عـاجـل: وزارة الصحة الجزائرية : 73 إصابة جديدة بفيروس كورونا ليرتفع الإجمالي إلى 584 وتسجيل 4 وفيات جديدة

عشرة أیام في الجنة (1-2)

عن الكاتب

عبير أحمد

مهندسة وكاتبة تقيم في سويسرا

بدأت القصة حین قررت السفر إلى القدس مع زوجي جمال وأبنائي عمر وعلي وسالي، كانت المرة الثانیة، فقد سبقتھا بعام زیارة أخرى، ولكن ھذه المرة زیارة من نوع آخر. وصلنا إلى البلدة القدیمة عصر یوم الخمیس 13 یولیو/تموز 2017. لم نجد حجزا في فندقي العربي المفضل "الھاشمي"، ولكن وجدنا فندقا عربيا آخر، فقد كان كل ما یھمنا أن نقطن في البلدة القدیمة بجوار الأقصى. أسرعنا بتبدیل ملابسنا والوضوء وسرعان ما طارت قلوبنا قبل أقدامنا لمسرى حبیبنا قبلتنا الأولى لأقصانا. كان یزن -صدیق زوجي الذي تعرف علیه العام الماضي- ینتظرنا في الأقصى بصحبة زوجته زینب وابنه الرضیع خالد ومع أجمل استقبال وغداء أیضا في رحاب حدیقة من حدائق الأقصى.
صلینا المغرب وقابلت من كنت أظن لقاءھم أبعد من الخیال، قابلت صدیقات العام الماضي (آیة وإسراء وأمھم) ووجوها كثیرة أحبھا في الله. جلسنا في باحة المسجد الأقصى أمام المسجد القبلي ننتظر صلاة العشاء ونتجاذب أطراف الحدیث

كم كنت ممتنة من كرمھم ومجھودھم لإسعادنا، وأنا القادمة من سویسرا حیث جفاف العلاقات، كنت بدأت أنسى أخلاقا كثیرة أو ظننتھا ربما انقرضت. كم أحسست بالألفة وطیبة القلب والكرم . افترشنا الأرض وكنا حقا جائعین، وكم أحببت الطعام على الطریقة الفلسطینیة أرز مع اللحم المفروم والخضر (مقلوبة) ودجاج مع لبنة وسلطة باللیمون. صلینا المغرب وقابلت من كنت أظن لقاءھم أبعد من الخیال، قابلت صدیقات العام الماضي (آیة وإسراء وأمھم) ووجوها كثیرة أحبھا في الله. جلسنا في باحة المسجد الأقصى أمام المسجد القبلي ننتظر صلاة العشاء ونتجاذب أطراف الحدیث.

فرحة عنان السماء
كانت فرحتي تصل إلى عنان السماء، حتى ظننت أن لا أحد على وجه الأرض أسعد مني. شاھدت جالیة كبیرة من الأتراك تنتظر أیضا على مصطبة من مصاطب العلم. تلك المصاطب التي كانت حتى وقت قریب تمتلئ بطلاب العلم صباحا حتى حرمھم منھا الاحتلال حتى یتسنى للمستوطنین الصھاینة اقتحام المسجد صباحا دون تكبیرات منھم. نعم فسلاحھم الوحید ھو "الله أكبر" أمام مستوطنین یدخلون بحمایة جنود الاحتلال المدججین بالأسلحة
.

صلیت العشاء ولم أكن أعلم أنھا آخر مرة أصلي فیھا داخل مسجدي، لو كنت أعلم ما تركتك یا أقصایا وأمضي. وفي الیوم التالي كان یوم الجمعة ذھب جمال وعمر إلى صلاة الفجر ولم أستطع ترك علي وسالي وحدھما في الفندق، فلم أذھب معھما.

ما ھي إلا ساعة بعد شروق يوم الجمعة 14 يوليو/تموز، إذ نفذ ثلاثة شبان فلسطینيین من عائلة "جبارین" عملیة استشھادیة داخل الحرم، أسفرت عن مقتل اثنین من الجنود الدروز الذین یخدمون في جیش الاحتلال واستشھاد منفذي العملیة. أغلق الاحتلال مسجدنا الأقصى ومنع الأذان لأول مرة منذ عام 1969منذ حرق، لیس هذا فقط بل استولى أیضا على مفاتیحه من الأوقاف الإسلامیة واعتدى على كل ما بداخله من غرف وخزانات ومخطوطات. منع الأذان بالأقصى یوم الجمعة والسبت ُومنعت الصلاة والدخول له وعطلت الأوقاف الإسلامیة عن دورھا بالإشراف علیه وإدارته.

