عزريا وتجلات بلاسر الأول في "أرض اليهودية"

تروي السجلات الآشورية (Ancient Assyrian Records P103 ) TIGLATH-PILESER 1 الوقائع التالية:

1: في 1116-1090 قبل الميلاد، استولى تجلات بلاسر الأول على "أرض اليهودية". في هذا الوقت كان عزريا اليهودي هو الكاهن/الملك (المحلي) في أورشليم.

2: بدأت الحملة ضد ملكة تدعى "زبيبة" كانت ملكة مقاطعة "العربية-الصحراء". ثم اتسعت لتشمل قبائل "حبيشنيof Hubishna, Zabibe, queen of Arabia وملك منطقة تدعى سوا (جبل سوا) ( Mount Sau).

3: وسرعان ما واجه تجلات بلاسر الأول، تحالفا من قبائل كثيرة احتشدت لقتاله، الملك "مناحيم" في منطقة شمير (Menahem) of Samerina (Samaria), والملك بعل إل (بعل إيل)   bi'li، والملك إسماعيل  (Sam'al) كما أن قبائل أوسان (Usnu) حشدت مقاتليها في مواجهته. 

ليس المثير للدهشة والتساؤلات أن الجغرافية التي جرت فيها هذه الأحداث لا وجود لها في فلسطين وحسب؛ بل أن تاريخ فلسطين لا يعرف ملوكا بهذه الأسماء، ولا يعرف أسماء القبائل الواردة في النقش

لكنه انتصر عليهم وأخضعهم جميعا، ثم فرض عليهم الجزية وأخذ منهم كميات هائلة من الذهب والفضة، والرصاص والحديد والجلود والعاج والثياب الملونة (الصوفية) وملابس الكتان الأزرق والأرجواني وخشب البقس والبخور.

أثار هذا النقش الحيرة في أوساط علماء الآثار، فهل ظهرت اليهودية في هذا العصر؟ هل عرفت فلسطين زراعة أشجار البخور؟ وهل كانت هناك كل هذه الكميات الهائلة من الذهب والفضة والأحجار الكريمة والعاج؟ وممّا ضاعف الحيرة أكثر، أن هذه السجلات تستخدم تعبيرا غامضا، إذ وجد تجلات بلاسر الأول خلال حملته، أن عزريا كان "دون أعداد"؟  Azariah, the land of Judah). فماذا يعني ذلك؟

هذه العبارة الغامضة ظلت دون تفسير. لكننا سنكتشف -حين نعود إلى نصوص التوراة- أنها  ليست غامضة تماما، وأنها تتضمن فكرة دقيقة عن حالة عزريا في هذا الوقت. 

ليس المثير للدهشة والتساؤلات أن الجغرافية التي جرت فيها هذه الأحداث لا وجود لها في فلسطين وحسب؛ بل أن تاريخ فلسطين لا يعرف ملوكا بهذه الأسماء، ولا يعرف أسماء القبائل الواردة في النقش، فهل اختفت الجبال والمدن فجأة، وزالت عن وجه الأرض دون أي أثر، أم أن الحملة دارت في مسرح حربي آخر؟ لكن لماذا ولأي غرض جرى وضع هذه الوقائع ضمن التاريخ الفلسطيني؟ 

لقد قام اللاهوتيون -دون أدنى حرج علمي- بتقديم شروح إضافية على النص، سرعان ما دخلت مناهج التعليم، وأصبحت حقائق يرددّها الأساتذة والطلاب في أروقة الجامعات العربية دون أي دليل مادي، ومفادها أن تجلات بلاسر الأول استولى على "أرض اليهودية" في فلسطين، في هذا العصر المبكر، وذلك ما يؤكد مقدار الاستهتار المهني الذي طبع عمل ونشاط اللاهوتيين في علم الآثار؛ إذ كيف لعاقل أن يتخيّل وجود جغرافية في فلسطين، تضّم "أرض يهوذا" وأوسان (مملكة أوسان اليمنية الشهيرةوزبيبة ملكة (العربية) وإسماعيل وعزريا ملك اليهود، ومناحيم اليهودي وجبل السوا (ضمن مقاطعة شمير)؟ وهل كانت فلسطين أرض الذهب والبخور، بحيث إنه استولى على كميات هائلة منها كما يقول النقش؟

التوراة تكذّب كل هذه المزاعم، وهي لا تؤيد بأي شكل من الأشكال وجود غزو آشوري لفلسطين في أي وقت من التاريخ، وكل ما يكتب ويقال ويروّج له في المؤلفات التاريخية مصممّ لتمرير أكذوبة أن الإسرائيليين (واليهود) كانوا في فلسطين في قبل ثلاثة آلاف عام.

