97 عاما على هبّة موسم النبي موسى بالقدس

صورة أرشيفية تظهر انطلاق موكب موسم النبي موسى عليه السلام من أمام باب العامود ويظهر مفتي القدس ممتطيا جواده
صورة أرشيفية تظهر انطلاق موكب موسم النبي موسى عليه السلام من أمام باب العامود ويظهر مفتي القدس ممتطيا جواده

جمان أبوعرفة-القدس

أقر القائد صلاح الدين الأيوبي بعد فتحه لـ القدس عام 1187م إقامة تجمعات احتفالية في عموم فلسطين يخرج فيها الأهالي بكامل سلاحهم تحسبا لأي هجوم غادر من القوات الصليبية، وخصوصا من جهة قلعة الكرك المحتلة آنذاك.

وذكر صبحي غوشة في كتابه "الحياة الاجتماعية في القدس في القرن العشرين" أن صلاح الدين أمر ببناء مقام للنبي موسى (عليه السلام) في مكان يشرف على القدس من جهة أغوار أريحا، وسمح بإقامة احتفالات في كل المدن المحررة.

ومن أبرز هذه المواسم، موسم النبي موسى الذي كانت احتفالاته تبدأ في أبريل/نيسان من كل عام، وتذكر بيان نويهض في كتابها "القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين" أن أهل القدس يستقبلون الوفود القادمة إلى مدينتهم من كافة المدن والقرى الفلسطينية، وبعدما تتجمع الوفود كلها لتخرج في موكب كبير ترفرف فيه الأعلام وتقرع فيه الطبول وتعلو الأهازيج الشعبية، ويتقدمه مفتي القدس ممتطيا جواده وحوله أعيان القدس من مسلمين ومسيحيين، ثم أعيان باقي البلاد والرعية.

المؤتمر العربي الفلسطيني الرابع المنعقد بالقدس في مايو/أيار 1921 في أعقاب هبة النبي موسى (عليه السلام)

تفجّر الأحداث
كان موسم النبي موسى (عليه السلام) عام 1920 مختلفا، ونتج عنه أولى الانتفاضات الشعبية في فلسطين والتي سميّت لاحقا بهبة موسم النبي موسى، وامتدت منذ الرابع حتى العاشر من أبريل/نيسان أثناء فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين، وأسفرت عن استشهاد أربعة من الفلسطينيين ومقتل خمسة من الصهاينة المهاجرين إلى فلسطين وإصابة المئات من الطرفين.

ويقول الباحث في التاريخ الفلسطيني الحديث والمحاضر بجامعة بيرزيت سميح حمودة للجزيرة نت إن الأوضاع الفلسطينية آنذاك كانت على وشك الاشتعال بعد إقرار بريطانيا وعد بلفور عام 1917 الذي أيدت فيه الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وأشعل بعدها فتيل الهبّة وحدوث اشتباكات عديدة بين الفلسطينيين والصهاينة في القدس، تزامنا مع موسم النبي موسى عليه السلام.

يَذكر حمودة أن البداية كانت في قرية لفتا غرب القدس، حيث رمى غلام يهوديّ كرته في أرض فلاح فلسطيني وداس على المزروعات ليجلبها ما أغضب الفلاح ودفعه لضربه، الأمر الذي قاد لاشتباكات موّسعة بين الطرفين.

ويضيف أن الصهاينة في البلدة القديمة اعتدوا على وفد مدينة الخليل القادم إلى القدس للمشاركة في موسم النبي موسى ما فاقم حدة الاشتباكات بين الفلسطينيين والصهاينة، وتدخلت على إثره القوات البريطانية وأطلقت النار على الفلسطينيين.

ويؤكد عبد الوهاب الكيّالي في كتابه "تاريخ فلسطين الحديث" أن كل التقارير البريطانية والدولية تؤكد أن الصهاينة هم من بدأ بالتحرش بالعرب، بل إن هياج العرب كان ردة فعل طبيعية لاستفزازات الصهاينة التي بدأت بشتم العلم والبيارق والاستهزاء بصلاح الدين الأيوبي، وبدأ بعدها التراشق بالحجارة والأحذية، وخرجت المشادات عن سيطرة الجنود خصوصاُ عند باب يافا.

بريطانيا تعرض قوتها العسكرية في القدس

عقاب النخبة الفلسطينية
ويبيّن حمودة للجزيرة نت أن الاشتباكات تحوّلت إلى حدث سياسي، حيث قام قادة الحركة الوطنية الفلسطينية أمثال موسى كاظم الحسيني والحاج أمين الحسيني وعارف العارف بإلقاء خطابات تحرّض الفلسطينيين على التصدي لليهود الصهاينة وترفض وعد بلفور، وتطالب بالاستقلال والانضمام إلى الحكومة السورية بقيادة الملك فيصل، فقام الاحتلال البريطاني باعتقال العشرات من القادة وإقالة موسى الحسيني من رئاسة بلدية القدس، والحكم على العارف والحسيني بالسجن لمدة عشرة أعوام، ما دفعهما للهرب إلى شرق الأردن، ليصدر بعدها المندوب السامي هربرت صمويل عفوا بحقهما ويعودا إلى فلسطين مع تعهدهما لبريطانيا بوقف الاحتجاجات.

نتائج الهبة
تقول المحاضرة في دائرة التاريخ بجامعة بيرزيت رنا بركات للجزيرة نت إن هبة موسم النبي موسى كانت مقدمة لأحداث واحتجاجات تطورت لاحقا حتى وصلت إلى الثورة الكبرى عام 1936 مؤكدة أن الهبّة تلك عرّفت العالم أكثر بالقضية الفلسطينية.

وتضيف أن الهبّة كانت نتاجا لسياسة الاستعمار الاستيطاني الذي شحن الوضع السياسي، ودفع الفلسطينيين للتنفيس عن غضبهم إزاء الموقف البريطاني حيث كانت تتركز شعاراتهم على حقهم في تقرير المصير ورفض وعد بلفور.

المصدر : الجزيرة