كل عام والقدس بخير

أتدرون أيها العرب والمسلمون كم عيد أضحى مر على القدس فأخفى ابتسامته عنها وأظهر دمعته عطفا على جراحها ورأفة بحالها؟

خمسون عاما أو يزيد مرت على مدينة القدس المباركة وهي ترسف في أغلال الاحتلال تعض بأسنان أسوارها على قيود من جمر وحديد وهي تكابد الحصار والاستيطان والتهويد.

لا تدري بعد خمسين عاما من القهر والصبر على نوائب الدهر ماذا تفعل وبأي جهات عربية تحتمي وهي ترى أهلها الصابرين المحتسبين يُعانون الأمرين، وعلى مدى عقود من ظلم وتجبر وغطرسة اليهود.. يواجهون الحواجز المسلحة وإجراءات التفتيش ومحاولات التهجير وجرافات الهدم الضارية بصدور عارية وجباه عالية وقلوب إلى الله مبتهلة داعية. لعل الخلاص يكون قريبا وهو على الله غير بعيد، حتى وإن أشهر صهاينة هذا الزمان سكاكين استيطانهم يهمون بذبح عروبة القدس وإسلاميتها من الوريد إلى الوريد، وهم يسخرون كل عيد يأتي من فرحنا الفقيد ومن تاريخ أمتنا المجيد.

أشهر صهاينة هذا الزمان سكاكين استيطانهم يهمون بذبح عروبة القدس وإسلاميتها من الوريد إلى الوريد، وهم يسخرون كل عيد يأتي من فرحنا الفقيد ومن تاريخ أمتنا المجيد

ولو جئنا صباح العيد إلى القدس ولوَّحنا لها من بعيد قائلين: كل عام وأنت بخير يا أم الفاتحين ويا عذراء فلسطين لوجدنا أنها ليست بخير كما نرجو لها ونتمنى، فالاحتلال ما زال جاثما على صدرها، وأبوابها المفتوحة لأعدائها والمغلقة في وجه أبنائها تبدو مغلوبة على أمرها، تطوي أحزانها في سرها لا تبوح بها لفارس طال انتظاره، وإن أتى بعد غياب طال وامتد يسبقه إلى إنقاذ القدس إصراره، وتشق بحر الظلمات أنوارُه.

إذا ما أخذنا على أنفسنا، وابتلعنا الرّيق في وقت الضيق، وسايرنا العادات والتقاليد عند قدوم العيد، ومددنا أيدينا للقدس مصافحين وعن تقاعسنا  معتذرين، ونادمين على غيابنا عنها سنين وسنين، وقلنا لها بكلمات معسولة وأنفس خجولة: كل عام وأنت بخير يا قدسنا.. يا من نرى فيك فجرنا وشمسنا ويا من تفتقدين بأسنا، وتمقتين ضعفنا ويأسنا.

 إذا ما تجرأنا على غيمة الحزن الماطرة في عينيها وقلنا للقدس بحروف ثقيلة متثاقلة على الألسنة "كل عام وأنتِ بخير" من يضمن القدس ألا تفقد أعصابها وأن لا تصفق في وجوهنا أبوابها، وألا يرفع إلى السماءِ تكبيرها ومنبرها ومحرابها صارخة فينا من قاع قلبها المحاصر والمحتل: من أين يأتيني الخير وأنا لا أرى في محبتكم لي بذور خير، فلا اسمع منكم إلا خطبا رنانة وقصائد شعر ظمآنة وأحلاما بالصلاة في أقصاي أو في كنيسة قيامتي ليس لها حتى الآن في كتاب تفسير الأحلام مكان أو مكانة.

ومن يضمن ألا تثور القدس من شدة عتبها علينا؟ فترشق في وجوهنا أشواك خمسين عاما من الحزن والظلم والقهر والاضطهاد، لعل القلوب تصحو في الصدور، ووعي العقول يبدأ في الظهور.