هاكم ما يقوله سفر الملوك الثاني: 15: 17

فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ وَالثَّلاَثِينَ لِعَزَرْيَا مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ مَنَحِيمُ بْنُ جَادِي عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي السَّامِرَةِ عَشَرَ سِنِينَ (בִּשְׁנַת שְׁלֹשִׁים וָתֵשַׁע שָׁנָה, לַעֲזַרְיָה מֶלֶךְ יְהוּדָה:  מָלַךְ מְנַחֵם בֶּן-גָּדִי עַל-יִשְׂרָאֵל, עֶשֶׂר שָׁנִים–בְּשֹׁמְרוֹן).

لنلاحظ التطابق بين الروايتين الآشورية والتوراتية. يقول النقش: إن الملك الإسرائيلي مناحيم كان يقيم في مقاطعة شمير (مناحيم في شمير)، وتقول التوراة إن (مناحيم في السامرة). وها هنا في نص التوراة نقرأ، أن الملك اليهودي عزريا  كان يقيم في "أرض اليهودية"، تماما كما في النقش (عزريا في أرض اليهودية).

هذا التطابق المذهل بين النقش التاريخي والرواية الدينية ليس أمرا عرضيا بكل تأكيد، لأنه يعطي صدقيّة خاصة للوقائع الجغرافية والتاريخية، ويؤكد أن السجلات الآشورية سجلت الأحداث والأسماء بدقة. وكل هذا يعني أن المعارك جرت في مكان معلوم، لكنه ليس في فلسطين بكل تأكيد.  

التوراة تكذّب كل هذه المزاعم، وهي لا تؤيد بأي شكل من الأشكال وجود غزو آشوري لفلسطين في أي وقت من التاريخ، وكل ما يكتب ويقال ويروّج له في المؤلفات التاريخية مصممّ لتمرير أكذوبة

سوف أرسم إطارا تاريخيا عموميا لقصة هذا النقش المثير: كان عزريا الكاهن ابن ستة عشر عاما عندما أصبح كاهن أورشليم، لكنه أصيب بالبرص وظل مريضا حتى وفاته.

في هذا الوقت كان عزريا الكاهن اليهودي لا يزال يحكم في "أرض اليهودية" ككاهن/حاكم (محلي) عندما واجه تحديا لسلطته الدينية من كاهن إسرائيلي منافس وخصم، تسميه التوراة "مناحيم" وكان يحكم مقاطعة شمير. إن التوراة تعجّ بقصص الصراع بين الإسرائيليين واليهود؟ (وسأعود في مناسبة قادمة لشرح هذا الجانب المسكوت عنه من التاريخ).

أما الملكة زبيبة، فكانت تحكم مقاطعة يسميها النقش "العربية أي الصحراء"، بينما كان إسماعيل ملكا في مدينة تسميها النقوش الآشورية "مدينة إسماعيل".

إذا ما وضعنا كل هذه الوقائع الجغرافية والتاريخية ضمن تاريخ ممالك اليمن القديم، فسوف تبدو الأحداث التي يسجلها النقش ونص التوراة على حدّ سواء، قابلة للتصديق؛ لأن اليمن عرفت ملكة زبيبة ومدن إسماعيل وجبل شمير وجبل السوا و"أرض اليهودية".

كان عزريا الكاهن مواليا للآشوريين (وهو غير عزرا الكاهن الذي أسره الآشوريون، حتى لا يتوهم بعض القراء)، لكنه مع ذلك كان شديد التدّين ومحبوبا من اليهود اليمنيين، رغم اعتزاله الحياة العامة بسبب مرضه. وعلى الأرجح تبدو إشارة تجلات بلاسر الأول -الغامضة والتي حيرّت علماء الآثار- (كان عزريا دون أعداد) تعبيرا عن عزلته هذه بسبب مرض البرص، وذلك ما شجع خصمه الملك الإسرائيلي في "السامرة" على مهاجمته في أرضه. ولأنه كان مواليا للآشوريين، فقد تدخلوا لإنقاذ عرشه من السقوط.

