أقلام لا تخجل من جراح فلسطين

أما كفى هذه الأقلام الجارحة تجريحا لواقعنا الممتلئ هما وألما؟ أما كفى حملة هذه الأقلام وفرسانها في ساحة المواجهة طعنا في أحلامنا التي ما عُدنا نمتلك غيرها عندما نشتاق إلى التحرير والتحرر والخلاص من لعنة الاحتلال؟

إنهم ما زالوا يضربون بأقلامهم الممتلئة بمداد الإحباط على دف الانقسام الفلسطيني، ولا أحد غيرهم يرقص على جراحنا، وحين نراهم يتمايلون يمنة ويسرة نشتعل غيظا، ولكن صوتا من أعماق شعبنا المنكوب حتى العظم يظل ناطقا باسم الانتفاضة الأولى والثانية والثالثة وال… ويقول لهؤلاء الكتاب المنبطحين ولأقلامهم التي أدمنت الانحناء أمام الطغاة: ثرثروا كما شئتم وارقصوا بأقلامكم ودفوفكم كما طاب لكم.. فانتفاضاتنا مستمرة ومقاومتنا مرفوعة الرأس عالية الجبين وعلى بالِ من يا من ترقصون في العتمة؟!

أمر هؤلاء الكتاب عجيب، وما يهدفون إليه رهيب، ونهجهم الانهزامي مُريب، فمن كاتب يذرف دموع اليأس على القدس واضعا الأحزان في الأكفان كما يُقال، إلى كاتب آخر يميل إلى تخوين المقاومة الفلسطينية وقادتها

أمر هؤلاء الكتاب عجيب، وما يهدفون إليه رهيب، ونهجهم الانهزامي مُريب، فمن كاتب يذرف دموع اليأس على القدس واضعا الأحزان في الأكفان كما يُقال، إلى كاتب آخر يميل إلى تخوين المقاومة الفلسطينية وقادتها ودماء شهدائها على مدى عقود، فيبدو أكثر تخابثا وتجنيا فيعمد إلى الاستهانة بالصمود الأسطوري الذي أبداه شعبنا ولا زال في قطاع التحدي والبطولة قطاع غزة الذي تتمثل فيه الآن معركة الحفاظ على البقية الباقية من الشرف الفلسطيني والعربي والإسلامي.

يُعكرون بأقلامهم مياه الفرقة الراكدة ليتسنى لهم الصيد فيها، فبعضهم ينحاز إلى فصيل فلسطيني ليطعن فصيلا آخر، وبعضهم الآخر يستظل بـ السلطة الفلسطينية القائمة في رام الله ليهاجم بمداد قلمه الشديد السواد الوضع القائم في غزة الممانعة والصمود والعزة، حتى إن أحدهم ذهب إلى أبعد من ذلك فوصف الإخوة الصامدين والمقاومين في غزة بأنهم أكبر عائق لمسيرة السلام المنشود، ويسدون طريق الخلاص أمام شعبهم، ويحولون بشكل لا يخلو من ريب وشبهة دون قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس.

إن هذا البعض وذاك البعض الآخر من حملة الأقلام المدحورة أو المأجورة لا ينتمون في معظمهم لهذا الفصيل أو ذاك، وغالبا هم لا مع الوضع القائم في رام الله ولا مع الوضع القائم في غزة، وإنما هم في حقيقتهم، وهذا على الأغلب، صيادون في مياه الفرقة والانقسام التي يعكرونها بأقلامهم الملوثة المداد قبل أن يشنوا هجماتهم وانتقاداتهم المبينة مصطنعين وزاعمين الانحياز أو الوقوف مع هذه الجهة أو تلك.

ولو حسنت نوايا أقلامهم وأوراقهم لوظفوا أفكارهم وكلماتهم لرأب الصدع ولمّ الشمل الفلسطيني المؤلم الحال مطالبين بإصلاح ذات البين السياسي تحقيقا للوحدة الوطنية التي أصبح الشعب الفلسطيني الصابر في أمّس الحاجة إليها في انتفاضة القدس التي لا تهدأ أو تخبو جذوتها إلا لتشتعل من جديد بالمزيد من دم الجرحى والشهداء.

ماذا نقول لحملة الأقلام المشؤومة الذين لا يتورعون عن تخوين الشرفاء من رموز مقاومة شعبهم وزجهم بشكل تعسفي في نظرية المؤامرة والتبعية لهذا المعسكر الإمبريالي أو ذاك. حتى الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل القضية ورووا بدمائهم أرض فلسطين العربية لم يسلموا من زج أسمائهم عند هؤلاء في قائمة الخيانة السوداء التي يتفننون في إعدادها الأثيم بعيدا عن تأنيب الضمير ومخافة من الله عز وجل.

إنهم يضعون وراءهم بطولات شعبهم وتضحياته ومرابطته الباسلة في أرض الإسراء والمعراج وفي رحاب الأقصى المبارك ليشغلوا أنفسهم الأمارة بالسوء بزرع اليأس في القلوب

يضعون وراءهم بطولات شعبهم وتضحياته ومرابطته الباسلة في أرض الإسراء والمعراج وفي رحاب الأقصى المبارك ليشغلوا أنفسهم الأمارة بالسوء بزرع اليأس في القلوب من عواقب المواجهات والحروب.. وتزيين الحل الأدنى والأقبح والأفدح خسارة للقضية الفلسطينية.

