عشرة أيام في الجنة (2-2)

عن الكاتب

عبير أحمد

مهندسة وكاتبة تقيم في سويسرا

وأخیرا بعد صلاة الجمعة فتحوا الأبواب للدخول للمدینة القدیمة، واستطعت الوصول للفندق. ما إن وصلت حتى سمعت بشھید برصاص مستوطن وشھیدین برصاص الاحتلال. ما معنى شھید برصاص مستوطن؟! یحمل جمیع المستوطنین الصھاینة الأسلحة وھي مرخصة لھم، وعلى النقیض الفلسطیني الذي لو حمل سكینا یقضي عقوبة ستة أشھر في السجن. وماذا بعد قتله؟ ھل حوسب المستوطن؟ لم نسمع عنه شیئا وكأنھم یباركون فعلته.

وفقط في فلسطین یدافع الشباب عن جثة ذویھم، فیغلقون أبواب المشفى أمام جنود الاحتلال حتى یھرّبوا جثة الشھید. وفقط في فلسطین یتسابق الشباب لدفن ذویھم قبل استیلاء الاحتلال على الجثة وإذلالھم بھا وحبسھا لدیھم، یعّرضون أنفسھم للاعتقال حتى ُیكرّموا الشھید. بوركتم وبورك سعیكم في الدنیا.

فقط في فلسطین یدافع الشباب عن جثة ذویھم فیغلقون أبواب المشفى أمام جنود الاحتلال حتى یھرّبوا جثة الشھید، وفقط في فلسطین یتسابق الشباب لدفن ذویھم قبل استیلاء الاحتلال على الجثة

عاودنا الرباط مرة أخرى على أبواب الأقصى ولم یردعنا قمع ولا قنابل، فلن نترك الأقصى وحیدا أسیرا ینجّسه غیر المسلمین. كنت أستمد قوتي من مرابطات صغیرات السن أتعلم منھن. وفي ھذا المساء كان من المفترض أن أحزم أمتعتنا استعدادا للسفر في الیوم التالي، ولكن لم أستطع ولم یستطع جمال أیضا.

كیف نكون ھنا ویكتب لنا الله الرباط، ونخذل الأقصى؟ كیف وأمة محمد جمیعھا تتمنى مكاننا ھذا؟! أسرعنا بشراء تذاكر جدیدة بتاریخ الأربعاء، وذلك كان ضربا من الجنون أن نزید أربعة أیام فقط ونشتري تذاكر طیران من جدید، ولكن محاولة منا في فعل ما نستطیع فعله، فلو كنا نستطیع البقاء ما تبقى من عمرنا في القدس ما فكرنا لحظة بالسفر. كم كنت سعیدة أنه ما زال لدینا بعض الوقت، فربما یُفَك أسر الأقصى وأستطیع إلیه سبیلا.

تصوير واعتقال
ویتكرر الرباط على باب المجلس یوم السبت، صلاة الظھر فصلاة العصر ثم الذھاب لباب الأسباط وصلاة المغرب. وعند العشاء أردت تصویر الصلاة ودعاء القنوت، فإذا بجندي منھم یرفع كامیرته بوجھي لیصورني. ھذه صورة من صور تھدیداتھم المستمرة لأھل القدس، تصویر ثم اعتقال من بیوتھم. انتھت الصلاة وسط خوف من القمع في أي لحظة، ویستمر ذكر الله وتلاوة القرآن، والحدیث لیس له نھایة
.

تعرفت على كثير من العقول الراقیة والقلوب الرقیقة المطمئنة بحب الله، منفتحات ومثقفات ودارسات وحافظات للقرآن. كم أحب الفلسطینیات، كم ھن جمیلات وصاحبات رأي حر وإرادة قویة.

وجاء یوم الأحد 23 یولیو/تموز مع الرباط حول الأقصى حتى المساء، وتعرفت على تسنیم ونور وآیة وھن لم یتجاوزن العشرین من عمرھن، جمیلات ولكنهن لسن كمن نعرف في مثل أعمارھن من الفتیات اللاھیات المشغولات بأنفسھن، فھن لسن أنانیات، إنھن قدوات، تراھن یعاودن الرباط حول أقصاھن ولا یبالین باعتقالھن أو بقنابل أو رصاص مطاطي یصیبھن.

لن أنسى ھذا الیوم ما حییت.. قبل صلاة العشاء بحوالي عشر دقائق أطلق علینا الاحتلال العشرات من قنابل الصوت والرصاص المطاطي، وھذه المرة لم یترك لنا حتى طریقا للخروج.

