الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية

عرض/ محمود الفطافطة

يكشف كتاب "الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية 2015-2016" عن حجم تعقيد الممارسات الاستيطانية لحياة الشعب الفلسطيني، وكيف حوّلت التجمعات السكانية الفلسطينية إلى سجونٍ كبيرة، فضلا عن تقييدها لحركة الفلسطينيين. كما يبين أن حجم الممارسات الاستيطانية يكشف تأثيرات الاستيطان السلبية على الاقتصاد والتنمية الفلسطينية، وعلى مصادر المياه وزراعة الأراضي، وعلى تجزئة الجغرافيا الفلسطينية ومدى تأثيرها على المجتمع الفلسطيني.

ويوضح الكتاب أن البناء الاستيطاني في الضفة الغربية يُشكل أكبر تهديد لمشروع الدولة الفلسطينية وفقا لقرارات الشرعية الدولية ومبادئ الأمم المتحدة، علاوة على أن الاستمرار الإسرائيلي في إقامة مشاريع اقتصادية على أراضي الضفة يُعتبر من أكبر المحرمات وفقا للقانون الدولي الذي يجرم استغلال ثروات الأقاليم المحتلة.


الكتاب: الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية 2015-2016
تأليف: عبد اللطيف سدة وآخرون
الناشر: مركز رؤية للتنمية السياسية، إسطنبول
الطبعة: الأولى 2017
الصفحات: 170 صفحة

قواعد السيطرة والتفريغ
يشير الكتاب إلى أن الاستيطان في الضفة امتداد لمشروع صهيوني قديم يقوم على أسس دينية وأمنية وعسكرية واقتصادية ذات أبعاد عنصرية متطرفة في جوهرها، ويسعى لترسيخ سياسة الأمر الواقع عبر إيجاد تجمعات سكانية يهودية كثيرة العدد ومترامية الأطراف في جميع أنحاء الضفة.

ويذكر أن الاحتلال يسعى لكسر حاجز التفوق الديمغرافي الفلسطيني الحالي في الضفة لصالح المستوطنين اليهود، فبات يُقدم لهم شتى أصناف التسهيلات والامتيازات الاقتصادية لتشجيعهم على الانتقال إلى السكن في تلك المستوطنات، حيث تسعى الصهيونية لتغيير واقع الصراع من استعمار عسكري إحلالي منذ العام 1948 إلى نزاع بين شعبين يختلفان على العيش على أرض الضفة.

يشتمل الكتاب على مقدمة، وفصل تمهيدي، وعناوين تتضمن معطيات حول الاستيطان في كل محافظة، فضلا عن الاستنتاجات والتوصيات وقائمة المراجع.

في المقدمة، يرى الكتاب أن الاحتلال يستخدم المستوطنات تحت حجج دينية أحيانا، ومبررات أمنية أحيانا أخرى، كما يستغلها لسرقة المياه، وإقامة المشاريع الاقتصادية والصناعات الضخمة، علاوة على أنه يسخر بعض هذه المستوطنات كقواعد عسكرية للجيش ومراكز اعتقال للفلسطينيين. كل ذلك يجعل من المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة إستراتيجية دائمة، لا مجرد سياسة عابرة.

ويؤكد المؤلفون أن الضفة الغربية تتعرض لعملية سيطرة ممنهجة من قبل الاحتلال، تتمثل في مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات والبؤر الاستيطانية، والطرق الالتفافية والقواعد العسكرية، وحواجز التفتيش والمحميات الطبيعية، وجدار الفصل العنصري، التي تُرسخ جميعُها على الأرض الفلسطينية واقعا خطيرا على صعيد الإنسان والأرض.

منطلقات وتوجهات
الفصل التمهيدي ذكر أن مفهوم الاستيطان الإسرائيلي يستند إلى منطلقات فكرية صهيونية تقوم على رؤيتين أساسيتين، أولاهما: السيطرة على الأرض؛ باستخدام القوة بكافة أشكالها، وطرد السكان الأصليين من فلسطين لتحقيق هذه الغاية. والثانية: الاستيلاء على الأرض الفلسطينية بذرائع دينية وتاريخية؛ لتطبيق المشروع الصهيوني الذي يسعى لاقتلاع الشعب الفلسطيني من مدنه وقراه، وإقامة المستعمرات الصهيونية مكانها.

