تهويد من القدس إلى الخليل

يكاد العربي الغيور على أرضه في فلسطين أن يشدَّ شعره وقد استشاط غضباً مما يجري للأرض الفلسطينية بمدنها وقراها من مصادرة واستيطان وتهويد، وهدم للمنازل العربية واستيلاء عليها بالنار والحديد وحصار الجنود المعززين بإنذارات الإخلاء ومختلف وسائل التهديد.

هذا ما يجري في فلسطين بشكل عام من شمالها إلى جنوبها ومن نهرها إلى بحرها، أما ما يجري في القدس والخليل فيما هو ظاهر فهو صادم بالتأكيد لمن يتخوف ويتألم، وأما ما خفي من الخطط والمؤامرات وإجراءات التهويد والأسرلة التي تجري في الظلام فهو أخطر وأعظم.

ما يجري في القدس والخليل أمر صادم بالتأكيد لمن يتخوف ويتألم، وأما ما خفي من الخطط والمؤامرات وإجراءات التهويد فهو أخطر وأعظم

فمن يتسنى له السفر من القدس إلى الخليل أو بالعكس سيؤخذ من ناظريه ليتلقى صفعة على بصره بما سيرى من مستوطنات ممتدة ومتعاظمة على طول الطريق، ومعظمها يحتل مساحات ومواقع إستراتيجية على رؤوس الجبال وسفوحها، وسيسأل نفسه وقد صدمته المستعمرات الإسرائيلية على جانبي الطريق: ماذا بقي لنا من أراضي الضفة الغربية المحتلة؟ وماذا سيبقى لنا يا ترى من مدينتي القدس والخليل إن بقي الوضع المؤلم على حاله، واستمرت سلطات الاستيطان في تماديها وغطرستها التي لم يشهدها التاريخ في أشد العصور ظلامية وظلماً وقسوة؟

بعدما أنهكت قوى الاستيطان الإسرائيلية المفترسة مدينة القدس وضواحيها وملأتها استيطانا وتهويدا، ها هي تتوجه إلى مدينة الخليل، حيث عادت تنشب مخالب الاستيطان فيها مجددا بعد حين من سيطرتها على الحرم الإبراهيمي الشريف بقوة السلاح، وبعدما تسنى لها تقسيمه مكانيا وزمانيا كما يروق لها ويؤلم أهالي الخليل باستمرار، فليلُهم ليلٌ ونهارهم نهار مختلف عن أي نهار ينعم فيه باقي البشر بالنور والأمن والاستقرار.

من ينظر إلى خارطة مدينة القدس ويرى البقع الاستيطانية السوداء المنتشرة فيها كالأورام السرطانية، يشعر بألم وطني شديد وبإحباط كبير مليء بالقلق والخوف على مصير المدينة المقدسة التي أخذت منذ عقود وحتى الآن تفقد ملامحها العربية الإسلامية، وهي ترزح تحت ضربات المطارق الاستيطانية التي لا تكف عن الضرب والحفر والهدم والمصادرة وتشديد الحصار والضغط والاضطهاد العنصري على أهالي القدس الشرقية الذين ما زالوا يعانون الأمرّين من قهر وحصار الاحتلال البغيض.

هذه هي القدس العربية بعد خمسين عاما من الاحتلال أشبه بفريسة وقعت في أيدي الغزاة أسيرة، دون أن يفتديها العرب أو يعملوا جادين لتحريرها وإنقاذها من أطماع وأخطار تحيط بها من كل جانب.

وإن قدر لك أخي العربي أن تدخل القدس زائرا فستجدها مثقلة الظهر باحتلال طال وجلب عليها الأهوال، فمن حفر أنفاق تحت أقصاها المبارك إلى تجريف لمقابر الشهداء فيها، ومن هدم لمنازل أهاليها الشرعيين إلى تهجير عائلات مقدسية عنها وحرمانها من الإقامة فيها، ومن استيلاء على أماكن وبيوت في الجزء القديم منها إلى بيع أملاك مسيحية فيها على يد بطريرك يوناني لا علاقة له بفلسطين، ومن مد جسور وبناء فنادق إلى إقامة حدائق توراتية وأوكار استيطانية هنا وهناك، تنفيذاً لمخططات صهيونية واضحة معروفة تهدف إلى احتواء المدينة المقدسة بأكملها على المدى البعيد الذي يبدو لدهاقنة الاستيطان قريبا، ناهيك عن الحواجز العسكرية التي حولت القدس إلى سجن كبير لتجمعاتها السكانية يقيد حركتهم، ويضغط على صدورهم حين لا يجدون هواءً يتنفسونه سوى ثاني أكسيد الحصار الخانق.

