سياسات إسرائيل بين بدو النقب وبدو القدس

عادت وأكدت الأحداث الأخيرة في قرية أم الحيران القرية البدوية في النقب "غير معترف بها إسرائيليا" أن إسرائيل لا تفرق بين البدو حاملي الجنسية الإسرائيلية وأقاربهم البدو الفلسطينيين. إسرائيل لديها مخطط واحد بما يخص البدو، إخلاء البدو من أماكن سكنهم، وتركيزهم في مناطق محددة جهزت وخططت مسبقا ليتم تجميعهم بها.

في المقابل، يجري الاستيلاء على مناطق سكنهم إما لتوسعة المستوطنات كما يحدث في الضفة وكما هو مخطط في المناطق المحيطة بالقدس والمعروفة باسم E1، أو لإقامة بلدات يهودية كما هو الحال مع قرية أم الحيران، باختصار: المخطط والهدف واحد والأدوات والقوانين مختلفة، لكن النتائج متشابهة.

تابع الفلسطينيون بشكل عام وفلسطينيو الداخل الفلسطيني بشكل خاص أحداث قرية أم الحيران في صحراء النقب بقلق بالغ، وكانت ردة فعل فلسطينيي 48 على ما حدث قوية، لكن يبدو أن السلطات الإسرائيلية مصممة على المضي قدما بمخططها.

أم الحيران هي واحدة من عشرات القرى البدوية غير المعترف بها في النقب، كل البيوت بها "غير قانونية"، وسكانها –كما الأغلبية الساحقة من البدو- لا يملكون إثباتا لملكية الأرض التي يسكنون عليها، فجاءت الشرطة الإسرائيلية وبدأت بهدم عدد من البيوت، وقُتل أحد السكان البدو هناك بادعاء تنفيذ محاولة دعس، ثم تبين فيما بعد أنه لا أساس لهذا الادعاء.

ما حدث في أم الحيران حدث في عشرات المرات قرية العراقيب وغيرها من قرى النقب أيضا سابقا، وحدث مئات المرات في الضفة الغربية وفي محيط القدس بشكل خاص، عشرات بيوت البدو هدمت، وعشرات العائلات من البدو هُجّرت

ما حدث في أم الحيران حدث في عشرات المرات قرية العراقيب وغيرها من قرى النقب أيضا سابقا، وحدث مئات المرات في الضفة الغربية وفي محيط القدس بشكل خاص، عشرات بيوت البدو هدمت، وعشرات العائلات من البدو هُجّرت وانتقلت للعيش في أماكن أخرى.

إسرائيل قررت أن البدو في النقب أو في محيط القدس يجب أن يعيشوا في قرى تُعدها وتُخططها هي، لتضعهم بها حسب رؤيتها وتسيطر على الأرض التي يقطنون عليها.

بدو النقب
وفقا لتاريخ قبائل البدو، قامت السلطات الإسرائيلية منذ سنة 1949 بتهجير غالبية بدو النقب من أراضي أجدادهم، وشمل ذلك بدو الجهالين في منطقة تل عراد. وقد نزح عرب الجهالين من أراضيهم القبلية إلى أطراف صحراء النقب قبل أن يتفرقوا في اتجاهات عدة نحو الأردن وغزة والضفة الغربية في سنة 1951 وبقوا في منفاهم القسري بعيدا عن أراضيهم القبلية حتى الآن.

يعيش اليوم في النقب حوالي 220 ألفا من البدو الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، أكثر من نصفهم في قرى بصحراء النقب ويقيمون في 6 قرى معترف بها، وفي 36 قرية أخرى غير معترف بها يعيش بها حوالي مئة ألف إنسان، وهم ولا يستفيدون من معظم الخدمات البلدية، لأن السلطات الإسرائيلية لا تعترف بهذه القرى.

في عام 2011 أقرت الحكومة الإسرائيلية خطة لتوطين البدو في النقب عرفت باسم "خطة برافر" التي كانت تهدف إلى ترحيل آلاف البدو العرب من قراهم في النقب وإعادة توطينهم في مجمعات سكانية أخرى حضرية.

وقالت الحكومة الإسرائيلية إنها تستثمر ملايين الشواكل لانتشال البدو من الفقر وتحسين مرافق البنية الأساسية وخدمات التعليم والرعاية الصحية التي يحصلون عليها، ورفض البدو هذه الخطة التي تتضمن نزع أراضيهم ومصادرة أكثر من ثمانمئة ألف دونم من أراضي عرب النقب وتغيير أسلوب حياتهم.