الاحتلال يستخدم المستوطنات تحت حجج دينية أحيانا، ومبررات أمنية أحيانا أخرى، كما يستغلها لسرقة المياه، وإقامة المشاريع الاقتصادية والصناعات الضخمة

ويتطرق الكتاب إلى مواقف الأحزاب الإسرائيلية إزاء الاستيطان، إذ يوضح أن الأحزاب الإسرائيلية الرئيسية -من خلال حزبي العمل والليكود اللذين شكلا قوة حزبية وسياسية مهيمنة في الحياة السياسية والمشهد البرلماني فترة طويلة- توافقت على مشروع الاستيطان بثلاثة توجهات، أولها: يرى أن مستقبل الأراضي الفلسطينية يتحدد في إطار تسوية جغرافية إقليمية تستند إلى اقتسام الأراضي، مع إبقاء الوجود العسكري والبشري الإسرائيلي في مناطق الاستيطان الإستراتيجية.

ويقوم التوجه الثاني على فكرة التقاسم الوظيفي مع الفلسطينيين دون التفريط في الأرض، والإبقاء على الوجود الإسرائيلي الدائم في الأراضي الفلسطينية، بحيث كان للجيش رؤية خاصة مثّلها موشيه ديان عبر إطلاق لاءاته الخمس وهي: غزة لن تكون مصرية، والجولان لن يكون سوريا، والقدس لن تكون عربية، ولن تقوم دولة فلسطينية، ولن "نهجر المستوطنات التي أقمناها".

أما التوجه الأخير فيتمثل في التوجه الأيدولوجي الذي يُعبر عن فكر "أرض إسرائيل الكاملة" القائم على ضم جميع المناطق المحتلة لإسرائيل والاستيطان فيها كإستراتيجية سياسية ثابتة. ويوضح الكتاب أن الحكومات الإسرائيلية اتبعت عدة أساليب لتحقيق مشروعها الاستيطاني في مناطق الضفة، منها: تطويق المدن الفلسطينية بتجمعات استيطانية كما هو الأمر حول نابلس ورام الله والخليل وبيت لحم وقلقيلية، واستعمال طرق التفافية للوصول إلى المستوطنات دون المرور بقرى فلسطينية، وتقطيع الضفة عرضيا بطرق تمتد من داخل الخط الأخضر وصولا إلى المستوطنات، وإنشاء سلسلة مستعمرات على امتداد الأغوار الغربية لنهر الأردن، وإقامة مستعمرات التلال الغربية من القدس وحتى جنين شمالا، وفقا لمشروع شارون.

القدس.. الضحية الأكبر
ينتقل الكتاب بعد ذلك للحديث عن الاستيطان في المحافظات الفلسطينية منطلقاً من القدس، إذ يبين أن ما يُميز الاستيطان في محافظة القدس عن غيرها من محافظات الضفة، هو استهداف الاحتلال للمحافظة بالسيطرة والالتهام الكامل، وذلك على اعتبار أنها تمثل "عاصمة" كيانه الاستيطاني. ويشير إلى أنه بعدما كان المقدسيون يملكون غالبية الأراضي عام 1967، أصبحوا بعد عمليات المصادرة، وبعد إقامة المشاريع الاستيطانية، وفتح الطرق، والبناء ضمن الأحياء العربية، لا يملكون إلا 14% من الأراضي في القدس الشرقية.

ولا ينفي الإسرائيليون -وفق الكتاب- أهدافهم من توسيع حدود البلدية ولا يخفون خططهم السياسية المتعلقة بالقدس، التي تسعى لتحقيق جملة من الأهداف الإستراتيجية أهمها: تعزيز مكانة القدس "عاصمة لدولة إسرائيل" وكمدينة عالمية لأسباب سياسية ودينية وقومية وثقافية، وصبغها بالطابع اليهودي عبر تعزيز الوجود البشري اليهودي، وخلق تواصل مريح للسكان اليهود، ومنع تكوّن جيوب سكانية متداخلة، وتقليص التقارب والاحتكاك مع العرب.

الخليل تلقى اهتماما خاصا من قبل حكومات الاحتلال ومستوطنيه، ولذلك حرص الاحتلال على إبقاء سيطرته على المدينة وتعزيزها بالاستيطان

ويرى الكتاب أن سياسة الاحتلال الاستيطانية في القدس تقوم على أساس تهجير سكانها الأصليين من العرب وإحلال المجموعات الاستيطانية اليهودية تدريجيا وباستخدام كل الوسائل الممكنة، وهي سياسة لم تتوقف يوما، بل إنها تتصاعد مستغلة الظروف الإقليمية المحيطة، وضعف الطرف الفلسطيني الرسمي وانعدام خياراته.

