حرام نسبي.. حكاية القدس بلسان "حورية"

عارف الحسيني يعالج تفاصيل حياة المقدسيين منذ احتلال مدينتهم وحتى العقد الأول من الألفية الثالثة (الجزيرة)
عارف الحسيني يعالج تفاصيل حياة المقدسيين منذ احتلال مدينتهم وحتى العقد الأول من الألفية الثالثة (الجزيرة)

محمود الفطافطة-رام الله

ترصد رواية "حرام نسبي" لعارف الحسيني كافة تفاصيل حياة المقدسيين، منذ احتلال مدينتهم وحتى العقد الأول من الألفية الثالثة، بأسلوب يتسم بدقة التفاصيل، وشمولية التناول، وجرأة النقد، وأمانة المعالجة.

تدور أحداث الرواية، التي أصدرتها "دار الشروق للنشر والتوزيع" برام الله، في القدس القديمة وعقبة السرايا والتكية من أحياء القدس، وتمتد إلى خارج السور في باب الساهرة والشيخ جراح وشارع صلاح الدين والزهراء وبيت حنينا، وتصف تلك الأمكنة التي تتخللها تفاصيل التاريخ، إلى جانب تناولها ما دار ويدور في المجتمع المقدسي برؤية ناقدة، إذ يتهكم الكاتب على المواقف والحال عبر أسلوب الفكاهة السوداء تارة، والتراجيديا الواقعية تارة أخرى.

رغم أن الحسيني قسم روايته إلى فصول، فإنه أورد عشرات الحكايات والقصص عن القدس وناسها، التي تحمل في ثناياها تقاليد وعادات عاشتها ثلاثة أجيال مقدسية من حورية الجدة وابنتها اللتين جاءتا من الريف، وتزوجت ابنتها من مقدسي، لتنجب ولدا وبنتا حملت اسم جدتها "حورية".

جاء الجزء الأعظم من الرواية على لسان "حورية" الحفيدة؛ فهي تبوح بما حملته معها عن الحياة والموت، عن الحب والزواج، عن الفتاة والمرأة والرجل في مجتمع يعاني من قهر الاحتلال

حورية والاحتلال
وجاء الجزء الأعظم من الرواية على لسان "حورية" الحفيدة؛ فهي تبوح بما حملته معها عن الحياة والموت، عن الحب والزواج، عن الفتاة والمرأة والرجل في مجتمع يعاني من قهر الاحتلال، وتذود عن حرية روحها بكل ما لديها من عنفوان، فتنجح هنا وتفشل هناك، لكنها تُبقي الحب هاجسا ومُوجها نحو الحرية.

هذه الحرية هي القضية الأساسية التي تقوم عليها فلسفة الرواية ورسالتها، إذ نرى الكاتب يقول "فلا يحدثني أحد من بعد عن الصح والخطأ، ولا عن المنطقي وغير المنطقي، بل حدثوني عن الحرام النسبي، الذي يتلاعب به الأقوى، ليفصله على مقاسه، أخبروا أبناء المستقبل أن الحرية هي لمن يستطيع امتلاكها وليست لمن يستحقها".

ما يميز الرواية أن كاتبها ولد ونشأ وأقام في القدس عقودا، الأمر الذي جعل القدس التي نعرفها بشوارعها وعادات أهلها ولهجتها وأمثالها "تحضر" كما لم تحضر في روايات وقصص كتبها أدباء عن بعد؛ هذه الميزة هي التي تفرد من خلالها الحسيني لكي ينظر إلى القدس من زاوية أخرى غير تلك الكتابات الروائية التي وسم أغلبها الحديث عن الظلم والقهر والمعاناة.

هذا التفرد تجلى بالخوض في حكايات مختلفة، حكايات عن الحب والعاطفة، وعن الأحاسيس والمشاعر والأمل رغم الألم الذي يعيشه المقدسي داخل أسوار مدينته وبيوتها العتيقة، بكل ما فيها من عبق الماضي، وتحديات الحاضر.

عالج الحسيني في روايته كثيرا من القضايا والتحديات التي تزاحم حياة المقدسيين وتثقلها كهجرات أبناء العائلات المقدسية من مدينتهم واستقرارهم خارج الوطن، وموقف أبناء القدس من أبناء الريف

عالج الحسيني في روايته كثيرا من القضايا والتحديات التي تزاحم حياة المقدسيين وتثقلها، كهجرات أبناء العائلات المقدسية من مدينتهم واستقرارهم خارج الوطن، وموقف أبناء القدس من أبناء الريف ونظرتهم الدونية لهم، "فقد حذرت الجدة "حوريّة" عند زواج حفيدتها من أصول العريس القروية، رغم أنها نفسها تنحدر من أصول قروية!

تفاصيل وأهداف
كما يغوص الراوي في تفاصيل قضايا اجتماعية وسياسية وفكرية واقتصادية بلغة أدبية هادفة، إذ يسرد وقائع ذات علاقة بجدار العزل الإسرائيلي، وواقع الشباب والأسرى والمثقفين والماركسيين والمتدينين، فضلاً عن رصد هموم المرأة ومعاناتها مع المجتمع الذكوري، ومعاناتها تحت الاحتلال، والزواج المبكر والعنوسة، علاوة على الازدحام المروري في شوارع القدس والتلوث البيئي بسبب الحفريات وعمليات هدم المنازل، إلى الانتشار المكثف للاستيطان، والضرائب، والتمييز العنصري، والسيطرة على منازل الفلسطينيين من قبل المستوطنين الأغراب، وقضايا شتى.

وبهذا، فإن القراءة الفاحصة والنقدية لرواية "حرام نسبي" تُظهر قدرة الراوي المتميزة في توظيف مجمل الأدوات الفنية والتعابير التصويرية والأحداث المتسلسلة لخلق بنية متماسكة لنصٍ تتجلى عناصره في تشويق هادف، وفائدة داعمة لتعزيز الانتماء للقدس؛ باعتبارها مدينة مواجهة بين صاحب المكان الأصلي، واحتلال أوغل في التزوير والتهويد و"الأسرلة" وسواها، ولكن مقابل كل ذلك، لم تخل الرواية من بعض الأخطاء النحوية واللغوية، وتغليب تفاصيل بعض القضايا على أخرى.

المصدر : الجزيرة