدفاع عن عروبة القدس. 

القرار الذي أقرته المحكمة المركزية الإسرائيلية سيعطي المجال لجماعات المستوطنين حق استئجار لمدة 99 عاما قابلة للتجديد رغم وضوح الغش والاحتيال والتزوير الذي استندت إليه المحكمة المذكورة في قرارها

لا سيادة
قانونيا، الأراضي الوقفية المسيحية والإسلامية في مدينة القدس والمحتلة في الرابع من يونيو/حزيران لسنة 1967 تنطبق عليها أحكام اتفاق لاهاي لعامي 1899 و1907، وأحكام اتفاق جنيف الرابع 1949، والبروتوكولات التابعة له، بصفتها جزءا من القدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، ومعاهدة لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة لعام 1954، حيث نصت المادة 27 (4) من الملحق الرابع من اتفاق لاهاي 1907 على وجوب أن تتخذ القوات العسكرية في حال حصارها "كل الوسائل لعدم المساس بالمباني المعدة للمعابد وللفنون والعلوم والأعمال الخيرية والآثار التاريخية".

كما حظرت المادة 22 من الاتفاق ذاته "ارتكاب أية أعمال عدائية موجهة ضد الآثار التاريخية، أو الأعمال الفنية وأماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب".

وحرمت المادة 56 من اتفاق لاهاي 1954 "حجز أو تخريب المنشآت المخصصة للعبادة.. والمباني التاريخية". كما نصت المادة 53 من البروتوكول الإضافي الأول والمادة 16 من البروتوكول الإضافي الثاني، لاتفاقية جنيف الرابعة 1949، على "حظر ارتكاب أي أعمال عدائية موجهة ضد الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية وأماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي والروحي للشعب".

دوليا، أصدر مجلس الأمن قرارات عدة، تؤكد إدانة وإبطال جميع ما قامت به إسرائيل من أعمال التهويد في القدس بما فيها المساس بالأماكن الدينية والوقفية، بما في ذلك إبطال جميع الإجراءات التشريعية والإدارية والديموغرافية التي اتخذتها حكومة إسرائيل، وتؤكد عدم شرعية الاحتلال، فضلا عن مطالبتها إسرائيل بالجلاء عن القدس، كونها جزءا من الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967. بالإضافة إلى قراري مجلس الأمن الشهيرين 242 (عام 1967) و338 (عام 1973) اللذين يضعان الأساس القانوني في تحديد أن إسرائيل قوة محتلة لقطاع غزة والضفة الغربية بما في ذلك القدس ويطالبانها بالانسحاب.

يتوجب على الأمتين العربية والإسلامية الحراك القانوني الدولي ومطالبة مجلس الأمن استنادا إلى قراراته السابقة بمنع إسرائيل من مواصلة اعتداءاتها المتواصلة على المقدسات والممتلكات الوقفية

وأصدر مجلس الأمن عددا من القرارات التي تؤكد وجوب احترام القدس من جانب قوات الاحتلال. منها على سبيل المثال، للذكر لا الحصر: 252 (عام 1968)، 267 و271 (عام 1969)، 446 و453 (عام 1979)، 465 و476 و478 (عام 1980)، 1073(عام 1996)، 2334 (عام 2016) وكلها تؤكد أن مدينة القدس جزء لا يتجزأ من الأراضي المحتلة عام 1967، وينطبق عليها ما ينطبق على بقية الأراضي الفلسطينية من عدم جواز القيام بأي إجراء يكون من شأنه تغيير الوضع الجغرافي أو الديموغرافي أو القانوني لمدينة القدس المحتلة.

مطلوب حراك قانوني
من هنا واستنادا لما ذكر أعلاه، فإنه يتوجب على الأمتين العربية والإسلامية الحراك القانوني الدولي سواء عبر المنظمات الدولية أو القضائية أو حتى السياسية بمطالبة مجلس الأمن استنادا إلى قراراته السابقة بمنع إسرائيل من مواصلة اعتداءاتها المتواصلة على المقدسات والممتلكات الوقفية المسيحية والإسلامية في القدس المحتلة، حيث إنها لديها القدرة أن تحرك الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ تملك الغالبية فيها، كما أن لها القدرة على أن ترفع قضية في محكمة العدل الدولية عبر الدول التي نقضت إسرائيل معاهداتها الدولية معها، كون الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات تمثل خرقا للاتفاقيات الفلسطينية الإسرائيلية ولـ "معاهدة وادي عربة" وكون الاعتداءات الإسرائيلية تمثل انتهاكات صارخة للقانون الدولي، الأمر الذي من شأنه تعريض السلم والأمن الدوليين للخطر
.

ويعمل الرئيس محمود عباس والقيادة الفلسطينية على مختلف المستويات ومع الأشقاء في الأردن ومع القيادات السياسية والروحية في العالم من أجل إفشال هذه الهجمة وحماية المقدسات والأماكن الدينية والوقفية بمدينة القدس المحتلة.
________________
* أستاذ القانون الدولي

المصدر : الجزيرة