المقدسية لواحظ الشيوخي.. أم الأسرى والشهيد

المقدسية أم فراس فقدت ابنها الشهيد علي (يسار) في أكتوبر/تشرين الأول الماضي ثم اعتقل شقيقه التوأم محمد باليوم التالي (ناشطون)
المقدسية أم فراس فقدت ابنها الشهيد علي (يسار) في أكتوبر/تشرين الأول الماضي ثم اعتقل شقيقه التوأم محمد باليوم التالي (ناشطون)

هنادي قواسمي–القدس

حينما زرناها في بيتها في سلوان، كانت المقدسية لواحظ الشيوخي (أم فراس) تحمل بيديها كيسين، الكيس الأول فيه أدويتها التي يجب أن تلتزم بها يوميا، والثاني فيه أرشيف الاعتقالات لأولادها، وبروتوكولات المحاكم وقراراتها، وتقارير الصليب الأحمر.

ما بين محكمة وأخرى، وما بين زيارة أسير وآخر، فقدت المقدسية أم فراس (58 عاما) الكثير من صحتها في السنوات السبع الأخيرة، فقد خاض أبناؤها الخمسة (فراس والتوأم محمد وعلي، وفارس وسعاد) تجربة الأسر في سجون الاحتلال أو الحبس المنزلي لفترات متفاوتة.

في بداية العام 2016، وبعد أن أنهى ابنها علي (20 عاما) محكوميته في سجون الاحتلال لمدة 16 شهراً، التأم شمل العائلة مجدداً. بدا أن الوقت قد حان للفرح، فلا أحد في السجون، لا زيارات ولا محاكم بعد الآن، الأبناء مشغولون في أعمالهم وخططهم المستقبلية. خطبت لواحظ لابنها البكر فراس، وانشغل علي بتعويض ما فاته من تعليم خلال فترة سجنه، والتحق فارس ومحمد بسوق العمل.

أسير فشهيد
لم يدم الفرح طويلا، فقد تعكر سير الحياة "الطبيعية" تلك، بعد أن استشهد علي يوم 12 أكتوبر/تشرين الأول 2016 برصاص جنود الاحتلال خلال مواجهات شهدتها بلدة سلوان. كانت الصدمة كبيرة للعائلة وللأم بالأخص، فقد استشهد ابنها ودفن خلال ساعات معدودة، وسارع الأصدقاء إلى تشييعه ودفنه ليلا خوفاً من احتجاز جثمانه من قبل سلطات الاحتلال.

لواحظ الشيوخي مع ابنها الشهيد علي الشيوخي (ناشطون)

استشهد علي قبل شهر بالضبط من موعد زفاف أخيه فراس، بينما كان منشغلا وفرحاً في التحضير للفرحة الأولى التي ستدخل على قلب أمه بعد هذه السنوات العجاف. تقول لواحظ في حديثها للجزيرة نت "كنت أشعر أن عليا هو العريس، كان متحمساً جدا للعرس، حجز قاعة الأفراح في نفس يوم ميلاده (11 أكتوبر/تشرين الثاني)، وحجز لأخيه عند صالون الحلاقة، وكان يقول له سأعلّمك الرقص".

وبعد رحيل علي، اضطرت العائلة إلى إلغاء حفل الزفاف، واكتفت بلمّة مصغرة للعائلة، باركوا فيها للعروسين. تقول أم فراس "حتى لو أجلت العرس لبعد سنة.. فكرك الحزن بروح؟".

ورغم أن الشهيد علي كان قد خرج حديثا من سجون الاحتلال، فإنه كان مليئاً بالحماسة ومصراً على تعويض كلّ ما فاته في مسيرته التعليمية. تقول أم فراس "بفعل الملاحقات المتتالية خسر علي تعليمه، ولم يستطع إكمال التوجيهي". ولذلك كانت أولى مخططاته بعد خروجه من السّجن أن يقدم امتحانات التوجيهي (الثانوية العامة) ويلتحق بالجامعة في تخصص القانون.

وتقول أخته سهى "كان متأثراً بما جرى معه ومع أبناء سلوان من اعتقالات فأحبّ أن يكون محامياً يدافع عن الأسرى". أما والدته لواحظ فتروي أنه بعد الخروج من السجن كان شديد الاهتمام بدراسته، وكان وقته مقسماً بين الدراسة والعمل.

تقول أم فراس "بدأت حياة الملاحقة عند علي وعند شقيقه التوأم محمد وهما في عمر 12 و13 عاماً، كانت الشرطة تعتقلهما لبضع ساعات، فأذهب وأوقع على كفالة ليخرجا، إلى أن وقع الاعتقال الأطول، فقضى محمد في السجن 11 شهرا متواصلاً، وقضى علي 16 شهراً". هذا بالإضافة إلى فراس الذي قضى في السجون 25 شهرا، وسعاد التي قضت 18 شهراً في الاعتقال الإداري.

الأسير محمد الشيوخي حكم بالسجن عشرة أشهر بتهمة التحريض عبر فيسبوك (ناشطون)

ضربتان موجعتان
ولم تكد أم فراس تستوعب خبر رحيل ابنها علي حتى داهمت شرطة الاحتلال منزلها واعتقلت شقيقه التوأم محمد (20 عاما) 
بعد استشهاده بيوم واحد فقط. وقد أصدرت محكمة الصلح الإسرائيلية بحقّه يوم الخميس الماضي حكماً بالسجن الفعليّ لمدة 10 شهور، وذلك تحت زعم "التحريض على العنف" عبر حسابه على فيسبوك.

عن هاتين "الضربتين" تقول أم فراس "اليوم أفتقد رجلين في البيت، أحدهما تحت التراب، والثاني خلف القضبان". وتضيف "إسرائيل فوق القانون، لم يكد قلبنا ينكسر على فقدان الشهيد علي حتى أخذوا محمد"، وترى أن ذلك ينضم إلى سلسلة طويلة من سياسة تعتمد استهداف عائلات الشهداء كطريقة لإحباطهم وكسرهم.

وبحسب المحامي محمد محمود الذي تولى الدفاع عن الشيوخي، فقد شملت لائحة الاتهام التي قُدمّت ضدّ موكله الإشارة إلى 12 منشوراً من منشوراته على حساب فيسبوك على مدى عام كامل، تتهمه النيابة الإسرائيلية العامة بأنه يحرض من خلالها على "العنف والإرهاب" ويعبر في أحدها عن دعمه "لمنظمات إرهابية" بعد أن اتهم بداية بنيّة الانتقام لأخيه الشهيد.

المصدر : الجزيرة