بأي حال، ونظرا للمعارضة السياسية الداخلية الشديدة تراجعت الحكومة الإسرائيلية عن هذه الخطة، لكنها أبقت على الهدف وهو توطين ثلاثمئة ألف يهودي بالنقب خلال السنوات العشر المقبلة.

إسرائيل تستعمل قانون التنظيم والبناء الإسرائيلي في النقب، ولا تعترف بملكية البدو للأرض التي يسكنونها وتعتبرها "أملاك دولة"، ولا توجد مخططات تنظيمية لهذه القرى، وبالتالي يستحيل أن يحصل البدو على رخص لبيوتهم مما يجعلها عرضة للهدم لأنها بيوت "غير مرخصة وغير قانونية"، وهذا ما حدث مؤخرا في أم الحيران وغيرها من القرى غير المعترف بها.

بعد إلغاء خطة برافر، هدمت السلطات الإسرائيلية ألف مبنى في النقب عام 2016 و1.076 مبنى في عام 2015، وهذا يؤكد مسعى السلطات الإسرائيلية واستمرارها بالنهج نفسه مع وجود خطة معلنة للترحيل أو عدم وجودها.

بدو محيط القدس
جرى تسجيل غالبية البدو الذين قدموا إلى الضفة الغربية كلاجئين لدى الأونروا منذ أواسط سنة 1951 وما بعده، ولكن البدو لم يسعوا للإقامة في مخيمات اللاجئين بل حافظت غالبية العائلات على اقتصادهم الرعوي التقليدي وبحث العديد منهم عن المراعي المعزولة والموارد المائية الطبيعية في وسط الضفة الغربية.

منذ سنة 1967 وما تلاها أصبحت تحديات الحياة اليومية تتفاقم أمام البدو في ظل الاحتلال الإسرائيلي، حيث تم تكريس قطاعات واسعة من الضفة الغربية للاستخدام العسكري وبناء المستوطنات الإسرائيلية، مما حد مباشرة من قدرة البدو في التنقل والوصول إلى المراعي والموارد الطبيعية، لكن الخطر الأكبر على البدو كان موضوع إعلان مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية كأراضي دولة وانعدام إمكانية إثبات ملكيتهم للأراضي وبالتالي بقاؤهم دائما تحت خطر الهدم.

حتى أواسط التسعينيات من القرن الماضي، أدى التقييد المتصاعد للحركة وتنامي انعدام الأمن الاقتصادي نتيجة نقص القدرة على الوصول إلى الموارد الطبيعية، وتواصل التهديد بالهدم الإداري للبيوت والمساكن، اضطر البدو الفلسطينيون إلى الاستقرار في مناطق معينة دون إمكانية تحرك كبيرة، لكن القدر شاء أن تكون هذه المناطق التي استقروا فيها ستصبح من أهم المناطق الجغرافية الإستراتيجية في الأرض المحتلة، خاصة المناطق المحيطة بالقدس المعروفة ب E1 ومناطق غور الأردن.

منذ 1997 وما تلاها، قامت السلطات الإسرائيلية بترحيل حوالي 150 أسرة من اللاجئين الفلسطينيين البدو المعتمدين على المواشي والمقيمين في المنطقة جيم في محيط القدس

اتفاقية أوسلو الموقعة سنة 1995 أقرت بأن جميع التجمعات البدوية المحيطة بالقدس توجد ضمن المنطقة جيم التي تم تعريفها في ذلك الحين (تضطلع إسرائيل بالمسؤولية الإدارية والأمنية الكاملة في المنطقة "ج" التي تزيد مساحتها عن 60 % من مجمل أراضي الضفة الغربية وتؤوي ما يقرب من ثلاثمئة ألف فلسطيني) حيث جرى تحويل الأراضي التي كانوا يقيمون فيها إلى السيطرة العسكرية والمدنية الإسرائيلية الكاملة بموجب الاتفاق.

وبالتالي زاد هذا الاتفاق من معاناة بدو القدس، خصوصا أنهم لم يملكوا أي إثباتات لملكية الأرض التي يقيمون عليها بسبب إما إعلان هذه الأرض أراضي دولة أو بسبب عدم اعتراف السلطات الإسرائيلية بأوراق الملكية التي بحوزتهم.

منذ 1997 وما تلاها، قامت السلطات الإسرائيلية بترحيل حوالي 150 أسرة من اللاجئين الفلسطينيين البدو المعتمدين على المواشي والمقيمين في المنطقة جيم في محيط القدس. جميع هذه الأسر من قبيلة الجهالين، وطردت السلطات الإسرائيلية غالبيتهم من التجمعات العائلية الريفية المنتشرة في محيط القدس لإتاحة المجال لتوسيع مستوطنة معاليه أدوميم، وأصبح الموقع الذي نقلوا إليه اليوم ملحقا بالبلدة الفلسطينية العيزرية، ويعرف رسميا باسم قرية عرب الجهالين.

