حروب مملكة سبأ في مدن يهوذا.. التاريخ المسكوت عنه

في كل ما يتصل بتاريخ فلسطين القديم، يمكن القول دون تردد إن ثمة تاريخًا مسكوتًا عنه، وثمة أيضا "صمت علمي" يحول دون كشف الحقيقة.

قد يبدو عنوان مقالتي الصغيرة هذه، وهي مقتطف من عمل ضخم، مثيرًا للاستغراب والحيرة، فما علاقة "مدن يهوذا" بمملكة سبأ اليمنية؟ لقد جرى تمرير خدعة كبرى، هيمنت على عقول ملايين البشر طوال القرن الماضي، ولا تزال رجاتها الأولى، تشيع الذعر من أي محاولة لكسر الصمت وكشف التضليل.

لا أحد تقريبًا تساءل: وأين نعثر على (مدن يهوذا) التي تتحدث عنها التوراة، وزعم علماء الآثار دون أي دليل علمي أنها في فلسطين؟ في الواقع لا تحددّ التوراة، ولا بأيّ صورة من الصور، المكان الذي ظهرت فيه (مدن يهوذا). وهي لا تقول قط، إنها كانت في فلسطين، كما لا تقول إن هذه المدن، هي ذاتها (أرض اليهودية) أو أنها هي ذاتها أيضاً (مملكة يهوذا) كما في اصطلاحات أخرى كثيرة وشائعة نجدها في أسفار التوراة (سفر الملوك الثاني 23: 5، كذلك، 23: 8، سفر أخبار الأيام الأول 6: 65، سفر أخبار الأيام الثاني 10: 17 كذلك، 11: 5  كذلك 11: 10، سفر أخبار الأيام الثاني 11: 23، سفر أخبار الأيام الثاني أيضا 12: 4، سفر نحميا 11:  3، كذلك، 11: 20 كذلك، 12: 44 ، سفر المزامير 69: 35، سفر إشعيا 36: 1 كذلك، 40: 9، سفر إرميا 1: 15).

لقد جرى تمرير خدعة كبرى، هيمنت على عقول ملايين البشر طوال القرن الماضي، ولا تزال رجاتها الأولى، تشيع الذعر من أي محاولة لكسر الصمت وكشف التضليل

ومع ذلك كله، جرى وضع (مدن يهوذا) جنوب فلسطين، ولم يكفّ علماء الآثار من التيار التوراتي، لحظة واحدة عن الزعم المتهافت وغير العلمي، أن (مملكة يهوذا/ مدن يهوذا) كانت تضمّ نابلس (مدينة شمال الضفة الغربية اليوم). ومن المؤكد، أن اللاهوتيين الذين قادوا أعمال التنقيب الأثري في فلسطين -وحتى مع فشلهم طوال 70 عامًا- في الحصول على دليل واحد مهما كان عديم الأهمية، كانوا يتشبثون بهذه الصورة التوراتية بالرغم من افتقادهم لأي دعم علمي.

المعضلة التي واجهت التيار التوراتي في علم الآثار، وهو يلفق صورة (مدن يهوذا) في فلسطين، أن التاريخ الفلسطيني ليست لديه أي رواية عن هذه المدن، وهو لا يعرفها، ولا توجد أي دلائل (أركيولوجية: أسوار، بقايا قصور، بقايا منازل، نقود إلخ) تؤكد وجود (مدن) يهودية.

ولكن هناك تاريخ آخر لديه (خزان) من الروايات عن (أرض يهوذا) و (مدن يهوذا) هو التاريخ السبئي/الحميري في اليمن. يكفي أن نعلم أن حمير كانت (مملكة يهودية) يعرفها التراث العربي/ الإسلامي جيدًا.

سأعطي -في هذه المساحة الصغيرة المخصصّة لي- نقشًا واحدًا من عشرات النقوش، يكشف بجلاء عن (مكان/ جغرافية) هذه المدن. لدينا النقش المعروف باسم B-L Nashq Demirjian 1 الذي يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، وعثر عليه في منطقة (نشق) أهم مدن الجوف (مملكة معين مصرن). كتب النقش في عصر المكرب السبئي يدع امر بين، وهو ابن سمه على ينف (ينوف)، وحكم عام 640 ق.م، وورد اسمه في  نقوشCIH 622, 629, 732, 864, Philby 77, AF 62, III, REP. EPIG. 3653, 4177. أي أن تاريخه يسبق قصص التوراة بما يزيد عن قرن كامل، ويتحدث عن معارك خاضها السبئيون في (مدن يهوذا) ضد (مملكة معين مصرن) وحضرموت؟ وكيف أن هذه المعارك انتهت بانتصار السبئيين وتحرير (مدن يهوذا) من قبضة مملكة (معين مصرن). بل إنهم تمكنوا من انتزاع أجزاء من حضرموت وإلحاقها بمملكة سبأ.

المعضلة التي واجهت التيار التوراتي في علم الآثار، وهو يلفق صورة (مدن يهوذا) في فلسطين، أن التاريخ الفلسطيني ليست لديه أي رواية عن هذه المدن

والنقش يروي على لسان كاتبه (صبحم/ الصبح بن عم شفق  Ṣbḥhmw son of ʿms²fq, of the family Rs²wn الاسم السبئي بالحرف اللاتيني) وهو من أسرة (رشأن) المعروفة جيدًا لعلماء التاريخ، بوصفها أسرة ملكية عاشت في (مملكة صغيرة في الجوف)، وذلك ما يؤكده نص النقش، فالرجل (أحد سكان نشق وقد أهدى تمثالًا من البرونز تقرّبًا للإله المقه). وهذا أمر هام للغاية، لأنه يمنع أي تلاعب محتمل، يمكن أن ينسب الحدث لتاريخ آخر. ولأن النقش من النقوش النذورية المألوفة في التاريخ اليمني، فقد بدأه كاتبه بإهداء آلهته تماثيل من البرونز تقربًا وشكرًا، لعودته سلمًا من القتال مع (سبأ) وبعد أن تغلبوا على (معين مصرن- وليس مصر البلد العربي بكل تأكيد) وحرروا (مدن يهوذا).