لعبة الدين وخدعة التفكيك
وبخصوص محافظة الخليل، يوضح الكتاب أنه لأسباب تاريخية ودينية، تلقى الخليل اهتماما خاصا من قبل حكومات الاحتلال ومستوطنيه، ولذلك حرص الاحتلال على إبقاء سيطرته على المدينة وتعزيزها بالاستيطان طوال الوقت. ويشير إلى أنه فضلا عن التوسع الاستيطاني "الطبيعي" الذي لا ينقطع أبدا في مستوطنات المنطقة، بنى الاحتلال عبر جمعياته الاستيطانية عشرات البؤر الاستيطانية، بعضها يتفرع من المستوطنة الأم، وعلى بعد أميال منها، ويتم توفير غطاء أمني ولوجستي لوجودها واستمرارها.

أما بشأن الاستيطان في محافظة بيت لحم، فإن إسرائيل بعد احتلالها عام 1967 باشرت الاستيطان في المنطقة، فكانت مستوطنة "غوش عتصيون" من أولى المستوطنات التي غُرست في الأراضي الفلسطينية ضمن سياسة وإستراتيجية مبرمجة من أجل خدمة الأهداف الاستيطانية، ومن ضمنها مشروع ما يُسمى "القدس الكبرى". وساهم الجدار الفاصل الذي يبنيه الاحتلال حول المحافظة في عزل بيت لحم عن سائر محافظات الوطن، وعلى وجه التحديد عن مدينة القدس القريبة، مما أدى إلى تقويض الدعائم الاقتصادية للمحافظة، التي كانت تعتمد بشكلٍ رئيسي على السياحة الدينية، الأمر الذي أدى إلى تفشي البطالة بشكل مرتفع وصل إلى نحو 65% بين أبناء المحافظة.

وفيما يتعلق بمحافظة رام الله والبيرة، فإن المستوطنات القائمة على أراضيها تُعتبر من أكبر المستوطنات وأوسعها انتشارا في الضفة باستثناء القدس، حيث يهدف الاستيطان في هذه المحافظة إلى إحداث ربط استيطاني بين القدس ورام الله.

أما محافظة نابلس فإن المستوطنات التي تقوم على أراضيها تتوزع على شكل محاور لتحقيق أهداف أمنية إستراتيجية، كما أن هناك الكثير من البؤر الاستيطانية التي تصبح مع مرور الوقت نواة لمستوطنات جديدة. ورغم إعلان الحكومات الإسرائيلية مرارا التزامها بإخلاء هذه البؤر، فإن ذلك يظل في الغالب حبرا على ورق.

وفيما يتعلق بمحافظة جنين، فإنها تختلف عن سائر محافظات الضفة بأن شهدت تفكيك عدد من المستوطنات والمعسكرات المُقامة على أراضيها من طرف الاحتلال، ربما لأسباب أمنية أساسا، وذلك ضمن خطة الانفصال من جانب واحد، التي قامت بها الحكومة الإسرائيلية عام 2005. وبنى الاحتلال مستوطنات عديدة ووزعها بشكل يحاصر مدينة جنين والتجمعات السكانية ويحرمها من التواصل الجغرافي والسكاني.

محافظة طوباس تتعرض إلى هجمة استيطانية واسعة ودائمة، إذ تهدف المستوطنات فيها إلى تحقيق السيطرة الفعلية على هذه المنطقة الإستراتيجية المحاذية لنهر الأردن، وعلى السفوح الشرقية للضفة

المدينة التي لا ترى الشمس
وبالتطرق إلى قلقيلية، فإن المدينة تُعتبر من أكثر مناطق الضفة الغربية محاصرة بالاستيطان، ويرجح الكتاب أن ذلك يعود إلى قربها الشديد من قلب الكيان العبري ومراكزه الأساسية. ويرى المتابع بوضوح توسعا استيطانيا مستمرا عبر توسيع المستوطنات القائمة، وإنشاء بؤر استيطانية جديدة كأحياء تابعة لها.

كما تحولت مدينة قلقيلية بفعل الجدار إلى سجن كبير يعزلها عن العالم، فقد أغلقها الجدار من جهاتها الأربع، ولم يبق لها إلا مدخل واحد فقط، نصب الاحتلال عنده نقطة تفتيش عسكرية يُغلقها في أي وقت يريد.

كذلك، فإن محافظة طوباس تتعرض إلى هجمة استيطانية واسعة ودائمة، إذ تهدف المستوطنات التي أقامها الاحتلال في المحافظة إلى تحقيق السيطرة الفعلية على هذه المنطقة الإستراتيجية المحاذية لنهر الأردن، وعلى السفوح الشرقية للضفة، بالإضافة إلى أهميتها الكبيرة نظرا لخصوبة أراضيها الزراعية، والمخزون المائي الذي تحتويه.

