وما القدس إلا قضية من قضايا الإعلام

(الكلمة كالرصاصة يمكن أن تقتل، كما أنها متى خرجت لا يمكن استعادتها ثانيةالإعلام هو السلطة الرابعة، وهو منبر القوي والضعيف، وصوت من لا صوت له، وأداة حرب وسلم في وقت واحد، وهو سلاح نصرة الشعوب، وسلاح هلاكها، أحياناً يعلي الحق وأخرى يكون بوق الظلم والذل، ومن أهمية الإعلام تعددت أنواعه وتنوعت أساليبه.

وما القدس إلا قضية من قضايا الإعلام، يركز عليها تارة ويهملها تارة أخرى، يبرز معاناتها وهول فجيعتها، يصور الذل والمهانة لأبناء شعبها، ينقل صرخات التكبير من على مساجدها، وترانيم أجراس كنائسها، هي حلقة من حلقاته، وبرنامج من برامجه، وخبر عاجل على أوراق صحفه ومواقعه.

القدس قضية جيل قادم وجيل اندثر، قضية حضرت بنكبتها ونكستها واحتلال أرضها وهجرة أهلها ونسيانها أخيرا، قضية نتذكرها في موعد نشرة الأخبار وننساها في نهايتها، نبكي عند مشهد اقتحام الأقصى ونبتسم وكأن شيئا لم يكن، القدس قضية جيل، ودين وشعب وأرض.

القدس والإعلام.. مفردتان على قدر كبير من الأهمية والخطورة، فقد كانت القدس، على مرّ التاريخ، قطب الرحى، ومبعث الحرب والسلام، كيفما تكن حالها تنعكس على حال الدنيا بأسرها. وكذلك الإعلام له من الأهمية والخطورة ما يجعله أهلا لاهتمامنا، وموضوعا لدراستنا وبحثنا، حيث يقال: إن الكلمة كالرصاصة يمكن أن تقتل، كما أنها متى خرجت لا يمكن استعادتها ثانية.

القدس والإعلام.. مفردتان على قدر كبير من الأهمية والخطورة، فقد كانت القدس على مرّ التاريخ قطب الرحى ومبعث الحرب والسلام، كيفما تكن حالها تنعكس على حال الدنيا بأسرها

إن المتابع لوسائل الإعلام الفلسطينية والعربية، المسموعة منها والمرئية والمقروءة، ليلحظ بوضوح غياب القدس وأخبارها وقضاياها بصفتها قضية جوهرية، فنرى الفضائيات العربية والتي تحظى بشهرة واسعة ومشاهدة عالية تتناقل البرامج الغنائية والمسلسلات التركية ومشاهد الفكاهة حتى أصبح مسلسل معين ومجريات أحداثه حديث العائلة وقضية العصر، وبالعودة لقضية القدس نراها تحتل خبرا لا يتعدى دقائق قليلة في أفضل الأحوال لنجد شعبا عربيا لا يعلم عن القدس إلا اسمها.

فلماذا غابت القدس عن الساحة الإعلامية؟ هل كان ذلك بسبب عدم وجود أخبار وأحداث تستحق أن تذكر؟ أم بسبب بعدها الجغرافي واحتجابها بحيث لم يعد أمرها يعنينا كثيراً؟! أم بسبب وجود قضايا أكثر أهمية منها؟! ولا سيما الإقليمية، وقضايا التنمية المستدامة وأسواق المال، والمباريات والمسابقات، كأنهم لا يدركون دور القضية الفلسطينية، والقدس جزء منها، في تشكيل الخريطة الوجودية للمنطقة بأسرها من حيث السياسة والاقتصاد والأمن والاستقرار، وغير ذلك مما يخطر ببالهم أو يعزب عنه!

في القدس تجري كل يوم أحداث مهمة كثيرة، ويكفي ما يتعرض له سكانها من تهجير وهدم لبيوتهم، حيث أصبح الاحتلال يسلم إخطارات بالهدم لأحياء كاملة بدلا من أن يهدم بيتا هنا وآخر هناك. والقدس ليست بعيدة عنا، إلا إذا كان ما قاله إميل حبيبي صحيحاً من أن "القمر أصبح أقرب إلينا من تينتنا القمراء". ولندن أقرب إلينا من القدس. فليس هناك ما هو أهم من العاصمة الدينية والسياسية التي تهوّد صباح مساء دون أن يحرك العرب ساكنا.

إن الجريمة التي ارتكبت بحق فلسطين وشعبها، وبحق المدينة المقدسة لجديرة بأن تظل فعالة تحرك النظام والمواطن على حد سواء، وتستصرخ الأمة صباح مساء حتى يتم تحريرهما، فإذا بدر ما يسترعي الانتباه ويستوجب الاهتمام أعطي حقه، ولكن ليس على حساب القضية.