 سوف أستعرض أهم ما جاء في النقش:

6: حين تغلبوا على معين مصرن في (السفل)

n rglm w-bʿwmṣrMʿnm b-ʾs¹ ( والسفل من مدن اليمن المعروفة)

7: وفي (عتمة) يوم قاتل مع قبيلته (عتمة مديرية في ذمار)

  8: ركبن- الركب سوية مع قوات سبأ في أرض

9: حضرموت ويوم قاد ثلاث قوافل

وهنا المقتطف بالحرف اللاتيني:

 yr-h ywmḍbʾ b-ʿm S¹bʾ w-Rkb

   6  n rglm w-bʿwmṣrMʿnm b-ʾs¹

   7  flʾtmyw-ywmḍbʾ b-ʿm s²ʿb-

   8  hwRkbn b-ʿmmṣr S¹bʾ ʿdʾr

   9  ḍ Ḥḍrmt w-yṯbrw s²l[ṯ

من الواضح طبقًا لنص النقش، أن المكرب السبئي (يدع بين) قاتل عام 640 ق,م مملكة (مصرن- مصريم في التوراة) وانتزع منها أراضي تمتد من ذمار حتى ميفعة في حضرموت، وتمكن من تحرير (مدن يهوذا):

  14 ومدن يهوذا؛ وعندما كان آمنا

  15 وصله خبر أن الحرب وقعت من Ġzt إلى كتي

  16  وعندما كان وسط  كلدة وعوين، أرسل له اليدع بين Yd''lByn

  17 بن يثع أمر ملك سبأ رسوًلا وطلب منه

  18 أن يذهب كمبعوث منه إلى أرض كرم و

  19  لحيان وبعشه وحنك و Ḥnk وتلك كانت هي المرة الرابعة عشرة

  20 التي يرسله في بعثة (؟) وقد أنجز كل ذلك

  21 فكان رسول الملك وعينه

وهنا النص الإنجليزي:

  14  and the towns of Judah; and when he was safe

  15  and sound, he who was sent from Ġzt to Kty, during the war

  16  between Chaldea and Ionia; and when YdʿʾlByn

  17  son of Yṯʿʾmr king of Sabaʾ appointed him and sent

  18  him as a messenger to the land of Ḏkrm and

  19  Lḥyn and ʾbʾs¹ and Ḥnk in those fourteen

  20  expeditions (?) and he accomplished all that

  21  Ydʿʾl had charged him as a messenger and for which he had  appointed him

مقتطفان من نقش لنبوخذ نصر يظهران تلاعب التوراتيين بتاريخيْ فلسطين واليمن

تكمن أهمية هذا النقش، أنه يكشف عن (التاريخ المسكوت عنه) أو لنقل عن الجزء الذي سعى اللاهوتيون لإخفائه عن أنظارنا، فمدن يهوذا ليست سوى (مدن حمير) أي المناطق الجنوبية التي خضعت لهيمنة مملكة معين مصرن (معين الجوف)، وهي ليست (جنوب فلسطين) وليست (نابلس). كانت الحرب التحررية التي خاضها هذا المكرب، قد تتوجت بانتزاع مساحة هائلة من الأراضي، سوف تمكن خليفته كرب إيل وتر بن ذمر علي 650-600 ق.م (حسب التاريخ الرسمي) من تأسيس المملكة الموّحدة: مملكة سبأ وذو ريدان (حمير).

لقد تلاعب التوراتيون بتاريخ فلسطين وتاريخ اليمن، سواء بسواء. هنا مقتطفان صغيران من نقشين لنبوخذ نصر ( B.M.21946 المتحف البريطاني) من العصر نفسه: 605 ق.م وهو يستخدم الاصطلاح نفسه:

12) و حاصر مدن  اليهودية (Judah وفي اليوم الثاني من شهر (Addaru ) [ شباط /آذار 597 ] استولى على المدينة وأسر الملك يهوقين [ Jehoiachin، راجع Jeremiah 52.28-30 و 2kings 24.8-17 ]

12. and encamped against (i.e. besieged) the city of Judah and on the second

نلاحظ في النقش السبئي أن المكرب يدع بين أرسل مبعوثًا منه إلى آل بعشه بعد أن دحر المصريين (المعينيين ملوك الجوف). هاكم ما يقول حرفيًا نقش شلمانصر الثالث عن آل بعشه Monolith Inscription of Shalmaneser III. :: وجنود بعشا- بعشه  Ba'sa، بن Ruhubi،  بن رحوب ومن العمونيين  Ammon   . وكل هؤلاء الملوك الـ 12 احتشدوا ضدي ، وبقوة آشور قهرتهم. إلهي الذي أعطاني القوة ألحقت بهم الهزيمة .

هذه الحروب التي دارت في (مدن يهوذا) لم يكن مسرحها فلسطين بكل تأكيد، فما علاقة فلسطين بـ ( آل بعشة) الذين توددّ لهم مكرب سبأ، وقاتلهم نبوخذ نصر؟ 

المصدر : الجزيرة