كنت مع سالي ابنتي (4 سنوات) ولیلى وسیدة تركیة بجوار حائط، فقررت الاحتماء به حتى أجد طریقا یصلح للذھاب. كانت لیلى تحمي رأس سالي وتخاف علیھا من الإصابة بقنبلة، بینما كنت أھدئ من روع السیدة التركیة التي انھارت بالبكاء وأخبرھا ألا تخاف وأنه لن یحدث شيء، والرجال كانوا یخبروننا بأنھم لن یتركونا ولكن علینا سرعة التحرك.

وإذ نحن كذلك، أفاجأ بجنود الاحتلال وقد وصلوا لنا، ودفعني أحدھم وأنا أحمل سالي، وأخذت لیلى تصرخ علیھم وتقول بالعبریة: "طفلة طفلة!!"، ثم صرخ علینا أحدھم بالعبریة وأنا لا أفھم، وترجم لي رجل بأنه یخبرنا أن أمامنا عشر ثوان وسیبدأ بالعنف، وبدأ بالعد فعلا بصوت عالٍ.

كانت لیلى تحمي رأس سالي وتخاف علیھا من الإصابة بقنبلة، بینما كنت أھدئ من روع السیدة التركیة التي انھارت بالبكاء، وأخبرھا ألا تخاف وأنه لن یحدث شيء

إيثار المرابطات
ركضت مع لیلى نحمي سالي والقنابل حولنا في كل اتجاه، ثم فجأة لم أجد لیلى. وأصابتني نوبة الربو فتوقف نفسي ووقفت، وأنزلت سالي عني وإذا بنور تأتي وتحملھا وتجري بھا، وكنت قد تعرفت علیھا لتوي قبل القمع، وكأن الله أرسل ملكا یحفظ ابنتي في صورة بشر ھو نور. تابعت السیر وأنا لا أستطیع التنفس حتى صعدنا بعیدا عن مرمى قنابلھم
.

تعجز الكلمات ویقف التعبیر عاجزا أمام خلق الإیثار عند المرابطات. یضحین بأنفسھن فداء لإعلاء كلمة الله في الأرض، ثم یتفوقن على أنفسھن مرات ومرات في ھذا الموقف.

أحسست أني رأیت أھل النار وأھل الجنة، فلمن خلقت الجنة إن لم تكن لھؤلاء؟ ولمن سعِّرت النار إلا لھؤلاء؟ وأنا أحاول التقاط أنفاسي وأتساءل أین لیلى؟ فیقولون ذھبت لصلاة العشاء عند أقرب جماعة تجدھا. تقبل الله منك غالیتي صلاتك وطاعتك. یومھا أصیب یوسف (12 سنة) بقنبلة صوت في بطنه، وعندما سألته أجابني: "لا شيء. بسیطة" ، لأكشف عن بطنه وأجد أنه جرح مؤلم ولكنه ھو القوي البطل.

لم أرَ في الرباط أناسا يقولون رغم أنوفھم سنھزمھم، ولكن وجدت من یقول "یا الله ما لنا غیرك یا الله"، یثنون على الله ویطمعون في النصر من عنده، سلمیتھم وإیمانھم وثقتھم بالله وبنصره ھي كل ما یملكون.

وكعادة كل یوم، ذھبنا یوم الاثنین للرباط، وتعرفت على سلسبیل وعلى بنات جمیلات یدخلن القلب من الوھلة الأولى، وكأن الله یمسح على قلوبنا لنطمئن ونشد أزر بعضنا بعضا. نقرأ القرآن بصوت مرتفع في مجموعة كبیرة تضم ما یقارب ثلاثین من النساء أو تزید.. "إذا جاء نصر الله والفتح" كانت ترفع الروح لعنان السماء.

تعرفت على "لواء" الصحفیة المذیعة، وجلست مع صدیقاتھا من الصحفیات والمراسلات والمصورین، رأیت كم یتعبون لنقل الحقائق، یقضون ساعات النھار یركضون ھنا وھناك تحت حرارة الشمس، ویختبئون حین یمر جنود الاحتلال حتى لا یحرمونھم نقل الحقیقة.

وفرت لھم قنواتھم غرفا للاستراحة بین التصویر، لم یجلسوا كأمثالھم من المذیعات والمذیعین في أستودیوھات مكیفة، حقیقة الأمر ھم مرابطون.

اشتھت لواء مرة المثلجات، أو كما یسمونھا: بوظة. كانت تبرعات الصالحین من میاه باردة وطعام وفاكھة تؤنس المكان أیضا. لا أعلم كیف ومن أین جاءت؟ صنادیق یوزعون منھا المثلجات والمرابطون یختارون أیضا المذاق. ھذه أجواء الرباط، تشعر بسعادة الدارین وقد أتت مجتمعة لك.