أما محافظة سلفيت فتعتبر ثاني أكثر محافظات الضفة استهدافا -بعد القدس- ضمن مشروع الاستيطان الصهيوني، لما لهذه المحافظة من سمات ومميزات طبيعية وجغرافية، فهي خاصرة الضفة، ورأس أمني يطل على منطقة الغور الأوسط على نهر الأردن، كما أنها بحكم موقعها تربض في قلب المنطقة الحيوية لكيان الاحتلال، وتقع فوق خزان المياه الجوفي الغربي.. كل هذه الأمور جعلتها على رأس قائمة الهجمات الاستيطانية، وباتت سياسة الاحتلال المتبعة تتلخص في ضم التكتلات الاستيطانية الكبرى الموجودة في المحافظة، وحشر المواطنين في أقل مساحة ممكنة من أراضيهم.

ويبقى الحديث عن محافظة أريحا والأغوار، إذ يبين الكتاب أن الحركة الصهيونية استشعرت أهمية هذه المنطقة منذ بداية وجودها في فلسطين، فقد كانت منطقة الأغوار من أولى المناطق التي وُجه الاستيطان إليها، حيث تستغل إسرائيل من مياه الأغوار نحو 600 مليون متر مكعب. وترى الدراسة أن هذه المنطقة تمثل واحدة من أكثر مناطق الضفة استهدافا بالاستيطان نظرا للأهمية الأمنية والسياسية الإستراتيجية التي تتمتع بها في نظر الاحتلال، وكذلك بسبب أهميتها الاقتصادية والمائية.

الحديث عن المواثيق والأعراف الدولية الرافضة للاستيطان لم يعد مجديا في ظل تعنت الاحتلال ومضيه في مشاريع الاستيطان ومصادرة الأراضي

وما يميز المستوطنات في هذه المنطقة أنها تتخذ طابعا زراعيا عسكريا، وهي تزود دولة الاحتلال بجزء كبير من احتياجاته من الخضار والفواكه، وتخدم أهدافه الأمنية والسياسية بجعل منطقة نهر الأردن حدا طبيعيا شرقيا لدولة الاحتلال.

ما المطلوب؟
في الاستنتاجات، يشير الكتاب إلى أن الحديث عن المواثيق والأعراف الدولية الرافضة للاستيطان لم يعد مجديا في ظل تعنت الاحتلال ومضيه في مشاريع الاستيطان ومصادرة الأراضي، وفي ظل عجز المجتمع الدولي. كما يوضح أن الاستيطان تضاعف بشكل ملفت، وأثبت أن المفاوضات كانت عبثية، وأن عملية السلام لم تكن أكثر من وهم أضاع الأرض.

ويخرج الكتاب بجملة توصيات، منها: إبقاء فعاليات رفض الاستيطان حية في الوعي الفلسطيني، واستمرار تحريك الشارع الفلسطيني ومقاومته للاستيطان بالأشكال المختلفة، على أن يكون ذلك مسنودا من القيادة الفلسطينية بكل أشكال الدعم السياسي والمعنوي والمادي، علاوة على ضرورة إثارة موضوع الاستيطان في المحاكم الدولية -وخاصة المحكمة الجنائية الدولية- باعتباره جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

هذا البعض وذاك البعض الآخر من حملة الأقلام المدحورة أو المأجورة لا ينتمون في معظمهم لهذا الفصيل أو ذاك، وإنما هم في حقيقتهم صيادون في مياه الفرقة والانقسام.

تؤكد مضامين هذا الكتاب ما جاء في تقرير منظمة الإسكوا الذي يتهم إسرائيل بتأسيس نظام فصل عنصري ضد الفلسطينيين وتقسيمهم إلى أربع فئات تخضع كل منها لترتيبات قانونية مختلفة.

يتتبّع كتاب "على درب الآلام.. المسيحيون والمقدسات المسيحية في القدس" تاريخ الوجود المسيحي بالقدس وحاضره، ويسلّط الضوء على القدس ومكانتها لدى المسيحيين الذين ينظرون إليها باعتبارها المركز المسيحي الأوّل عالميا.

عبر ثلاثة أجزاء تحوي عشرة فصول وخاتمة عن دولة إسرائيل الاستيطانية الاستعمارية في القرن الواحد والعشرين؛ يقدم المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابي في كتابه "عشر خرافات حول إسرائيل" دحضا لتلك الأساطير.

المزيد من إعلام ونشر
الأكثر قراءة