علم الآثار وتزوير جغرافية فلسطين (1 من 2)

قد تكون القراءة النقدية التي أقدّمها اليوم لنقوش سرجون الثاني (724-705 ق.م) ، موضوعا لسجال من طبيعة استثنائية وإشكالية غير مسبوقة.

مع ذلك -وبقطع النظر عن كل خلاف- فإنها تبرهن على إمكانية (التفكير من خارج الصندوق) بالفعل، لأنها قراءة جديدة وراديكالية وتقوم بوظيفة محددّة؛ نقد الفهم اللاهوتي للسجلات التاريخية البابلية والآشورية.

إن الغرض الذي ينشده ويتطلع إليه هذا النقد على وجه الدقة والضبط هو التأسيس لتيار تصحيحي جديد يحرّر التاريخ الفلسطيني وتاريخ المنطقة بطبيعة الحال من النتائج المروعة التي أسفر عنها تزوير وتزييف التوراتيين لهذا التاريخ.

تصورات خاطئة
لقد أعطى اللاهوتيون تصورات خاطئة عن مسرح الأحداث التي سجلها الآشوريون، وتلاعبوا بمنطوق الرواية التي تسردها نقوش الحملات الحربية، وذلك بمطابقة الرواية التوراتية مع النقوش بطريقة تعسفية، فزعموا أنها تتحدث عن أرض فلسطين، وأنها كانت من ميادين المعارك التي خاضها ملوك آشور (وبابل من قبل)
.

إن الغرض الذي ينشده ويتطلع إليه هذا النقد هو التأسيس لتيار تصحيحي جديد يحرر التاريخ الفلسطيني وتاريخ المنطقة بطبيعة الحال من النتائج المروعة التي أسفر عنها تزوير وتزييف التوراتيين لهذا التاريخ

إن مسوغات هذا النقد تحظى بدعم غير محدود من الحقائق ذاتها التي تلاعب بها اللاهوتيون، ومن أهم هذه الحقائق أن اسم فلسطين لا وجود له في هذه النقوش، كما أن المعارك لا يمكن أن تجري في وقت واحد، داخل رقعتين جغرافيتين، إحداهما في أقصى الشمال الغربي، وأخرى في أقصى الجنوب الغربي، مثلا: كيف يمكن تخيّل أن سرجون الثاني قام بتهجير الإسرائيليين من أرض حمير، وأن هذه الواقعة حدثت في فلسطين؟

لقد أصبحت الوقائع التاريخية، خيالية وغير قابلة للتصديق، مع إنشاء جغرافية نظرية، تخيّلها علماء الآثار مسرحا حربيا، دارت فيه الأحداث وامتدت من أرمينيا حتى إثيوبيا واليمن فمصر فبلاد الشام. وكان أمرا مثيرا للحيرة، أن اللاهوتيين وضعوا جزءا من الوقائع الحربية ضمن التاريخ الأرميني (أرمينيا) والفلسطيني والسوري والمصري في آن واحد.

والمؤسف حقا، أن آلاف الطلاب والدارسين العرب في الجامعات العربية والأوروبية، ومنذ ما يقرب من 100 عام وحتى اليوم، يكررون هذه الترهات دون أي تفكير نقدي؛ بل إن جامعاتنا تواصل اليوم دون أي نقد تعليم التاريخ القديم استنادا إلى المزاعم نفسها، وأصبح أمرا مألوفا أن يسمع المرء، عالم آثار عربي أو دارس للتاريخ القديم وهو يؤكد بشكل قاطع جازم أن سرجون الثاني قاتل في أرمينيا، وسبى الإسرائيليين في فلسطين، وهزم ملك مصر، واحتل دمشق، ثم وصل موسكو الآسيوية (الصغرى؟ هكذا حرفيا في محفوظات المتحف البريطاني).

تزوير وتلفيق
بهذا المعنى، بلغ تزوير جغرافية فلسطين ذروته، حين أصبح جزءا عضويا من تلفيق يشمل جغرافية بلدان المنطقة. وهذا هو مصدر الصعوبة والشقاء في تصدي الأفراد لمهمة كبرى من هذا النوع. (في غياب المؤسسات العلمية المتخصصّة). إنها أكبر عملية تزوير في السجل البشري. لم يحدث قط، تلاعب بتاريخ الأمم، مماثل لما حدث مع التاريخ الفلسطيني. ومن المرجح، أن (تحرير الأرض) سيظل لعقود طويلة قادمة أخف وطأة وكلفة من تحرير عقول البشر من الأكاذيب التي زرعت بشكل مُمنهج. قد يتمكن البشر الذين يقعون ضحية الاستعمار من تحرير أرضهم يوما ما، لكنهم قد لا يفلحون في اقتلاع الترهات التي زرعها المستعمر في عقول أجيال وأجيال
.