هذه هي القدس لا تهادن من يظلمها، ولا تساوم من يطمع في قداستها وجمال صورتها، ولا تسامح من يخذلها أو يتقاعس عن نجدتها.. لا تصالح غازيا ولا تجد عذرا لابنٍ من أبنائها أو لابنٍ من أبناء العروبة والاسلام ظل وراء عقوقه عنها غافلا ولاهيا.

ها هي القدس تغمض أجفانها على سحب الحزن السوداء في عينيها حتى لا تصادر فرحة العيد في عيون أطفالنا، تبرئهم من عجز آبائهم وتقصيرهم عن إنقاذها وتحريرها من احتلال تمادى وطال، وجرَّ معه أشد الأخطار والأهوال.

القدس تعلمت من تواتر الغزوات والنكبات عبر التاريخ ألا تذل أو تستكين، وألا تفتر لها عزيمة أو تلين، في المقابل تعلمت أن تشد على أيدي أبنائها أبناء فلسطين

ولكن القدس تعلمت من تواتر الغزوات والنكبات عبر التاريخ ألا تذل أو تستكين، وألا تفتر لها عزيمة أو تلين، وفي المقابل تعلمت أن تشد على أيدي أبنائها أبناء فلسطين، تكرّس وجودهم، وتعزز صمودهم، وتحيي دائما سواعدهم وزنودهم وهي تراهم بالصدور عدوَّهم يدفعون، وبأرواحهم ودمائهم عن مقدساتها يدافعون، فهي تراهم في الحارات والباحات وعلى المنابر، لا تنام لهم قلوب ولا تسهو لهم ضمائر، وتسبق الرجال منهم في الدفاع عن الأقصى كوكبة من الحرائر.

أما من يلوح للقدس من بعيد ليقول لها صباح العيد السعيد "كل عام وأنتِ بخير" بينما الشر يحيط بها من كل جانب، وهو يرى ذلك بأم العين ويراقب، فإن القدس عندها له سؤال يغني عن كل مقال.. فاسمعوا أيها العرب والمسلمون اسمعوا، وإن سمعتم فانتفعوا إن إلى إنقاذ وتحرير القدس لم تندفعوا.

فالقدس تسألُ: أين أُضحيتي؟ أين الملايين التي كانت وما زالت بليل الأسر أمنيتي؟ قد صادر المحتل لي وجها يدل على عروبته ومزق في الظلام هويتي، قد صادر المحتل لي لغتي، ومضى يحرم أي نُطق يعشق الفصحى على شفتي، القدس تسأل أين أُضحيتي؟ من يدعون بأنهم أبناء إبراهيم من دون العباد يرون أنفسهم بعز منامهم يتجمعون ليطمسوا لي وجهي العربي، في أيديهم الجوعى إلى لحمي سكاكين تصهين ومضها وبريقها، يتشاورون ليذبحوني، في باب ليل مظلم يغزو عيوني، بالله يا أهل العروبة أدركوني.. إني أرى غرقي ببحر غزاة قلبي، وأراكمو بالعين لا بل عين جرحي مثل أيتام بلا أم لكم إن تفقدوني، ما زلت ملقاة على جمر انتظاري أرتجي فرح السماء.. وبمهجتي في أمتي بعض الرجاء..  فمتى أرى عيداً به أحظى بأضحية الفداء؟

والله إن قدومكم من غابة الأيام أمنيتي.. وحروف ترحيبي بكم تخضر في شفتي.. لكنما لا فارسٌ يأتي ببشرى عيده الأضحى ولا ذِبحٌ سمين، للآن لم ألمح ظلال خيولكم، لا حسرة الأقصى تؤرق نوم من ناموا على مر السنين، حتى ولا أمسى يقض مضاجع الفرسان لي دمع حزين.

القدس تسأل: أين أضحيتي؟ وتحبس دمعةً محرورة في العيد، تسأل والأضاحي لا تساق لفدية الأقصى السجين.

-هل مات عَزم المؤمنين؟! هل مات وعي المسلمين؟!

المصدر : الجزيرة