فتح المسجد الأقصى یوم الأحد 16 يوليو/تموز ولكن بمفھوم آخر، تحت سیادة الاحتلال، فلم یكفھم وقوفھم بالرشاشات وتفتیش من یرید دخول الأقصى للصلاة، ولكن أیضا وضعوا بوابات إلكترونیة لتأكید وضع الید. لم یدخل المقدسیون یومھا في انتظار رأي المفتي، خاصة بعد عدم مقدرة الأوقاف العودة لدورھا في إدارته. كنت یومھا مع زینة (ھي زینب ولكن لساني دائما ینطقھا زینة) بعیدا عن القدس، في رحلة للتجدیف في نھر الأردن والسباحة في بحیرة طبریة.

إلى طبريا
لم أصدق أذني حین عرضت علي الذھاب في رحلة نسائیة فقط لرؤیة "طبریة"، كل ما جاء في ذھني یأجوج ومأجوج وجفافھا وعلامات الساعة. كنت أستحضر عظمة الله في قلبي وكیف أنه قادر على كل شيء، فكیف بكل ھذه البحیرة تجف؟ وكیف ومتى؟ وأین نحن من كل ذلك؟ وكم تلھو القلوب في شتى دروب الحیاة وتحید عن الطریق، وكم ننسى وكم نغفل؟
!

فتح المسجد الأقصى یوم الأحد 16 يوليو/تموز ولكن بمفھوم آخر، تحت سیادة الاحتلال، فلم یكفھم وقوفھم بالرشاشات وتفتیش من یرید دخول الأقصى للصلاة، ولكن أیضا وضعوا بوابات إلكترونیة لتأكید وضع الید

استیقظت في صباح الیوم التالي یوم الاثنین لأجد كل من بالقدس یمتثل لفتوى عدم الدخول إلى الأقصى حتى إزالة البوابات الإلكترونیة والعودة إلى سابق عھدنا بالأقصى. وھا ھو یوم الثلاثاء 18 یولیو/تموز، أول یوم أفھم فیه حقا معنى الرباط. كنت دائما أفھم معنى اعتصام حتى تلبیة المطالب، وكنت دائما أشارك في مظاھرات في مواضیع شتى ولكن دون جدوى حتى أیقنت أنه لا بد للحق من قوة تحمیه.

بدأت بالنقاش مع المرابطات وفي قلبي خوف علیھم رجالا ونساء، فھم أحسن من عرفت ماذا لو قتلوھم؟ ولكن بمجالستي لأھل بیت المقدس، من قال عنھم رسول الله في رباط إلى یوم القیامة، أدركت ما فاتني في عمري كله. أدركت أن إعلاء كلمة الله في الأرض ھي غایة العیش وأن الله قادر على نصر المؤمنین ولكن یؤخره لُیمّحَصھم ویعلم من ینصره ممن ینقلب على عقبیه، وأن الموت في سبیل الله شھادة لا ینالھا إلا من یختاره الله وأن النصر صبر ساعة وأن القوة والثبات والنصر من عند الله العزیز القھار.

 یومھا رابطنا عند باب الأسباط وصلینا الظھر والشمس كأنھا تدنو من رؤوسنا أكثر فأكثر. كم كنت أحسست بالخزي من نفسي وأنا أشعر بصعوبة الوقوف في ھذا الحر وغیري من النساء والرجال كبیري السن یفعلونه بترحاب وبرضا لوجه الله تعالى. تعلمت منھم أن الجنة غالیة والعمل لھا ھو ثمنھا. ذھبنا بعدھا للرباط عند باب المجلس ویومھا رأیت ما أعاد لي الثقة بالبشر. رأیت الجالیة الأفریقیة تفتح الطریق للمرابطین للجلوس على البسطات أمام بیوتھم، انتظرت قلیلا ربما أجد من یشتكي أو یعارض  ولكنھا كلھا كانت شرور نفسي، فھؤلاء أحفاد من جاءوا مع صلاح الدین الفاتح لبیت المقدس، ھؤلاء من نصروه وأعانوه  فكیف بھم إلا أن یتموا نورھم على بیت المقدس وأھله ویعینوھم كما عرف عنھم ، ما ھي إلا دقائق وأصبح مطبخھم محلا لطھي الطعام للمرابطین من أول النھار حتى آخر اللیل.

