"طنطور فرعون" بين الآثار الخالدة والرواية الشعبية

قبر زكريا ومجموعة من المغارات في طنطور فرعون بمدينة القدس (الجزيرة)
قبر زكريا ومجموعة من المغارات في طنطور فرعون بمدينة القدس (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس

اعتقد معتنقو الديانات السماوية والوثنية على مر العصور أن القدس هي المدينة الأقرب إلى السماء، وبدأ الاستقطاب لها منذ الفترة اليونانية إلى الرومانية والبيزنطية وحتى الإسلامية المبكرة، سواء للعيش على أرضها أو السكن بها بعد الموت، كما أوصى الكثيرون.

وانطلاقا من ذلك يرى الزائر للقدس نماذج متنوعة من القبور الفردية أو الجماعية، منها قبور بعض السلاطين. ووجدت أيضا قبور من أجل التقديس والبركة والحياة الخالدة بعد الموت، كما كان يعتقد في الفترة اليونانية. ومن بين هذه القبور أضرحة "طنطور فرعون" الضخمة التي تقع في الطريق الواصل بين بلدة سلوان والمسجد الأقصى المبارك.

وحسب الباحث في تاريخ القدس روبين أبو شمسية فإن الكثير من الدراسات الأثرية أجريت على القبور الواقعة في منطقة "طنطور فرعون"، واتفق معظم العلماء أنها من الفترة اليونانية في القرن الثاني قبل الميلاد. وسميت المنطقة بهذا الاسم لأن بناء القبور فيها يشبه أسلوب البناء الفرعوني الذي يأخذ الشكل الهرمي والقرنفلي المنتشر في منطقة واد الملوك جنوب القاهرة في مصر.

المسنة التسعينية أمينة حمدان من بلدة سلوان (الجزيرة)

ادعاءات.. فإهمال
ادّعى الإسرائيليون في السبعينيات أن أحد القبور يخص أبشالوم بن داود مؤكدين أنه دفن هناك، إلا أن الأبحاث التي أجريت على يد الإسرائيليين أنفسهم أثبتت أنه لم يكن لهذا الشخص أي علاقة بالمكان، لذلك أهملت بلدية الاحتلال هذه القبور فلا توجد عليها حراسة ولا ينالها نصيب من الترميم.

حُفرت بالصخر واجهة القبور الستة الرئيسية في المنطقة، غير أن الشخصيات لم تدفن في البناء الخارجي وإنما في الجهة الخلفية، حيث حفر مثلث على النمط اليوناني أقيمت فيه مراسم الدفن، وفي المغارات الداخلية حفرت القبور التي احتضنت الموتى.

وعن تفاصيل بناء القبور قال أبو شمسية إن الأعمدة الصخرية البارزة التي تظهر على ارتفاع ستة أمتار حُفرت بالصخر ولم تُجلب جاهزة، ويرتفع البناء أكثر بإطار القلنسوة المزخرف، ثم أُكمل على شكل زهرة القرنفل المفتوحة إلى الأعلى، كناية عن صعود الروح من هذه البقعة إلى السماء كما شاع الاعتقاد قديما.

وحول هوية الشخصيات التي دفنت بجانب قبر "طنطور فرعون" الرئيسي، أضاف أبو شمسية أن قبرا جماعيا في المنطقة ما زالت هويات من بداخله مجهولة، لكنه بني على النمط اليوناني، وتوجد قبور أخرى تشبهه في كل من طبريا وبيسان وجبل الزيتون، بالإضافة إلى قبرين أحدهما يطلق عليه قبر زكريا والآخر قبر بنت فرعون وهو الأقدم إذ يعود للفترة الآشورية.

لا يلتفت المسنون من أهالي بلدة سلوان إلى البعد التاريخي لطنطور فرعون رغم مرورهم بهذا الطريق على مدار سنوات طويلة، باعتباره الشارع الرئيسي المؤدي إلى البلدة القديمة والمسجد الأقصى آنذاك، لكنهم حرصوا على أرشفة ذكرياتهم بهذا المكان.

المسن إبراهيم سرحان من بلدة سلوان (الجزيرة)

طريق تجاري
ومن بين هؤلاء أمينة حمدان (92 عاما) التي انتعشت بتذكر الماضي قائلة "كانت الطريق ترابية وعرة، لكنها كانت الوحيدة التي تربط سلوان بالقدس العتيقة.. أذكر أنني كنت أحمل على رأسي سلال الخضروات والفواكه التي نقطفها من رأس البستان، وأسير بطنطور فرعون حتى أصل باب الأسباط، ومن هناك إلى طريق الواد كي أبيع بضاعتي صيفا وشتاء".

وأضافت أنها لم تجرؤ يوما على دخول المغارات الموجودة في المكان، خاصة أن الطريق كانت موحشة قديما، وتمر الحافلات والدواب منها في وضح النهار فقط، باستثناء شهر رمضان حيث واظب أهالي البلدة على المرور منها باتجاه المسجد الأقصى لكونها أسهل الطرق وأقربها، وما زالوا يمرون منها خلال الشهر الفضيل حتى اليوم.

أما إبراهيم سرحان (74 عاما) فيتذكر انتعاش حركة التجار في طريق "طنطور فرعون" الذي يصل كل البلدات الواقعة جنوبي المسجد الأقصى بالأسواق، وقال "بعد تولي الأردن الحكم بالقدس عُبّد الشارع، وأصبحنا نعتمد عليه بشكل رئيسي، وخُصص خط للحافلات يقلّ الأهالي باتجاه القدس وكان رقمه 6. ورغم ضيق الممرات فإن مشهد سير الحافلات والدواب والمشاة كان له رونق خاص".

وفي السبعينيات أغلقت سلطات الاحتلال الشارع نهائيا لقطع التواصل بين حي رأس العامود وواد حلوة بسلوان، وتحول المكان تدريجيا إلى مسار سياحي وتمت إنارته وتبليط الشارع ومُنعت المركبات من دخوله.
المصدر : الجزيرة