في سنة 2005، شرعت الإدارة المدنية الإسرائيلية بإجراء نقاش مع ما تبقى من تجمعات اللاجئين الفلسطينيين البدوية الريفية التي يبلغ عددها حوالي 2300 فرد، والموجودة داخل الحدود البلدية لمستوطنة معاليه أدوميم، بشأن ترحيل بقية الفلسطينيين المقيمين في المنطقة إلى مواقع بديلة على "الجانب الفلسطيني" من الجدار، إلا أن النقاش توقف بعد أن أدى الضغط الدبلوماسي إلى تجميد الخطة المعروفة بـ "خطة شرق1" الساعية إلى توسيع مستوطنة معاليه أدوميم.

خطط النقل والتوطين ضد بدو المنطقة لم تتوقف، ففي 2011 استأنفت الإدارة المدنية الإسرائيلية دراستها للمواقع التي يمكن أن ترحل البدو الفلسطينيين إليها وأكدت للأمم المتحدة نيتها ترحيل التجمعات المتبقية إلى خارج محيط مدينة القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، ووضعت الإدارة المدنية الإسرائيلية خططا لإقامة "قرية بدوية" كبيرة الحجم في منطقة النويعمة في محيط أريحا.

بعد ذلك وفي أبريل 2014، أعلنت السلطات الإسرائيلية خطة لإعادة توطين التجمعات البدوية التي تعيش في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، منها محيط القدس في ثلاث ضواحي حضرية في منطقة أريحا، وحسب الخطة سيتم تجميع مجموعات كبيرة من البدو من هذه المناطق ونقلهم إلى هذه الضواحي دون أي اعتبار لطريقة الحياة البدوية وأسلوب المعيشة المختلف عن غيره.

في بعض الأحيان تقوم إسرائيل بتجربة سياسة معينة لدى بدو شرقي القدس لترى انعكاساتها ثم تجربها مع التعديل مع بدو النقب والعكس صحيح، فالهدف دائما إعادة التوطين في أماكن أعدتها إسرائيل 

الوضع القانوني
من ناحية قانونية، يختلف موقف بدو النقب عن بدو محيط القدس، فبدو محيط القدس يعتبرون سكانا واقعين تحت الاحتلال، وبالتالي هم محميون حسب القانون الدولي الإنساني واتفاقياته وبروتوكولاته، كما يسري عليهم اتفاقيات حقوق الإنسان المختلفة التي تؤكد على حق السكن وحق احترام خصوصية أسلوب الحياة وطريقة المعيشة.

القانون الدولي الإنساني واتفاقياته منعت بشكل قاطع نقل السكان من مكان إلى آخر إلا في حالات نادرة وعند وجود حالة أمنية وعسكرية ملحة جدا. حيث يحظر القانون الدولي الإنساني النقل القسري للفلسطينيين داخل الأرض المحتلة، بموجب المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة، وتعتبر مخالفات جسيمة بموجب المادة (147) للاتفاقية.

بالنسبة للبدو في النقب، وبسبب حملهم للجنسية الإسرائيلية وبقائهم ضمن حدود 48 فإنهم لا يعتبرون مواطنين محميين، ويسري عليهم القانون الإسرائيلي وكذلك قانون حقوق الإنسان، ولا يسري عليهم القانون الدولي الإنساني، ويمنع القانون الإسرائيلي المس بالحقوق بالسكن ولا يسمح بالتمييز، كذلك أكدت أكثر من لجنة في الأمم المتحدة بحثت موضوع بدو النقب أن نقل البدو من أراضيهم ومناطق سكنهم التقليدية لها تداعيات وتأثيرات على حقوق الإنسان وحقوق البدو في هذه المناطق.

خلاصة
رغم الاختلاف الشكلي لسياسات إسرائيل بأذرعها المختلفة المدنية والعسكرية تجاه بدو النقب وبدو محيط القدس الشرقية، ورغم اختلاف الوضع القانوني للمجموعتين، فإن الناظر بتمعن إلى السياسات يراها في كثير من الأحيان واحدة بالمضمون مختلفة بالشكل، في بعض الأحيان تقوم إسرائيل بتجربة سياسة معينة لدى بدو شرقي القدس لترى انعكاساتها ثم تجربها مع التعديل مع بدو النقب والعكس صحيح، فالهدف دائما إعادة التوطين في أماكن أعدتها إسرائيل بعد دراسة لتجميع البدو في أماكن تريدها هي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة