عـاجـل: خلية الإعلام الأمني العراقي: القوات الأميركية المنسحبة من سوريا لم تحصل على موافقة للبقاء في العراق

التوراة وسرجون الثاني ومعركة رفح

تطلبت عملية تزوير وتلفيق تاريخ فلسطين القديم القيامَ بتلفيق موازٍ لتاريخ العراق القديم، وذلك عبر التلاعب بقراءة النقوش الآشورية بشكل خاص وتحريف منطوقها الأصلي، بحيث تصبح متطابقة مع رواية التوراة.

وهذا الأمر تطلّب أيضا أن يقوم علماء الآثار من التيار التوراتي بتزوير تاريخ مصر وسوريا، بحيث يصبح تاريخهما مطابقا للرواية التوراتية. وبذلك اكتملت ملامح "التاريخ البديل" المكتوب من وجهة نظر توراتية، وتم الترويج له كتاريخ حقيقي تعتمده مناهج التعليم في العالم العربي.

بدأت القصة في عام 1843 ميلادية، حين اكتشف القنصل الفرنسي في الموصل بول إميل بوتا ما زُعم أنها قلعة سرجون التي كانت تعرف باسم "شيروكين" على بعد اثني عشر ميلاً إلى الشمال الشرقي من الموصل.

وفي السنوات التالية استكمل دبلوماسي آخر، وهو لص آثار ولم يكن عالماً، يدعى "فيكتور بلاس"  التنقيب عن قصر سرجون، وتمكّن من الحصول على بعض النقوش، ثم سرعان ما قام بتهريبها سراً عن طريق البحر من شط العرب في البصرة جنوبي العراق إلى متحف اللوفر في باريس...

عمل ممنهج
في هذا الوقت، أي قبل نحو 200 عام تقريباً، بدأ علماء الآثار من التيار التوراتي العمل الممنهج لكتابة تاريخ بديل يشمل كل شعوب المنطقة. وفي قلب هذا العمل، كانت فلسطين حاضرة
.

سأعطي نموذجاً واحداً من بين مئات النقوش الآشورية التي قرئت خطأ بشكل مقصود، أو في أحسن الأحوال بطريقة خاطئة تنم عن الجهل في جغرافية المنطقة

سأعطي نموذجًا واحدًا من بين مئات النقوش الآشورية التي قرئت خطأ بشكل مقصود، أو في أحسن الأحوال، بطريقة خاطئة تنمّ عن الجهل في جغرافية المنطقة. ففي بريطانيا زعم هاري ساكز، وهو من أشهر علماء السومريات ومؤلف كتاب "عظمة بابل"، أن ما جاء في سفر الملوك الثاني (17: 3-6)  وفي سفر الملوك الثاني (18: 10) يتأكد من خلال نقوش سرجون الثاني (722-705 ق.م) فهو خاض معركة قاسية في "رفح" الفلسطينية ضد المصريين، وأن الملك المصري -أو الجنرال- الذي يدعى الملك سو هُزم أمام سرجون الثاني، وأن رواية سفر إشعيا الشعرية تدعم هذا التصور، فقد دفعت مصر الجزية لآشور، وألقي القبض على الملك المصري المهزوم وأخذ مصفداً بالأغلال.

لقد شاعت هذه الرواية شأنها شأن عشرات الروايات المزيفة في كتب التاريخ، وضمن مناهج التعليم الجامعي في العالم العربي.

ما من باحث في التاريخ إلا وردد هذه الأكاذيب نقلاً عن هاري ساكز، دون أي تدقيق أو فحص أو تأمل في الوقائع المتناقضة. في الواقع لا توجد في السجلات المصرية على وجه الإطلاق أي واقعة من هذا القبيل، فلا مصر اصطدمت بسرجون الثاني ولا دفعت الجزية له، وليس لديها ملك مهزوم مصفد بالأغلال عند الآشوريين.

وطبقاً لنقوش سرجون الثاني، فلم تكن لمعركة رفح أي أهمية إستراتيجية أو عسكرية في تاريخ الشرق القديم، لأنها معركة صغيرة في سياق معارك كبرى خاضها سرجون الثاني في "أرض المعينيين". لكن التيار التوراتي، ولتضخيم تاريخ إسرائيل القديمة، ضخّم أهمية هذه المعركة وربطها زوراً بتاريخ فلسطين.

فأين وكيف حدث التلاعب؟ كان اسم مملكة معين الجوف اليمني في عصر سرجون الثاني، هو "معين مصرن- معين مصرن". وهذا هو الاسم التاريخي الذي سجلته النقوش المسندية والآشورية، بينما كان اسم مصر -البلد العربي المعروف- في هذا العصر هو "إيجبت- بلاد القبط". ولأن نقوش سرجون تتحدث عن معاركه في "أرض المعينيين" فسوف يبدو أمراً منطقياً أنه اصطدم بممالك حمير وسبأ، وكانت في هذا العصر ممالك صغيرة (توحدت تالياً في مملكة واحدة عام 650 ق.م مع كرب إيل وتر).

كل هذه الأماكن وأسماء الشخصيات جرى إسقاطها والتستر عليها، والاكتفاء بتقديم رواية مقتضبة يرد فيها اسم "رفح" و"مصر"، للتأكيد فقط على أن التوراة كانت تسجل وقائع التاريخ القديم في فلسطين

هاكم النقش الأصلي (وهو واحد من مئات النقوش وكثير منها يتحدث عن رفح وسبأ ومصرن).