الحواجز العسكرية حولت القدس إلى سجن كبير لتجمعاتها السكانية، يقيد حركتهم، ويضغط على صدورهم حين لا يجدون هواءً يتنفسونه سوى ثاني أكسيد الحصار الخانق
وستخرج أخي العربي من القدس باتجاه مدينة خليل الرحمن وفي سمعك يتردد ذلك الموال الشعبي الفلسطيني الحزين:

"إنتي على بالي قمر يا قدسنا الحُرة

 ونتي حلاوة هالعمر في غربتي المرّة

خايف ليطوينا الزمن ونموت يا حسرة

لا نصلي في قلب الحرم ولا ندخل الصخرة".

وأما مدينة الخليل إذا دخلتها هذه الأيام فستزكم أنفك رائحة التهويد التي زاد انتشارها بين أحياء المدينة هذه الأيام على مرأى ومسمع من أمة العروبة والإسلام
.

ورجاؤنا منك أخي العربي الزائر أن لا تخفي شيئاً مما ترى، حتى وإن غاب صوابُك مما يجري ومما قد جرى.

وإن استفسرت عن موضوع الاستيطان في الخليل فستجد مواطنا فلسطينيا في المدينة يوضح لك كيف تسلل المستوطنون من مستوطنة كريات أربع إلى قلب مدينة الخليل فأسسوا مستوطنة الدبويا، والحي اليهودي، وإبراهام أفينو، ومدرسة أسامة، وتل ارميدة التي تم تأسيسُها ما بين عامي 1980 و1984.

ثم سيحدثك ابن الخليل الصامد الصابر عن بيتِ عائلة الرجبي الذي أصبح اسمه بيت "هاشا لوم" ليشكل أحدث مستوطنة أقيمت عام 2014 برعاية حكومة الاحتلال وبقرار من المحكمة الإسرائيلية.

وسيقول لك محدثك الفلسطيني إن استيلاء اليهود على هذا المكان يهدف إلى ربطهم للبقع الاستيطانية في المدينة بمستوطنة كريات أربع المجاورة، بالإضافة إلى حفرهم للأنفاق وإنشائهم للطرق.

وستعلم حق العلم أخي العربي الزائر لمدينة الخليل بأن الاستيطان الصهيوني فيها له أسلوب مختلف نابع من حقد اليهود التاريخي على المدينة وأهلها، فهو أسلوب دموي يقوم على القتل والتهديد وتشديد الحصار خاصة في المداخل القريبة من المستوطنات المقامة في الأحياء.
مما زاد من هم مدينة الخليل وأهلها وضع سلطة الاحتلال يدها على الحرم الإبراهيمي والعمل على تقسيمه، وقرار رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالي نتنياهو ضم الحرم إلى قائمة التراث اليهودي

وقد تجلى ذلك الأسلوب الدموي في مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف التي حدثت يوم 25 فبراير/شباط 1994 وقادها ونفذها غولد شتاين، يسانده في ذلك عدد من المستوطنين والجنود المسلحين، وراح ضحيتها 29 مصليا استشهدوا في شهر رمضان المبارك. وغولد شتاين هذا إرهابي صهيوني كان يتسلل إلى المدينة باستمرار من مستوطنة كريات أربع التي ظلت على الدوام مصدر إزعاج وتهديد لأهالي الخليل

.

ومما زاد من هم المدينة وأهلها وضع سلطة الاحتلال يدها على الحرم الإبراهيمي والعمل على تقسيمه، وقرار رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالي نتنياهو ضم الحرم الشريف إلى قائمة التراث اليهودي.

وإذا ما عرفت أخي العربي أن مدينة الخليل محاطة بالمستوطنات التي زاد عددها في محافظة الخليل عن 27 مستوطنة، وأضفت إليها المستوطنات المقامة في القدس وضواحيها التي تبلغ 28 مستوطنة، يحق لي ولك أن نتساءل: ماذا بقي من أرض فلسطين؟ وماذا بقي لنا من أمل في استعادة ما ضاع منها وما يضيع؟! وماذا يمكن لكاتب أو باحث عربي أن يقول بعد كل هذا الاستيطان الذي يشبه الطوفان أو الإعصار الذي يجرف أمامه كل شيء حتى الأشجار والبيوت والسكان؟!

المصدر : الجزيرة