ذھبت للفندق مع أطفالي وزوجي للقلیل من الراحة وتغییر ملابسنا وعدنا قبل صلاة المغرب لباب الأسباط، وتعرفت على الكثیر من المرابطات وعلى رأسھن "خدیجة خویص" الجمیلة وھي معلمة القرآن المبعدة عن الأقصى وكل جریمتھا ھي "حب الأقصى". ھي أم لأربعة أطفال، عندما تراھا تظن للوھلة الأولى أنھا سیدة مقدسیة عادیة ولكن اقترب لتعرف، فھي لیست كالأغلبیة اللاتي شغلھن أولادھن وأزواجھن عن ذكر الله وإعلاء كلمته في الأرض.

أخوات المرجلة
 
یبدأ الرجال بالھتاف وتغار منھم أخوات المرجلة (كما سمعتھا منھا) فیتنافس الكل على حب الله، لأجدھا في الصفوف الأمامیة ملاصقة لجنود الاحتلال تصرخ بالحق في وجوھھم ولا تخاف فیه لومة لائم، كیف تتحول لأسد في لحظات لا أعرف وھي الرقیقة الضحوكة بیننا. ورفیقتھا الرقیقة ھنادي حلواني، كلما أراھما سویا أحس أنھما روح واحدة في جسدین، من أین أتت بھذه الشجاعة؟ ھل ھي قوة من الله الذي تنصره وتنصر دینه في الأرض؟ كلما أراھما وجمیع المرابطات أقول ھن مثلنا تماما ولھن حیاتھن وأشغالھن وأطفالھن ولكن الفرق بیننا وبینھن كالسماء والأرض.

یبدأ الرجال بالھتاف وتغار منھم أخوات المرجلة (كما سمعتھا منھا) فیتنافس الكل على حب الله، لأجدھا في الصفوف الأمامیة ملاصقة لجنود الاحتلال تصرخ بالحق في وجوھھم ولا تخاف فیه لومة لائم

صلیت المغرب ثم جلست أرابط مع النساء حتى صلاة العشاء، كنت أستمع لأناشید جمیلة وجمل حماسیة .. "لبیك لبیك یا أقصى" و "عالأقصى رایحین شھداء بالملایین" و "لبیك واجعل من جماجمنا لعزك ُسلما" وأجملھم على الإطلاق وأحبھم لنفسي: "سوف نبقى ھنااااااا .. كي یزول الألم سوف نحیا ھنااااااا .. سوف یحلو النغم" وما أن انتھت صلاة العشاء حتى رأیت ما لم یكن في الحسبان، فجأة ومن دون سابق إنذار أسمع أصوات قویة وإضاءة أقوى، قنابل في كل مكان، كانت معي ابنتي الصغرى سالي (4 سنوات) وابني الأوسط علي (6 سنوات) بینما ظل ابني الأكبر عمر (10 سنوات) مع والده یصلي مع الرجال.

كنت أمسك بعلي على الیمین وسالي على الیسار ونجري سویا وأسمع صراخ الرجال "نسوااااان وأطفااااال" یحذرون من یأتي من الخلف حتى لا یدعسوننا من باب الإیثار وجاء من خلفي من یحمل ابني ومن یحمل ابنتي ویجري بھما معي، أبكي كلما تذكرتھم وتذكرت خلقھم. ينطبق علیھم قول الله تعالى "ویؤثرون على أنفسھم ولو كان بھم خصاصة". أدخلوني على بیت من البیوت القریبة خوفا منھم علي وعلى أطفالي، كانت تلك ھي المرة الأولى التي یحدث لي فیھا قمع وضرب بقنابل الصوت وأرى بعیني الرصاص المطاطي ینطلق من فوھة جندي من جنود الاحتلال بمنتھى الوحشیة. كنت أبكي وقلبي یؤلمني من ھول ما رأیت فجأة توقف بي الزمان وأعدت حساباتي من جدید، أین أنا وأین المقدسیین؟! ھل خذلتھم طوال أعوام عمري؟ ھل یدافعون دائما منذ نعومة أظفارھم عن الدین وأنا غافلة؟ ھل عانیت في حیاتي مثلھم؟ مثل یوم واحد في معاناتھم؟ كان بالنسبة لي وجود الاحتلال على مقربة مني أكبر معاناة شھدتها، الآن أبصرت.. أبصرت؟!! وھل الإیمان یتطلب منا الرؤیة رأي العین؟ أم نكتفي بالبصیرة؟ حزنت كثیرا على حالي وحال الملایین من المسلمین، وتحدثت مع زوجي للاطمئنان علیه وعلى عمر والحمد لله أن أنجانا.

