الكلمة الآن للقدس

بعد إقامة مهرجانات صمت عربية متتالية من أجل القدس، تمكن عريف المهرجان الأخير من النطق، فتخلى عن لغة الإشارة، وقال بالحرف الواحد: بعد فشل مهرجاناتنا العقيمة في نصرة القدس وأهلها، وبعد أن ثبت عجز الألسنة العربية عن الحركة في زمن الحداد اللغوي على كلمة الحق التي يجب أن تقال ولا تقال، قررت إدارة مهرجان الصمت الأخير أن تعتلي القدس منبر الخطاب القومي الآيل للسقوط لتقول كلمتها على أمل أن تكون هذه الملايين العربية المتجمهرة لم تفقد السمع بعد أن فقدت النطق قرابة نصف قرن من الاحتلال والحصار والاستيطان والقهر والتهويد الذي يجري على قدم وساق.. هنا ابتلع عريف المهرجان ريقه، ومسح بظهر يده دمعته، وقال قبل أن يصادر منه النطق: الكلمة الآن للقدس.

بدأت القدس خطابها الجامع الرائع بالبسملة والصلاة على سيد المرسلين، ثم قالت بصوت أرق من الماء العذب وأقوى من الرعد المبشر بالمطر والخير: "إن كنتم قد نسيتم اسمي أيها العرب الكرام أذكركم به: اسمي القدس وعلى صدري ذات صباح بكت الشمس من حزنٍ علي وعلى حالي التي تزداد سوءا، قبّلت الشمس جبيني المعقود من غضب وخيبة أمل ثم سألتني هامسة: كيف حالك يا ابنة السماء على الأرض؟"

اسمي القدس وعلى صدري ذات صباح بكت الشمس من حزنٍ علي وعلى حالي التي تزداد سوءا، قبّلت الشمس جبيني المعقود من غضب وخيبة أمل

هنا انتفض قلبي في صدري، ودمعت من حولي أسواري، وخرجت من مهجة أقصاي آهة أوجعتني، وشعرت بصخرتي المشرفة تهتز على كتفي الأيمن، وتكاد ترتمي كطفلة متعبة بين يدي، وخشيت أن أغرق في بحر عميق من الصمت، فأفقد القدرة على إجابة الشمس عن سؤالها، كما فقدت أمتي لغة الإجابة عن سؤالي، حين قلت لها مستغيثة مستنجدة: أين أنت يا أمتي.. يا أمة ابن الخطاب وصلاح الدين؟!

وفجأة انتشلني من حيرتي وصمتي تجمع الشهداء من حولي وانتفاض الشباب الحر في مداخلي وعلى عتبات مساجدي ومنازلي، ودبّ فيّ صوت قوي معافى ما بين أقصاي وكنيسة قيامتي أنهض لساني في فمي، فأجبت شمس الصباح الحزين وأنا أرى دمعة إشفاق على خدها الأحمر: "لا تبكي يا شمس صباحي.. إن حزنت اليوم فغدا تأتيني أفراحي، فتضمد حرائر الأقصى جراحي، ويطلق رجالي من قيد الاحتلال سراحي.. يطهرون ترابي من دنس الرياح الآثمة، ولا تقوم بعدها لعدو محتل قائمة".

هنا قالت لي الشمس وتاريخ أمتي المجيد يقبع في الظلام: محال يا ابنتي أن يقتل فيك كل غزاة الأرض روح العروبة والإسلام.. فمهما أحكموا حول معصميك سلاسل الحديد، ومهما تمادوا في الاستيطان والتهويد، ومهما تجبر غزاة هذا الزمان في أهلك وذويك فعاملوهم معاملة السادة للعبيد، ومهما بلغت بك الأحزان حد اليأس أو يزيد، فإن عزمك وإصرارك لن يخذلا فيك أمل التحرر والخلاص، فأنت ما زلت صامدة، صابرة مجاهدة، عندك شعب يهدر كالنهر، ولا يقبل الذلة والقهر، بغير النصر لا يقنع، ولغير الله لا يركع".