أسباب غياب القدس في الإعلام العربي:

1- غياب التخطيط الصحيح:
إن تحديد الأهداف خطوة ضرورية في نجاح أي عمل أو مشروع، لذلك يجب وضع أهدف واضحة وخطط ممنهجة ومتسلسلة لوسائل الإعلام العربية، الحكومية منها والخاصة، ويجب كذلك أن تتم متابعة الالتزام بتحقيق هذه الأهداف والخطط والعمل على تطويرها باستمرار. وكي نتمكن من إنجاز ذلك فعلاً، وكي تكون القدس على رأس أولويات الأنشطة والبرامج المختلفة، إخبارية وثقافية وحتى ترفيهية، حيث إن القدس مدينة سياحية عالمية، فإن ذلك يقتضي إنشاء بنك للمعلومات تحشد فيه كل المعارف المتصلة بالقدس، مما يمكن أن نطلق عليه اسم "موسوعة القدس" أو بنك معلومات القدس"، كما نقترح تخصيص جوائز لأبحاث موجهة تدور حول القدس، أو مقاعد وبعثات دراسية للغرض نفسه.

إن تحديد الأهداف خطوة ضرورية في نجاح أي عمل أو مشروع، لذلك يجب وضع أهدف واضحة وخطط ممنهجة ومتسلسلة لوسائل الإعلام العربية، الحكومية منها والخاصة

2- الاهتمام بتبعات الأمور:
أصبح العالم العربي بشعوبه وحكوماته يهتم بآثار العدوان الإسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة، وتم نسيان أو تناسي القضية الجوهرية واحتلال الأرض الفلسطينية وتهويد القدس الشريف، حيث أصبح الشغل الشاغل للأنظمة العربية وشعوبها إرسال القوافل الغذائية والمساعدات الإنسانية وجمع التبرعات لإعادة إعمار المدن والقرى، دون الالتفات لوضع هدف بتحرير الأرض وإعادة اللاجئين إلى بيوتهم ومنازلهم، ومن هذه السياسة المتبعة أصبح الإعلام العربي من مسموع ومرئي ومكتوب بوقاً لنقل ونشر أخبار المساعدات والقوافل بأخبار سريعة لا تتعدى دقائق معدودة.

3- تأثير الآلة الإعلامية المعادية:
إن المتابع للنشاط الصهيوني التهويدي في القدس، يلاحظ أنه قبل الإقدام على أي عمل كبير، مثل هدم حي سكني، يعمد العدو إلى القيام بفعل ما، كعملية اقتحام لإحدى المدن مثلا، ليشغل العالم -المشغول أصلا- عن الجريمة التي يقوم بها. وهذا يستدعي أن يكون لمؤسساتنا الإعلامية عيون خلف رأسها أيضا، لترى ما يجري أمامها وخلفها كذلك، وتعطي كل حدث حقه من التغطية دون أن يطغى أحدها على الآخر.

4- الانقسام الفلسطيني والتعصب الحزبي:
للانقسام الداخلي الفلسطيني، والتعصب الحزبي الذي يعصف مؤخراً بالشعب الفلسطيني، وما يرافقه من مؤتمرات ونقاشات وخلافات، وما لها من أثر في كل تفصيل في حياة الفلسطيني، ليصبح الانقسام وأخباره، وتصريحات قادة حزب هذا وحزب ذاك، وجبات دسمة لوسائل الإعلام، تأخذ من حيزها على حساب القضية وأصحاب القضية، وبالتالي تأخذ أخبار الأحزاب من حصة القدس وتهويدها، وهو ما يخدم بالنهاية دولة الاحتلال حيث قدمنا للعالم ما يلهيهم ويبعدهم عن القدس وما يجري فيها من تهويد وتهجير واحتلال.

القدس بين ثنايا المصطلحات الإعلامية:
هناك العديد من المصطلحات والعبارات التي يتم استخدامها في إعلامنا المحلي والعربي، وانعكس على الإعلام العالمي أيضا، مما كان له أثر سلبي على القضية الفلسطينية وقضية القدس، ومنها:

1- القدس الغربية والقدس الشرقية:
عمل الإعلام المحلي والعربي بقصد أو دون قصد على ترسيخ الأداء اليهودي بأحقيتهم في القدس، وذلك من خلال الانجرار إلى الترجمة الحرفية للإعلام الإسرائيلي، فترى نشرات الأخبار والمقالات والتقارير تعج بالعديد من المصطلحات الخاطئة، كالقدس الشرقية والقدس الغربية وأراضي عرب إسرائيل. فالموافقة على تقسيم القدس إلى شطرين شرقي وغربي، إقرار ولو بطريقة غير مباشرة بأن لليهود حقا في مدينة القدس مثلهم مثل العرب الفلسطينيين أصحاب الأرض على حد سواء، وعند استخدام مصطلح "عرب إسرائيل" نقر أيضاً بأن العرب أقلية في دولة يهودية.. وهو ما يعتبر خطأ قاتلا يجب على إعلامنا العربي مراعاته وتصحيحه.