یوم الأربعاء ذھبنا لصلاة الظھر عند باب المجلس والرباط حتى صلاة العصر ثم الذھاب للفندق قلیلا ثم العودة لباب الأسباط لصلاة المغرب والرباط ثم صلاة العشاء، ثم ما إن وصلنا إلى الفندق حتى سمعنا بقمع الاحتلال لإخواننا عند باب الأسباط.

أحضرت لي إیناس زيا فلسطینيا لأرتدیه وكم كنت فخورة وسعیدة بارتدائه. كانت الأغاني أناشید وطنیة، صرت أحدث نفسي كم أنكم شعب عظیم لا تنسون ولا تغفلون عن قضیتكم حتى في الأفراح

إلى الخليل
وفي یوم الخمیس ذھبت إلى مدينة الخلیل (50 كلم جنوب القدس) لزیارة إیناس بنت الخلیل الكریمة جدا التي تعرفت علیھا في سویسرا ابنة رجل حر قضى حیاته في خدمة دینه أیضا وأذاقه الاحتلال مر الاعتقال مرات ومرات. كم كنت أحمد الله أن من علي ورزقني صحبة الأخیار، استمعت له ولقصته، اللافت للنظر أن الفلسطینیين رجالا ونساء وحتى الأطفال لا یشتكون إلا لله، لا تجدھم إلا بشوشین ضاحكین، فمصیبتھم دائما لیست في دینھم وھو المھم. حضرت حنة (حفلة حناء) فلسطینیة كانت بالصدفة في نفس الیوم، وكم كانت النساء كریمات مرحبات
.

أحضرت لي إیناس زيا فلسطینيا لأرتدیه وكم كنت فخورة وسعیدة بارتدائه. كانت الأغاني أناشید وطنیة، صرت أحدث نفسي كم أنكم شعب عظیم لا تنسون ولا تغفلون عن قضیتكم حتى في الأفراح. كم یفتنني ارتداء العروس في لیلة زفافھا للزي الفلسطیني، ولیس كسائر بلاد العالم لفستان العرس.

عدت أدراجي صباح الجمعة ولكن لم أجد ما أستقله مباشرة للقدس فركبت لمعبر بیت لحم أولا، وعندما علم سائق المركبة أننا من مصر طار فرحا وذھب واشترى لنا عصیرا وقال لنا أھلا بكم في فلسطین، كرم أھل الخلیل ورثوه من سیدنا الخلیل إبراھیم علیه السلام. وھناك رأیت مأساة ومعاناة الشعب الفلسطیني، المعبر كأنه قنوات تصل إلى مكان أشبه بالسجن والأبواب معدنیة تدور لیمر فرد واحد، وبالطبع بجواز سفري استطعت المرور ومن خلفي منع جنود الاحتلال رجلا فلسطینیا قائلین له الیوم یمر فقط من ھو خمس وخمسون عاما أو یزید، نظرت إليه فوجدته رافعا یدیه إلى السماء قائلا "اللھم إني أشھدك أني حاولت الوصول إلى الأقصى لنصرته ولكن منعوني".

جدار عازل وبوابات طویلة مقسمة حتى تصل أخیرا للتفتیش، بالضبط كأنك تنتقل من بلد إلى بلد آخر، یاللحزن الدفین، لا یستطیع فلسطینيو الضفة الذھاب للقدس إلا بتصریح، أي تأشیرة قابلة للقبول أو الرفض وغالبا ترفض. حدثتني إیناس أنھا لم تستطع الذھاب للأقصى منذ سبع سنوات. وبعد أن مررت وركبت مركبة للقدس وصلت لأجد كل أبواب القدس مغلقة یمنعون الناس من نصرة الأقصى. صلى الرجال والنساء بالشوارع رغم سخونة الأرض بدلا من مسجدھم الأقصى.

يتبع في حلقة قادمة..

المصدر : الجزيرة