محمود جدة.. عاشق القدس وفهرسها

محمود جدة يقول إن حياته بدأت بعد الإفراج عنه في صفقة للتبادل عام 1985 (الجزيرة نت)
محمود جدة يقول إن حياته بدأت بعد الإفراج عنه في صفقة للتبادل عام 1985 (الجزيرة نت)
أسيل جندي-القدس

تكاد لا تخلو جولاته التي يصطحب فيها الكبار والصغار للقدس القديمة من ضحكات يستذكر بها شقاوة الطفولة مع أصدقائه تارة، ومن آهات يطلقها تارة أخرى، متحسرا على ما آلت إليه حال القدس بعد مرور خمسين عاما على احتلالها.

إنه المقدسي ذو الأصول الأفريقية محمود جدّة الذي ولد في حي الأفارقة بالقدس من أب تشادي وأم أردنية، ويعتبره زوار المدينة فهرسا للقدس وجزءا من تاريخها الذي يرويه لهم منذ أخذ على عاتقه هذه المهمة عام 1987.

ولد جدّة يوم 20 مايو/أيار 1948، لكنه يصر على أن ميلاده الحقيقي كان يوم تحرره من سجون الاحتلال في الخامس من مايو/أيار 1985.

شغف منذ الطفولة
ترسّخ حب القدس بأحيائها وأزقتها لديه منذ الطفولة، وعن تلك الفترة يقول "تلقيتُ تعليمي بالمرحلة الابتدائية في مدرسة الفرير بباب الجديد، وكنت أسلك طريقي للمدرسة كل يوم من زقاق وعقبة مختلفة لأكتشف القدس أكثر، وعندما انتقلت لاحقا لمدرسة عبد الله بن الحسين في حي الشيخ جراح فعلت الشيء نفسه".

لدى جدة دفتر ملاحظات يدون فيه كل ما يستجد له من معلومات ويطلق عليه كشكولا (الجزيرة)

لم تمهل قوات الاحتلال جدّة للتعرف على القدس أكثر، إذ اعتقلته عام 1968 بتهمة الانتماء لتنظيم الجبهة الشعبية وتنفيذ عمليات مسلحة في كل من القدس والخليل وتل أبيب، ورغم صغر سنه فإنه تجرّع من حب القدس ما يكفيه في سنوات البعد عنها خلف القضبان.

يقول المواطن المقدسي إنه مكث وابن عمه فترة طويلة في التحقيق حيث تعرضا للإهانة والتعذيب الشديدين، وذات يوم ألبسهم السجانون ثيابا نظيفة ووضعوهما في غرفة فاخرة.

ويضيف جدة "فجأة دخل الغرفة رجل أنيق يفوح عطره من بعد أمتار، وعرّفنا بنفسه قائلا إنه السفير الفرنسي بإسرائيل، وعرض علينا الخروج من السجن خلال ثلاثة أيام لمسقط رأس آبائنا تشاد أو لفرنسا أو لغيرها من الدول، وأجبته حينها أنا أحب الخروج من السجن ولكن للقدس فقط، فضرب السفير بيده غاضبا على الطاولة وقال لي أنت مجنون، وغادر".

رغم توقعه بإنزال عقوبة السجن المؤبد أو الإعدام بحقه، فضّل محمود جدّة البقاء بالسجن على الخروج منه مبعدا عن مدينته التي احتلت عرش أحاديثه مع زملائه في السجون، قبل تحرره عام 1985 في صفقة تبادل للأسرى.

تعثرت دراسته الجامعية بعد التحرر لكنه عمل مع المؤسسات الحقوقية لكشف الانتهاكات الإسرائيلية بحق البشر والشجر والحجر في القدس، وكانت الصفعة القاسية التي تلقاها جدّة عندما رافق سيدة كندية أثناء اصطحابها السياح لتعريفهم بالقدس ليكتشف حينها أن معلوماته عن المدينة شحيحة.

بدأ الرجل منذ الثمانينيات حتى اليوم بسبر أغوار القدس العتيقة من خلال التجول والقراءة وتوثيق كل معلومة في دفتر أطلق عليه اسم "كشكول"، تراكمت فيه الصور والمعلومات عبر الحقب التاريخية، وبات اليوم فهرسه ورفيقه في كل جولة.

جدّة يفضل سؤال ضيوفه عن الأماكن التي يرغبون في زيارتها ويوجههم إليها (الجزيرة)

رغبة الضيوف
حول محتوى الجولات التي ينظمها، أشار جدّة إلى أنه يسأل عادة ضيوفه عما يرغبون في رؤيته بالقدس، وينظم جولته على هذا الأساس، لكنه يحرص على استهلالها بلمحة تاريخية عن هذه المدينة وقرار تقسيمها بالإضافة للمحة سريعة عن أحيائها وشوارعها.

يصحب جدّة للأماكن المقدسة المهتمين بها، وبينما يأخذ المهتمين بقطاع المياه لأسبلة القدس ويشرح لهم العنصرية في توزيع المياه بين سكان المدينة الفلسطينيين والإسرائيليين، يتجول مع المهتمين في الاقتصاد بأسواق البلدة القديمة ويطلعهم على الحوانيت التي أغلق أصحابها أبوابها بسبب الضرائب الإسرائيلية الباهظة، وهكذا يُبرز واقع المدينة وتفاصيل الحياة اليومية فيها دون إغفال تاريخها العريق.

يتمنى المرشد الفلسطيني أن يحلّ السلام على هذه المدينة قائلا "القدس هي عاصمة العالم، فإذا كان سكان المعمورة 7 مليارات نسمة، فهناك 5 مليارات على علاقة مباشرة بها وبمساحة البلدة القديمة التي لا تتجاوز كيلومتر مربع واحد فهي جمعت كل الحضارات والأديان، لكنها ما زالت تئن وتنتظر السلام".

المصدر : الجزيرة