الرواية الإسرائيلية: هكذا هُدمت حارة المغاربة

بمناسبة الذكرى الخمسين للنكسة، نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية تقريرين الأسبوع الماضي عن هدم حارة المغاربة في العاشر من يونيو/حزيران 1967، وتم على أثرها تشريد أكثر من 650 فلسطينيا يعيشون فيها.
 
وحارة المغاربة هي حارة ملاصقة لحائط البراق، أي على الجهة الغربية من المسجد الأقصى، سكنها المجاهدون المغاربة الذين جاؤوا مع جيش صلاح الدين الأيوبي لتحرير القدس من الصليبيين في القرن الثاني عشر الميلادي، وقد أوقفها الملك الأفضل الأيوبي، شقيق صلاح الدين، لخدمة المغاربة الوافدين إلى القدس من علماء ومجاهدين وغيرهم.
 
وفي أحد هذين التقريرين، يصف مراسل الجريدة نير حسون الإسرائيليين المشاركين في الهدم بأنهم "فرسان"، فيكتب تحت عنوان "ظهور فرسان تنظيم حائط المبكى إلى النور" عن ذكرياتهم وحماستهم و"مشاعرهم الجياشة" أثناء قيامهم بعملية الهدم الأولى في تاريخ القدس بعد احتلالها في النكسة.
 
ومن بين هؤلاء المقاولين لم يبق على قيد الحياة سوى اثنين، حيث يقتبس التقرير من أحدهما واسمه يوسف شفارتس، وهو يصف مشاعره في تسوية بيوت الفلسطينيين لصالح ساحة واسعة لصلاة اليهود أمام حائط البراق، إذ يقول "كنت سعيدا حدّ السماء، كان لذلك متعة".
 
كما يقتبس التقرير عن ابنة مقاول آخر اسمه يوسف تسيفن شارك في معاول الهدم، وهي تقول "لم أشعر أنه كانت هناك حياة في تلك البيوت، لقد كان الانطباع أننا نهدم أكواخا فارغة ومكدسة".
 
التنصل من المسؤولية
ويتبين من التقرير أن من قام بتنفيذ عمليات الهدم في حارة المغاربة 15 مقاولا إسرائيليا يتبعون منظمة المقاولين والبنائين الإسرائيلية في القدس، وكان رئيس بلدية الاحتلال آنذاك تيدي كوليك قد استدعاهم إلى بيته وطلب منهم الإشراف على عملية الهدم بأسرع وقت ممكن.
 
وبحسب التقرير الثاني الذي نشر يوم الجمعة 26 مايو/أيار الماضي، يبدو أن إحالة المهمة إلى نقابة المقاولين بدلا من بلدية الاحتلال أو جيش الاحتلال كانت محاولة لامتصاص أي ردّة فعل دولية قد تستنكر هذا الهدم.
 
ويقول كاتب التقرير عوزي بينزمان "تم تسليم مهمة الهدم لمنظمة المقاولين والبنائين من أجل إبعاد أي دليل قدر الإمكان على تورط سلطات رسمية في عملية الهدم".
 
ويشير التقريران إلى غياب أي ورقة رسمية أرشيفية تحيل إلى صاحب القرار الإسرائيلي الرسمي لهدم حارة المغاربة، في محاولة للتنصل من المسؤولية عن ذلك، باستثناء الورقة التي رسم عليها كوليك حدود المنطقة التي أمر المقاولين بهدمها.
 
ساحة البراق بنيت على أنقاض حارة المغاربة (الجزيرة)
تنفيذ الهدم
ليلة السبت العاشر من يونيو/حزيران 1967، عند الساعة الحادية عشرة مساء بدأ الهدم، وفجر الأحد الساعة الثالثة انتهى، أي خلال أربع ساعات فقط كانت حارة المغاربة قد سويت بالأرض.
 
أجبرت سلطات الاحتلال حينها سكان الحي على إخلائه، وقامت بالمباشرة بهدم بعض البيوت، في وقت رفض بعض السكان إخلاء بيوتهم، حتى تم إخلاؤهم بالقوة، وقد استشهدت الحاجة رسمية تحت أنقاض بيتها بعد أن رفضت تركه.
 
كانت سلطات الاحتلال تسارع الزمن من أجل تسوية بيوت حارة المغاربة بالأرض وتحويلها إلى ساحة صلاة لليهود، ويقول التقريران إن عيد نزول التوراة، الذي كان موعده في الرابع عشر من يونيو/حزيران الجاري أي بعد أربعة أيام، دافع إضافي للإسراع في عمليات الهدم من أجل استقبال أعداد أكبر من المحتفلين بالاحتلال وبالعيد سويا.
 
في اليوم التالي للهدم وصل إلى حائط البراق الضابط عوزي نركيس، الذي كان قائد منطقة الوسط في جيش الاحتلال الإسرائيلي حينها، وأمر بالإسراع في إزالة الركام وتحضير الساحة التي بنيت على أنقاض البيوت.
 
ساحة البراق تقع بمحاذاة السور الغربي للمسجد الأقصى (الجزيرة)
لا ردود
فيما بعد، مرّ على المكان أحد ضباطه في سلاح الهندسة، وعندما شعر بغياب أي ردود أفعال سلبية على الهدم، أمر بإكمال هدم بعض البيوت التي لم يشملها الهدم الليلة السابقة.
 
هكذا نشأت ما تسمى اليوم "ساحة البراق" على أنقاض 135 بيتا من بيوت الفلسطينيين المغاربة، التي عاشوا فيها هم وأجدادهم لمئات السنوات.
 
وفي نفس الليلة التي شردّ فيها أهالي حارة المغاربة، وبعد الانتهاء من جريمة الهدم تلك، أسس المقاولون المشاركون في الهدم تنظيمياً يجمعهم ويخلد عمليتهم أسموه "أخوة المبكى".
 
وقد استمروا بتنظيم اللقاءات فيما بينهم إلى أن مات أغلبهم، وقد قلدوا في العام 1987 في احتفال خاصّ بهم في الكنيست أوسمة "درع المبكى".
المصدر : الجزيرة