شدت الشمس من أزري، فتدبرت أمري، وتفوقت على حصاري وقهري، وقلت للشمس بلسان عربي واضح: أنا القدس المباركة على الأرض يا أميرة السماء، تربيت على العزة والإباء، وتاريخي يفيض بالشرف والشرفاء، وأهلي أحرار كرماء، لا يعرفون لغير الله انحناء، ويبذلون من أجلي الأرواح والدماء، ويخلصون لله الدعاء.. أنا القدس وأولادي عرب يا شمس، وسواعدهم عنوان لصدق العزم وشدة البأس.

ولك أن تنظري بملء العين أيتها الشمس، ففوق جبالي ينتفض الحجر والشجر، وفي ساحاتي يفوح المسك من آثار دماء لشهداء مروا من هنا وهم في طريقهم إلى جنان الخلد.

وفي الحقيقة، رفعت الشمس بحديثها من معنوياتي وانتشلتني بقوة كلامها من أحزاني وآهاتي، وأعادتني إلى ذكرياتي، فصحت في ذاكرتي وشعتْ مثل قنديل أخضر واقعة تسليم مفاتيحي إلى الفاروق عمر بن الخطاب.. تقابلها واقعة تسليم صلاح الدين الأيوبي الراية لأهالي فلسطين ومن اصطفوا حوله من أبطال معركة حطين ومعركة تحرير القدس جوهرة فلسطين...

لا خوف عليَّ حتى لو حملني المحتلون الصليب على ظهري واقتادوني في درب الآلام، وهموا بصلبي، فلن يضرني مع اسم ربي شيء، ويكفيني وفاءُ أبنائي لأمهم القدس

في هذه اللحظة التاريخية قلت للشمس: "لا خوف عليَّ حتى لو حملني المحتلون الصليب على ظهري واقتادوني في درب الآلام، وهموا بصلبي، فلن يضرني مع اسم ربي شيء، ويكفيني وفاءُ أبنائي لأمهم القدس؛ هم أحبابي.. تعرفهم في الليل قبابي، تحضن ثورتهم أبوابي، فأنا القدس، لا يرهبني أسرٌ ولا حبس، فأنا أيتها الشمس لست كأي مدينة، عند الأسر تظل حزينة، يكفي أني بنت صلاح الدين وجدي ابن الخطاب عمر، يكفي أني عذراء فلسطين وأرواح شهدائي في ظلمة حصاري أقمار ودرر، تنزع عن عيوني الظلام، وتقرئني من الصادق الأمين السلام، تكلل هامات أسواري بأغصان الزيتون، وتطلق في فضائي على الرغم من عيون بنادق الأعداء الحمام.

لا أخفي عليكم يا معشر العرب الكرام أن الشمس بعد أن سمعت هذا الكلام، وقبل أن أصل إلى مسك الختام، تقدمت مني خطوات إلى الأمام، وعلّقت على صدري أرفع وسام.. وسام الشجاعة والصبر والإقدام.

قبلتني على جبيني العالي الشمس مرة ثانية، وهمست لي وهي على جراحي حانية: "أحسنت الخطاب يا حبيبة السماء على الأرض، فأغلقت في وجه صمت العرب الأبواب، وفتحت لهم باب الكلام؛ لا الكلام الفارغ من معنى الفعل، وإنما الكلام المتمرد على مهرجانات الصمت العاقر، والممتلئ حتى آخر حرف بالفعل المنتفض الصابر، والذي لقلبك الأسير منقذ وناصر، ولعدوك المحتل قاهر، وعلى تحريرك مما أنت فيه قادر.

بعد أن ألقت القدس الخطاب، وانقشع عن عقول القوم الضباب، صعد عريف الحفل إلى منصة مهرجان الصمت الأخير ليقول للناس بلسان غير كسيح، وبقول جريء وصريح: بعد أن قالت القدس  كلمتها هذه، وبعد أن خجلت ألسنتنا من صمتها الطويل؛ قررنا نحن فصحاء الصمت العربي إلغاء مهرجاناتنا السنوية اللامجدية، ومن أراد منا بعد اليوم أن يقيم احتفالا أو مهرجانا من أجل القدس فليقل الحق أو ليصمت صمت الأموات، فذلك أشرف له ولنا وللقدس.

المصدر : الجزيرة