كل هذا.. وهؤلاء الكتاب والمثقفون العباقرة يدعون بأنهم ينطلقون من غيرتهم على القضية وحرصهم على مصلحة الشعب الفلسطيني وعدالة أحلامه وتطلعاته المشروعة. أية غيرة هذه تضع السم في الدسم وتلبس الباطل قناع الحق المصنوع من ورق ذي بريق كاذب ومخادع؟!

وأي حرص هذا يدعونه وهم يضعفون من عزيمة الشعب ويحاولون كسر إرادته الصلبة ويعملون بلا وازع أو رادع على تأزيم حالة الفرقة فيه وتعميق شرخ الانقسام الذي ابتلي به، وذلك بالانحياز لهذا الفريق أو ذاك، وتحريض هذه الفئة على تلك؟!

إن أشد أنواع النفاق في عصرنا هذا هو النفاق السياسي أو الإعلامي الذي يجانب الحقيقة ويحاول طمسها بكل وسائل الكتابة المتاحة، ولا يسعنا هنا إلا أن نقول لهذا النفر الضال والمضلل بكسر اللام إنكم تحسبون رياءكم دفاعا عن فلسطين المنكوبة والقدس المسلوبة، وتوهمون النّاس به، فتظهرون كمحامي دفاع عن قضيّة القضايا العربيّة.. القضيّة الفلسطينيَّة، ومن يقرأ ويتابع ما تكتبون وتعدون من أوراق دفاع واهية ومريبة يتذكر قول تلك المحامية الدانماركية للدكتور الراحل منذر عنبتاوي رحمه الله "أنتم العرب أسوأ محامين عن أعدل قضيّة".

متى ترفعون ظهوركم ورؤوس أقلامكم لتروا الحقيقة التاريخيّة لكفاح شعب فلسطين وبطولاته وتضحياته وانتفاضاته وسير أبطاله وقادة جهاده الشرفاء؟

لقد تفاءلنا قليلا بصحوتكم، لا بل توبتكم ونحن نقول لكم متى..؟ مع علمنا بأنكم لا ترغبون ولا تفكرون في رفع الظهور والرؤوس لتبصروا الحقيقة.

كفاكم نفاقا وتزلفا وتحريضا على حساب قضيتنا العادلة وعلى حساب ثوابتها والحقوق المشروعة التي تنطوي عليها، ويحرص كل الأحرار والشرفاء على صونها والذود عنها

فمن يدمن الانحناء لا يستطيع النظر إلى فوق حيث الأفق يفصح عن شمس ساطعة.

كفاكم نفاقا وتزلفا وتحريضا على حساب قضيتنا العادلة وعلى حساب ثوابتها والحقوق المشروعة التي تنطوي عليها، ويحرص كل الأحرار والشرفاء على صونها والذود عنها بكل قوة وصبر وثقة.

كفاكم يا حملة الأقلام المتلوّنة والمتمايلة وفقا لاتجاهات الرياح السائدة.. كفاكم تطبيلا بأقلامكم ورقصا بمقالاتكم المغرضة على دماء الشهداء ووصاياهم ومبادئهم النقيّة الساميّة التي قضوا وهم يدافعون عنها ببسالة وشرف.

ألا تخجلون من همومنا ومكابداتنا وتضحيات أهلنا وصمود وإضراب أسرانا؟!

توبوا عن التحريض والتيئيس وزرع الفرقة، وصبّ زيت النفاق على نار الفتنة لتصعيد اشتعالها وتوسيع دائرة الحريق الناجم عنها.

وكلمة أخيرة تتمثل في سؤال أخير لا بُد من طرحه عليكم، وإن كنتم قد أصبتم بالصَّمم الكاذب حيث لا تسمعون إلا كلامكم، فإننا سنكتبه لكم بأقلامنا لا أقلامكم لعلكم تنظرون فترون ما نقول، والسؤال هو: ألا تخجلون من القدس ودموعها التي تبلل العتبات والأسوار؟ ألا تخجلون من جراح فلسطين؟َ!  

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تحل ذكرى سنوية جديدة على النكبة التي أثرت على نواحي الحياة واقتلعت شعبا من أرضه وشتته في أقاصي الأرض. وتأتي ذكرى النكبة اليوم وما زال الفلسطيني يحلم بالعودة.

فلسطين للذي لا يخذلها! وبريئة ممن كانت له بالرحم القربى، فأثخن بالطعن أواصرها! فلسطين لكل مَن مدّ اليد ليلملم طهر ضفائرها.. وغطّى الجيد بالتسبيح، وأسرج خيلا الله ناصرها!

النكبة ليست حدثا مأساويا نذكره وشعورا بالصدمة يغمرنا، النكبة فعل متواصل من العدو الصهيوني، جرائم ترتكب بحق أبناء الوطن المحتل في الداخل والشتات، من سفك للدم وحتى الأسر والتضييق.

المزيد من إعلام ونشر
الأكثر قراءة