يقول سرجون الثاني حرفياً: "... والتي جعل ضباطها وقوادها يسيطرون عليهم كلهم، وفرض الجزية والضرائب، محارب مقدام ذاك الذي واجه وتسبب في هزيمة هام بني جاس (Ham bani gash) في ضواحي ذعر (Dêr)، محارب مقدام ذاك الذي غزا أهل معن يثع (Tu'muna) وعزل رؤساءهم وأحضرهم بين يدي ملك خالد (Chaldea)، الذي دمر أرض بيت حمير (Bît-Hamuria) الشاسعة وفي رفح (Rapihu) وكان السبب في هزيمة مصر (ن) وأحضر حنانيا (Hanûnu) (Hanno) ملك غزة مقيدا إلى آشور، إنه غازي شعب ثمود (Tamud) وخيابة ومرسومي وعبابيدي (Ibadidi , Marsimani Haiapa) وتم إخراج من تبقى منهم ليستوطنوا في وسط بيت حمير (Bît-Humria)".

أسماء وإسقاطات
كل هذه الأماكن وأسماء الشخصيات، جرى إسقاطها والتستر عليها، والاكتفاء بتقديم رواية مقتضبة، يرد فيها اسم "رفح" و"مصر" للتأكيد فقط على أن التوراة كانت تسجل وقائع التاريخ القديم في فلسطين
.

وبالطبع، لا يمكن تصديق هذه القراءة أو قبولها بأي صورة من الصور، لأن رفح ليست في وسط أرض حمير الشاسعة. ولم تكن على مقربة من مملكة معين وملكها يثع، كما أن رفح الفلسطينية لا تعرف قبائل ثمود، هذه أسماء أماكن وملوك اليمن.

لقد ترك لنا الهمداني (صفة جزيرة العرب، فصل ما وقع باليمن من جبل السراة) وصفاً دقيقاً لرفح اليمن على النحو التالي: "مخلاف مأذن من حضور المعلل وحقل سهمان ويعموم وبيت نعامة وبيت حنبص ومحيب ومسيب وحاز وبيت قرن وبيت رفح والحيفة من ظاهر همدان".

وهذه المواضع تقع اليوم في محافظة صنعاء، مديرية بنى مطر، وعزلة بنى الراعي، وقرية مسيب الخارجية. أي في المكان نفسه الذي يتحدث عنه النقش الآشوري.

وهاكم نقشاً آخر لسرجون الثاني حول معركة رفح:

"في السنة الثانية من حكمي حشد إيلو بادي (ilu-bidi) في حمش-الخمس (Hamath) الشاسعة وعلى تخوم مدينة قرقر (Karkar). وسبأ هبت لنجدة ملك (منطقة ثور) وتوجهوا لمساعدة حنانو (Hantini)، ثم جاء لمواجهتي يعرض علي قتالا ومعركة. يا سيدي الرب، لقد سحقتهم بأمر من آشور. وفر سبأ هاربا كراعٍ هجره قطيعه، ثم هلك وحيدا بيدي، أسرت حنانو، اقتدته إلى مدينتي آشور مقيدا بالسلاسل. سويت مدينة "رفح" بالأرض، دمرتها، أضرمت فيها الحرائق؛ هجرت 9.033  من سكانها، هُم وممتلكاتهم".

فهل كانت مملكة سبأ على حدود "رفح" الفلسطينية؟ وهل كانت مصر حليفاً لسبأ، وبحيث إنها سمحت لملك سبأي مغمور يدعى "إيل بدي" أن يحشد قواته على حدودها؟

هذه الأكاذيب كان لها غرض واحد: تصنيع صورة "لضحية" تحتكر الفاجعة التاريخية، وتغدو نموذجا بطوليا.
أكاذيب
هذه الأكاذيب كان لها غرض واحد: تصنيع صورة "لضحية" تحتكر الفاجعة التاريخية، وتغدو نموذجا بطولياً
.

لقد قاد التيار التوراتي في علم الآثار جهود ونشاطات التنقيب في فلسطين، بحثًا عن أي دليل يؤكد تصوراته هذه، وكان بحاجة ماسّة "لتلفيق" تاريخ من صنعه، يجعل من فلسطين مسرحاً لمعارك وحروب كبرى خاضتها إمبراطوريات المنطقة، حتى لو تطلب ذلك تزييف تاريخ بلدان أخرى. وكان ذلك كافياً -من وجهة نظرهم- لإقناع اليهود في سائر أرجاء أوروبا بأن إسرائيل القديمة، التي زعموا أنها قامت ذات يوم في أرض فلسطين، واجهت بشجاعة لا مثيل لها كل التحديات والأخطار.

وفي صلب هذا العمل المنظم جرى "اختلاق" قصة السبي البابلي. لقد كانوا بحاجة لصنع صورة لإسرائيل القديمة بوصفها "ضحية" تتمتع بكل المواصفات اللازمة للمأساة الكبرى. إنها ضحية فريدة في نوعها لأن عذابها قديم ومتواصل.

معركة "رفح" التي تحدثت عنها نقوش سرجون الثاني لم تحدث قط في فلسطين. لقد جرى إلصاقها بتاريخ فلسطين ومصر لتأكيد أكذوبة أن فلسطين هي "أرض الميعاد".

إن تصحيح تاريخ فلسطين وتشذيبه من التلفيق، يتطلب إعادة قراءة نزيهة للنقوش الآشورية.

المصدر : الجزيرة