بهذا المعنى أيضا، تبدو قراءتي استثنائية وذات طابع إشكاليّ، وتستحق نقاشا علميا متخصصا، يجب أن يبتعد عنه الهواة كليا لئلا يفسدوه.

لقد أرسى نظام التعليم في الشرق الأوسط فهما خاطئا لهذه النقوش، حين درج الباحثون والدارسون للتاريخ الآشوري على تخيّل الأحداث، ضمن جغرافية الأناضول وأرمينيا ومصر وفلسطين في وقت واحد

لقد أرسى نظام التعليم في الشرق الأوسط فهما خاطئا لهذه النقوش، حين درج الباحثون والدارسون للتاريخ الآشوري على تخيّل الأحداث، ضمن جغرافية الأناضول وأرمينيا ومصر وفلسطين في وقت واحد.

إن القراءة التي أقدمها تنسف كل هذا الهراء الاستشراقي، بل وتفند كل أساس واهٍ قامت عليه، فالأحداث لم تقع، لا في فلسطين ولا في الأناضول ولا في أرمينيا، بل في أرض اليمن القديم. وخليق بنا -ونحن ندخل السجال حول هذا الجانب المسكوت عنه من عمل علماء الآثار (من التيار التوراتي) والذي هيمن بكل الوسائل المتاحة على حقل التنقيب في العراق وسوريا ومصر ولبنان وفلسطين والأردن واليمن أن نتأمل بعمق في أسس النظرية النقدية التي أعرضها.

نقوش وإيضاح
سأقدم هنا بعض الإيضاحات الضرورية عن نقوش سرجون الثاني، استنادا إلى التحقيقات التي قام بها علماء الآثار لهذه النقوش، لأجل التأمل في حدود ومغزى التزوير:

تندرج نقوش سرجون آشور (724-705 قبل الميلاد) في مجموعتين؛ الأولى تعرف باسم نقوش كور سباد (نصوص كور سباد- كور سبد  Khor sabad  texts)، أما المجموعة الثانية فهي من مدن أخرى مختلفة. إن نصوص كور سباد، تروي أحداث سنوات حكم سرجون الثاني، وقد حررها الكتبة لتزين الجدران في القصور الملكية، ومنها القصر الكبير الذي بناه سرجون في الأيام الأخيرة من حكمه (في 706، أقل من سنة قبل وفاته). أما النقوش السابقة من آسور وكالا- كاله وننفح (ما يزعم أنها نينوى Ninive) فهي لا تغطي أحداث عهده تقريبا كما في نصوص كور سباد، ومع ذلك، من المهم للمؤرخ أنها تمكنه من تقديم تخمين صحيح إلى حدّ ما عن طبيعة سنوات حكمه.

على لوحات الحائط الذي يمتد على ثلاثة صالونات من قصره في دير شروكين، سمح سرجون بنقش "النسخة المسموح بها" من سجلات حكمه.

وفي الترجمة التي قدمها رولينسون الذي كان من أوائل الذين تمكنوا من فك رموز المسمارية عام 1851،  ثم في الترجمة التي قدمها بوتا فلاندين عام  1889، تمت عملية إعادة تحرير النقوش استنادا إلى النسخ الأصلية، ولكن بعقلية لاهوتية بلغت ذروتها مع وينكلر؟ بيد أن عمل ليون -من بين سائر هذه الجهود- يظل عملا نموذجيا بالنسبة لللاهوتيين. وإذا ما تتبّعنا ترقيم وينكلر للنقوش، فسوف نجد إشارة واضحة إلى أن السنة الأولى من عهد سرجون الثاني شهدت  أكبر عملية ترحيل الإسرائيليين  The deportation of the Israelites في هذا العصر، وذلك بعد حملة خاطفة.

أما في السنة الثانية فقد شهدت معاركه ضد متمردي سبأ وحمير وقبائل أخرى (إيلو- إيل 23-31) ثم ضد المعينيين في الجوف (إيل 32-42) . ويلاحظ في تحليل علماء الآثار لسائر هذه النصوص وبجلاء، المعنى الذي نقصده بـ(القراءة المتلاعب بها). لقد باشر هؤلاء بأول وأكبر عمليات (التزوير) والتلاعب بتاريخ فلسطين والمنطقة، حين ترجموا كلمة (الأرمان- الأرمانيين   Armenian) إلى (أرمينيا  Armenia ) واسم أرض معين- أرض المعينيين the Mannean land. إلى (أرض مانيان- المانويين أي أتباع النبي ماني الفارسي)، واسم ( مصرن-) إلى (مصر) كما فسر معنى اسم موسكي- موشكي ( بأنه موسكو الآسيوية الصغرى؟)

سأتناول ثلاثة نصوص (مختصرة إلى أقصى حد ممكن بسبب المساحة المخصصة لي) من عشرات النقوش الطويلة، للتدليل على نوع التلاعب في جغرافية فلسطين