هاي المصرية
وجاء الثلاثاء 25 یولیو/تموز، وكان صحفي قناة الجزیرة محمد ینتظرنا لیسجل معنا لقاء. كان ینتابني شعور بالقلق من ردود الفعل علیه، كان ھدفي الوحید نشر ونصرة قضیة الأقصى الأسیر.

كان یوما ممیزا، فبعد التسجیل المباشر رآه المقدسیون على صفحتھم للتواصل الاجتماعي. كنت كلما أسیر بینھم أسمع "ھاي المصریة"، وأجد ترحابا رائعا من المرابطات والمرابطین، ومن أجمل ما سمعت "أھلا بك في فلسطین، نورتوا" من مرابط. تعرفت على الكثیرات وكم أحسست بالألفة والمحبة والأخوة في الله، اجتمعنا على الحق والحق فقط. 

بإرھاب الآمنین المصلین المسالمین العزّل الذین یقفون على أبواب مسجدھم ويصلون على الإسفلت، كان الاحتلال یوّدعنا، وكان ھذا ھو آخر یوم لنا في الرباط على أغلى ما نملك.. "أقصانا"

جاء المساء ودعوت الله أن یربط على قلبي فأستطیع تحمل الفراق، فراق الأقصى، فراق الأرض المباركة، فراق الرباط وشرف حراسة الأقصى، وفراق أھل بیت المقدس. ودّعت المرابطات وأنا أدعو الله كثیرا أن ینصرھم ویحفظھم.

صلینا العشاء بباب الأسباط، وفجأة -وكعادة الغادرین- یمطروننا بوابل من قنابل الصوت، وكم كانت قریبة ھذه المرة. كنت بصحبة لیلى وفخریة ونمیر، وكان أھم ھدف لدینا حمایة سالي، رأسھا وعینيھا. اختفت لیلى فجأة ورأیتھا في نھایة المطاف وھي جمیلة الوجه وقد أصابتھا شظایا القنبلة في خدھا.

كنت أركض حاملة سالي وبجواري فخریة وتمطرنا القنابل، وحملتھا فخریة مني، فالفلسطینیون معتادون على الإیثار. وجدت طفلا لا یتجاوز العاشرة وقد أصابته قنبلة مباشرة في ركبته، كشفت عن ساقه وكانت حمراء تؤلمه، ولا یستطیع الوقوف؛ ثم فتح الفلسطینیون بیتا لي وله.

رأیت حینھا زوجي یحمل علي ویبحث عن عمر، والرجال یبحثون معه ویصیحون "عمر"، حتى وجدناه -ولله الحمد- غیر مصاب. ھذا ھو الإرھاب بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

بإرھاب الآمنین المصلین المسالمین العّزل الذین یقفون على أبواب مسجدھم ويصلون على الإسفلت، كان الاحتلال یوّدعنا، وكان ھذا ھو آخر یوم لنا في الرباط على أغلى ما نملك.. "أقصانا".

مشیت من حارات لا أعرفھا، فحین القمع یركض المرء حیث یھدیه الله، وكانت معي فخریة، وودعتھا عند باب العمود، وكم كان وداعا غالیا، فھي في قلبي أختي التي لم تلدھا أمي، في ھذا الیوم كنت أدعو الله أن یربط على قلبي لأن ترك الجنة محزن، وھا أنا أخرج منھا لأعود للدنیا مرة أخرى.

استیقظت في صباح الأربعاء 26 یولیو/تموز وأنا لا أعلم لمَ یجب أن أسافر؟ لماذا لا أستطیع العیش حیث أحب؟ لمَ الحدود؟ ولمَ التضییق على الأحبة؟ ماذا لو ذھبت بالحافلة لزیارة أھلي في مصر وعدت مرة أخرى للقدس؟ ماذا لو بحثت وزوجي عن عمل وبیت وأقمنا في القدس؟ مَن وضع الحدود؟ من وضع القوانین؟ عدونا واحد.. عدو الحق، عدو الله.

ركبت مع جمال وأطفالي عربة تقلنا للمطار، وقبل أن أغلق الباب وجدت من تمد یدھا للسلام. سیدة من الجالیة الأفریقیة كنت قد تعرفت علیھا عند باب المجلس، تودعني وتنتظر مجیئي مرة أخرى.

كم تفاءلت! آخر من رأیت ھي بنت الجالیة الأفریقیة التي جاء أجدادھا مع صلاح الدین الأیوبي لفتح بیت المقدس، وبعد فتحه أبوا أن یعودوا إلى دیارھم وتجارتھم، وتركوا ثرواتھم في بلدھم وفضلوا البقاء بجوار المسجد الأقصى لحمایته. عندما تجتمع ید بنت الجالیة التي نصرت صلاح الدین، مع ید بنت خیر أجناد الأرض عند بیت المقدس؛ وكأني أشم رائحة النصر.

المصدر : الجزيرة