ولنلاحظ، أن الهجوم بحسب النقش بدأ ضد الملكة زبيبة (في الصحراء). ليست زبيبة هذه التي اصطدم بها الآشوريون سوى إحدى ملكات مأرب، وحتى اليوم نجد اسمها هناك: محافظة مأرب، مديرية رحبة، عزلة آل بوعشة، قرية وادي اللب، محلة زبيبة.

أما مدينة إسماعيل، فهي "مدينة شعب سمعي/سمع إيل إسماعيل في نقوش المُسند" الذين كانوا يقيمون في صرواح العاصمة الدينية. ثم انتقلت المعارك إلى تعز حيث جبل حبشي الذي يسميه النقش "حبشية-حبشي". ولذلك حشد مناحيم فرسانه في جبل السوا، وهو اليوم الجبل نفسه وبالاسم نفسه على مقربة من "السوا"، وهذا هو الإقليم القديم الذي يعرفه التاريخ اليمني باسم "السوا" وكان من أهم أقاليم تعز، لأنه لعب دور مركز النشاط التجاري في "المعافر والحجرية" لقربه من ميناء الحديدة. لقد كانت السيطرة على طرق التجارة هدفا مركزيا في الصراعات القبلية.

فماذا يعني هذا التماثل في الوقائع؟

ترى لأي غرض قرأ علماء الآثار أسماء المدن والجبال والملوك بطريقة مغلوطة؟ ولماذا كانوا يعودون إلى نصوص التوراة فقط لأجل تأكيد أنها في فلسطين؟

هذه ليست مسألة أسماء مواضع متشابهة تحتمل الاختلاف. ها هنا وقائع تاريخية لا سبيل للسجال حولها. كل هذا يعني أن التوراة سجلت وقائع صحيحة لا يتعيّن الاستخفاف بها.

ولهذا، إذا ما قرأنا نقوش الآشوريين قراءة نزيهة، ووضعنا جغرافيتها والوقائع التاريخية التي تسجلها ودون تكلف، ضمن جغرافية وتاريخ اليمن القديم، فسوف نكتشف أن الحملة هدفت إلى إخضاع القبائل اليمنية، ومنعها من السيطرة على المقاطعات الحيوية، ولذا خاضت جيوش الآشوريين باستمرار معارك عنيفة من أجل الاستيلاء على الذهب والمعادن الثمينة، وتأمين  طرق تجارة البخور التي كانت تتعرض لهجمات واعتداءات القبائل المتمرّدة. 

وهذا أمر مماثل تماما لما يحدث اليوم، فالإمبراطوريات الكبرى في التاريخ البشري تسلك السلوك نفسه حيال الأمم الصغيرة والضعيفة التي تمتلك ثروات العالم. وكما يتضح من السجلات الآشورية، فقد كانت اليمن تحتكر تجارة البخور، وتمتلك ثروة من الذهب، فكانت مقصدهم، وليس جنوب الشام الفقير (فلسطين) الذي كان في الأصل جزءا لا يتجزأ من الإمبراطورية الآشورية.

ترى لأي غرض قرأ علماء الآثار أسماء المدن والجبال والملوك بطريقة مغلوطة؟ ولماذا كانوا يعودون إلى نصوص التوراة فقط لأجل تأكيد أنها في فلسطين؟

اغتصاب ملكيات الآخرين -كما تبيّن الحياة اليومية- يتطلب تزوير الأوراق الرسمية؛ والسجلات الآشورية هي أوراق التاريخ.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ما لكم أيّها العرب كلما أشعلت قناديل دمي في ذاكرتكم الضعيفة للغاية أطفأتموها بآهاتكم ونفخات تحسركم المثقلة بثاني أوكسيد الغفلة أو التغافل وخلدتم إلى نوم جديد؟!

خمسون عاما على احتلال القدس.. تغيير بالجغرافيا والديموغرافيا وإحلال واستيطان، لكن كل ذلك عجز عن النيل من إرادة المقدسيين. حلقة "للقصة بقية" ناقشت أوضاع القدس تحت الاحتلال.

يتتبّع كتاب "على درب الآلام.. المسيحيون والمقدسات المسيحية في القدس" تاريخ الوجود المسيحي بالقدس وحاضره، ويسلّط الضوء على القدس ومكانتها لدى المسيحيين الذين ينظرون إليها باعتبارها المركز المسيحي الأوّل عالميا.

المزيد من تاريخي
الأكثر قراءة