 سأتناول ثلاثة نصوص (مختصرة إلى أقصى حد ممكن بسبب المساحة المخصصة لي) من عشرات النقوش الطويلة، للتدليل على نوع التلاعب في جغرافية فلسطين، مع ملاحظة أن شرّاح النصوص ترجموا جملة ملك ملوحه في النص أدناه، إلى ( ملك أثيوبيا)؟ وهكذا، أصبحنا أمام جغرافية  خيالية جديدة تجمع أرمينيا ومصر واليمن وفلسطين وروسيا:

النقش الأول:

80. أما ملك ملوحه king of Meluhha، فإن الخوف من جبروت أسور، يا سيدي، طغى عليه. وضعت القيود في معصميه وقدميه، ثم جلبوه إليّ في آشور. أنا الذي نهبت مدن سنحيتو  Shinuhtu  وشميرة (السامرة)  Samirina وكل أرض بيت-حمير (إسرائيل)  land of Bit-Humria (Israel).  .  أنا الذي اصطاد المعينيين  Iamanean على شاطئ البحر، ما وراء الشمس، مثل الأسماك. طردت (الشعب) من أرض كسكو- كشكو the lands of Kasku  ، وتبالو- طبالو    Tabalu ، وهلاكو- خلاقو. Hilakku. أنا طردت ميتا- مته ملك أرض موسكي-موشكي    king of the land of Muski   وفي مدينة رفح  Rapihu   هزمت مصرEgypt.، وحنانو (هانو)، ملك غزةking of Gaza

لقد تجاهل اللاهوتيون خلال ترجمة وتحقيق النقوش وعن قصد فاضح، مسألة (أرض حمير) حيث جرى تهجير الإسرائيليين، كما تجاهلوا أن رفح هنا لا يمكن أن تكون هي ذاتها رفح فلسطين

تجاهل مقصود
لقد تجاهل اللاهوتيون، خلال ترجمة وتحقيق النقوش وعن قصد فاضح مسألة (أرض حمير) حيث جرى تهجير الإسرائيليين، كما تجاهلوا أن رفح هنا لا يمكن أن تكون هي ذاتها رفح فلسطين لأنها لا تقع في أرض حمير، وركزوا بدلا من ذلك على مزاعم، من قبيل أن سرجون دحر سكان أرمينيا، وإثيوبيا ثم هزم ملك مصر وملك غزة، للإيحاء بأن معاركه دارت في فلسطين
.

ما تقوله النقوش واضح دون أي لبس، فهو هزم المعينيين سكان الجوف (وليس المانويين أتباع ماني الفارسي) ودحر قبائل الأرمان ( وليس سكان أرمينيا) وهؤلاء سكان صحراء إرم في أبين جنوب اليمن، كما استولى على مقاطعة شمير في تعز (وليس السامرة المزعومة في فلسطين) ودخل أرض موشكي وليس موسكو، وهذه مقاطعة تقع في ما يعرف اليوم بمحافظة المحويت، مديرية الرجم، عزلة البشاري، قرية بيت الموشكى. أما تبالو- طبالو، فهي قرية الطبال في محافظة صنعاء، مديرية الحيمة الخارجية، عزلة المحيام، قرية ريعان، محلة شعب الطبال. وكل هذه الأماكن هي أماكن سبأية- حميرية، وحتى اليوم يمكننا أن نجد الاسم نفسه في جغرافية اليمن: محافظة حجة، ومديرية الشغادرة وعزلة الحواصلة وقرية بيت الهور ومحلة بيت حميري؟ 

وسوف يتضح لنا نوع التزوير والتلفيق الذي طال تاريخ فلسطين والمنطقة، حين نقرأ نقش (السنة الثانية) بعد أن عاد سرجون إلى الجوف اليمني مرة أخرى واصطدم بمكرب سبأ.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تبنت حركات وجماعات إسلامية منذ عقود موقفا سياسيا مدعوما بفتوى دينية مفاده تحريم زيارة القدس لغير الفلسطينيين، وغني عن القول إن فتوى تحريم الزيارة مبنية على تقدير المصلحة السياسية.

لا يملك المتدّينون اليهود (الشرقيون والغربيون) أي سند دينيّ من التوراة، مهما كان واهياً أو عديم القيمة، يمكن العودة إليه لتبرير أو تفسير وجود ما يدعى (حائط المبكى) بالقدس.

تبقى القدس في عيد ميلاد يسوع المسيح رمزا للتعايش بين الجميع، وهي إرث مشترك للمسيحيين والمسلمين معا، إلا أن الإجراءات الإسرائيلية تجبر العديد من المصلين على البقاء خارج أسوار المدينة.

المزيد من تاريخي
الأكثر قراءة