2- فصل القدس عن الضفة الغربية إعلاميا:

من المحاولات الصهيونية لترسيخ وضع خاص بالقدس يختلف عن باقي الأراضي التي احتلت معها عام 67، ذلك الأسلوب في الحديث عنها، والذي يقوم على الفصل بين القدس والضفة

من المحاولات الصهيونية لترسيخ وضع خاص بالقدس يختلف عن باقي الأراضي التي احتلت معها عام 67، ذلك الأسلوب في الحديث عنها، والذي يقوم على الفصل بين القدس والضفة، علما بأن القدس جزء لا يتجزأ من الضفة، أو الفصل بين القدس والأراضي المحتلة عام 67، رغم أن القدس احتلت معها في العام ذاته. وهذه المصطلحات تنطوي على تضليل إعلامي ومعرفي خطير. فالضفة لغوياً وجغرافياً تنطوي على القدس، وفصل القدس عنها يصب في فكرة تدويل القدس وفقا لبعض قرارات الأمم المتحدة، أو توطئة لتقسيمها وفقاً لرؤية المحتل.

3- تهويد حارات القدس وأحيائها ومعالمها:
يتم استخدام مصطلح "حي اليهود"، والصحيح "حي أو حارة الشرف وحي المغاربة"، حيث كان أول عمل قام به اليهود بعد احتلالهم بقية مدينة القدس سنة 1387هـ (1967 م) هو الاستيلاء على حائط البراق، ودمروا حارة المغاربة، وتم تسويتها بالأرض بعد أربعة أيام من احتلال القدس، وبذلك دفنت جرافات اليهود تاريخ حارة وقفية إسلامية. وحارة الشرف حي كان يقطنه المسلمون في البلدة القديمة في مدينة القدس، ويقع بجوار حارة المغاربة حيث قام اليهود بطرد أهلها عند احتلالها سنة 1967 م، وأسكنوا فيها اليهود، وأدخلوها ضمن ما أسموها حارتهم، حارة اليهود!!

وأيضا استخدام مصطلح "حائط المبكى" والصحيح "حائط البراق"، وهو الحائط الذي يقع في الجزء الغربي من جدار المسجد الأقصى المبارك، ويُطْلِقُ عليه اليهود اسم "حائط المبكى" حيث زعموا أنه الجزء المتبقي من الهيكل المزعوم. والثابت شرعا وقانونا أن "حائط البراق" جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك.. وهناك الكثير من مصطلحات التهويد التي أدخلها كيان الاحتلال إلى مدينة القدس العربية لتهويدها واحتلالها.

وبالرجوع إلى دراسة حول التغطية الإعلامية الإلكترونية (الإنترنت) لمدينة القدس المحتلة، بعنوان "حضور مدينة القدس في الإعلام على شبكة الإنترنت" من إعداد الباحث محمد خليل الرفاعي، تبين أن عاصمة المملكة العربية السعودية الرياض تأتي في المرتبة الأولى بنسبة 14.53%، تليها الكويت بنسبة 13.82%، ثم عمان بنسبة 9.35%، ثم الجزائر بنسبة 8.48%، ثم القاهرة بنسبة 8.13%، ثم القدس بنسبة 7,26%، من مجموع الحضور الإعلامي لمجمل العواصم العربية، ثم تتالى العواصم العربية الأخرى. وتبين نتائج البحث باللغة الإنجليزية باستخدام محرك البحث نفسه أن العواصم العربية تترتب على النحو الآتي: تحتل الكويت المرتبة الأولى بنسبة 20.13%، ثم تونس بنسبة 17.87%، تليها الجزائر بنسبة 16.87%، ثم القدس بنسبة 9.62%، من مجموع الحضور الإعلامي لمجمل العواصم العربية.

وتترتب العواصم العربية فيما يخصُّ مجموع نتائج البحث باللغتين العربية والإنجليزية على النحو الآتي: تحتل الكويت المرتبة الأولى بنسبة 19.54%، تليها تونس بنسبة 16.77%، تليها الجزائر بنسبة 16.08%، ثم القدس بنسبة 9.40% من مجموع الحضور الإعلامي لمجمل العواصم العربية.

