مقدسي وزوجته يحييان فن الفسيفساء

طاولات من الفسيفساء من صنع الزوجين سعيد وسناء الغزالي (الجزيرة)
طاولات من الفسيفساء من صنع الزوجين سعيد وسناء الغزالي (الجزيرة)

محمد أبو الفيلات-القدس

ربما لا يستطيع الإنسان إنطاق الحجر، لكنه عمل جاهدا لتطويعه حتى أصبح أداة يعبر بها عن نفسه، وتفوق الحجر أحيانا كثيرة بإيصال ما يختلج في النفس الإنسانية على لسان الإنسان نفسه.

وفن الفسيفساء أحد الضروب التي طوع الإنسان بها الحجر، إذ تعد الفسيفساء كما يعرفها أصحابها فن الرسم بالمكعبات الحجرية، فتقطع الحجارة ذات الألوان المختلفة إلى قطع صغيرة لا يتعدى حجمها سنتيمترا واحدا على شكل مربعات ثم ترص لتكون لنا لوحة فنية.

ويرجع تاريخ استخدام الفسيفساء في التزيين وإنتاج اللوحات الفنية إلى مئات القرون، ويرجح أن أول من استخدمها هم السومريون ثم الرومان الذين زينوا بها قصورهم ومعابدهم ثم البيزنطيون، ومنهم تعلم المسلمون وأخذوا يطورون هذا الفن فزينوا به المسجد الأقصى.

صفاء وإمكانيات
لكن فن الفسيفساء لم يعد وهجه مضيئا كسابق عهده، خاصة في فلسطين، ويعود السبب في ذلك كما يقول الفنان المقدسي سعيد الغزالي إلى أن صناعة الفسيفساء تتطلب صفاء ذهنيا وقدرة اقتصادية، وهذا ما يفتقده الفلسطينيون بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية السيئة التي يعيشونها
.

الزوجان سعيد وسناء الغزالي يعزمان عمل جدارية كبيرة تحاكي لوحة الفنان الإسباني دياغو التي رسمها عام 1556 (الجزيرة)

وحبا للفسيفساء ولإعادة إحيائها قرر سعيد الغزالي (61 عاما) وزوجته سناء منذ خمسة أشهر دراسة هذا الفن الذي أحبه وتعلق به كثيرا بعد أن رآه في الكنائس والقصور والمساجد التي زارها داخل الوطن وخارجه، فإذا زرتهما في معملهما الصغير تراهما منهمكين في تقطيع ورص قطع الفسيفساء فيبدوان وكأنهما في غرفة عمليات إذ يحملان ملاقط دقيقة لرص قطع الحجارة، وبعد فراغهما من عملهما تستنتج أنهما أحييا الحجر بهذا الفن.

يقول سعيد الغزالي للجزيرة نت إن إنتاج لوحة فسيفسائية يحتاج عدة مراحل، أولها اختيار الشكل ثم رسمه على الورق، وبعد التأكد من أن الرسمة خالية من الأخطاء تطبع على قطعة قماش كونها أكثر تماسكا من الورق الذي قد يتمزق خلال فترة العمل.

وعقب رسم الشكل على قطعة القماش توضع القماشة في إطار يعمل على شدها، ثم تصف عليها قطع الفسيفساء التي تدهن بمادة لاصقة كالصمغ حتى لا تتحرك من مكانها، وبعد رص الفسيفساء تصب عليها مادة لاصقة أخرى من صنع الغزالي وزوجته، وهي عبارة عن طحين مطبوخ بالماء.

سعيد وسناء مكثا خمسة أشهر في تعلم الفسيفساء التي باتت مصدر دخل جزئي لهما (الجزيرة)

تترك اللوحة بعد صب المادة اللاصقة عليها ليومين أو ثلاثة حتى تجف جيدا، ثم ينزع عنها الإطار وقطعة القماش وتنظف جيدا بالماء والفرشاة لتزال أي عوالق من الطحين المطبوخ.

أنتج الغزالي وزوجته ما يقارب مئة عمل فني من الفسيفساء خلال خمسة أشهر. وتقول الزوجة سناء الغزالي إن إنتاجهما كان في البداية مقتصرا على التدريب لكن مع تذوق فن الفسيفساء تم إتقانه "حتى صنعنا أعمالا أعجب بها أقاربنا وأصدقاؤنا، فأصبحت الفسيفساء مصدر دخل جزئي لنا".

وتنوعت أعمال محدثيْنا بين اللوحات والصناديق والطاولات الصغيرة وحتى الصحون. يقول الزوج: عندما ندخل إلى معملنا الصغير ونباشر العمل ننسى الوقت ولا نتوقف حتى ننتهي من اللوحة التي قررنا إنجازها، سواء أكانت صورة أو أشكالا هندسية أو غيرها.

الزوجان يستخدمان الحصى من مخلفات مناشير الحجر ليصنعا بها لوحات حية (الجزيرة)

تحديات وصعوبات
يذكر الزوجان أن من التحديات التي تواجههما إيجاد الحجارة الملائمة للعمل كون سعرها مرتفعا جدا، وهو ما يضطرهما لإيجاد بدائل عن حجارة السوق ببقايا من حجارة الشايش الذي يستخدم في المطابخ، وبالإضافة إلى ذلك فإن عدم إتقانهما قص الحجارة على المنشار اضطرهما لإيقاف العمل حتى يحصلا على لون الحجر الذي يريدانه وانتظار المختص ليقص لهما الحجارة بالحجم الذي يريدانه
.

ويشكو الفنانان المقدسيان من عدم اهتمام وزارة الثقافة الفلسطينية بالفنانين الفلسطينيين، مما يثقل كاهلهما العمل ويضطرهما إلى توفير كل مستلزماتهما بنفسيهما بما في ذلك تسويق المنتجات.

ويخطط المقدسيان الغزالي لعمل جدارية كبيرة تحاكي لوحة الفنان الإسباني دياغو التي رسمها عام 1556، والتي تحمل عنوان "اللاسمينانس" وتعني الوصيفات.

ويقول الغزالي إن هذه اللوحة سيتجاوز طولها مترين، كما سيتجاوز عرضها مترا، وسيستغرق عملها عاما كاملا
.

المصدر : الجزيرة