فمما سبق نجد أن القدس تحتل المرتبة السادسة في نتائج البحث باللغة العربية، والمرتبة الرابعة في نتائج البحث باللغة الإنجليزية، والمرتبة الرابعة في مجموع نتائج البحث باللغتين العربية والإنجليزية، من مجموع الحضور الإعلامي لمجمل العواصم العربية، وبالنظر إلى العواصم التي تتقدم على القدس ولاسيما باللغة الإنجليزية ومجموع نتائج البحث باللغتين نجد الكويت وتونس والجزائر، وهي عواصم تحمل أسماء دولها، وباستبعاد هذه العواصم نجد القدس تحتل المرتبة الرابعة بعد الرياض وعمان والقاهرة في نتائج البحث باللغة العربية، والمرتبة الأولى في نتائج البحث باللغة الإنجليزية، ومجموع نتائج البحث باللغتين العربية والإنجليزية.

القدس تحتل المرتبة السادسة في نتائج البحث باللغة العربية، والمرتبة الرابعة في نتائج البحث باللغة الإنجليزية، والمرتبة الرابعة في مجموع نتائج البحث باللغتين العربية والإنجليزية

وفي النظر للنتائج السابقة تتبادر للذهن الأسئلة التالية: أليست القدس العاصمة العربية المحتلة؟ أليست مهد الديانات السماوية الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية؟ أليست المدينة العربية الوحيدة التي تتعرض كل يوم للهدم والتهجير والتهويد؟ أليست المدينة العربية الوحيدة التي يهجر سكانها كل يوم ويوطن مكانهم يهود متطرفون من شتى بقاع العالم؟ القدس هي مسرى محمد عليه السلام وقيامة عيسى عليه السلام.

وبعد جملة هذه التساؤلات والحقائق نرى القدس بعد غيرها من الدول في الحضور الإعلامي على أبرز وسيلة إعلامية ألا وهي "الإنترنت" على الرغم من أهمية ما يجري فيها. ومن هنا نحاول إيجاد جواب لهذه التساؤلات بالنقاط التالية:

1- تبعية الإعلام العربي للإعلام الغربي.

2- تبعية الإعلام الغربي للسياسة الإسرائيلية التي تعمل على تهميش قضية القدس في سباق للزمن لتحقيق أهدافها على أرض الواقع.

3- عدم وضع القدس بوصفها قضية رئيسية وأولوية بالنسبة للنظم العربية والإسلامية والمؤسسات الإعلامية.

4- عدم إدراك المؤسسات الإعلامية المحلية والعربية لدور الإعلام في القضية الفلسطينية بشكل عام وقضية القدس بشكل خاص.

توصيات
من أجل إبراز قضية القدس بشكل صحيح في الإعلام العربي نوصي بـ
:

1- توحيد المصطلحات الإعلامية وتعميمها، حيث يتم استخدام المصطلحات الصحيحة في أماكنها الصحيحة.

2- الاعتماد على متخصصين في صياغة المصطلحات أو ترجمتها.

3- السعي نحو إنتاج الأخبار وتصديرها بدل الاقتصار على استيرادها.

4- تخصيص زاوية يومية للحديث عن القدس وأخبارها.

5- وضع خطة إعلامية متحركة تتابع المستجدات على ساحة المدينة المقدسة.

6- رصد دعم مالي كبير للتعريف بقضية القدس وما يجري فيها من تهويد من خلال إنتاج الأفلام الوثائقية والتقارير المصورة والقصص الإنسانية.

7- اعتماد منهج دراسي حول القدس يدرس في البلاد العربية لخلق جيل واع بقضيته.

8- جعل القدس قضية أساسية جوهرية للعالم العربي والإسلامي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

هذا البعض وذاك البعض الآخر من حملة الأقلام المدحورة أو المأجورة لا ينتمون في معظمهم لهذا الفصيل أو ذاك، وإنما هم في حقيقتهم صيادون في مياه الفرقة والانقسام.

في فلسطين الوجع اليومي رصاص لكل الأجساد! وقنابل وصواريخ تلقي قذائفها لتقتل الجرأة في أعين الصغار، لتحرق عود الذاكرة، وتقتلع من أيدي الأمهات القمح العنيد، وتروّض الكبرياء في أعين الرجال!

ما لكم أيّها العرب كلما أشعلت قناديل دمي في ذاكرتكم الضعيفة للغاية أطفأتموها بآهاتكم ونفخات تحسركم المثقلة بثاني أوكسيد الغفلة أو التغافل وخلدتم إلى نوم جديد؟!

المزيد من إعلام ونشر
الأكثر قراءة