قراءة في الرد الفلسطيني على القرار الأميركي

تُثْبِتُ القدس مع كل حدث وحراك وموقف دولي أنها عاصمة القلوب، وتلك التي لا يمكن أن يمر حدث يخصها مرور الكرام، هي القدس بحجارتها وشبابها لا تقبل بأنصاف الحلول ومحاولات التمرير.

ارتعدت قلوب المريدين والمحبين لهذه المدينة المقدسية بعد قرار رئيس أميركا القاضي باعتراف بلده بالقدس عاصمة للكيان المحتل، مما أثار حفيظة كل حر في كل مكان من هذا العالم، كيف لا وهي القدس مهبط الديانات ومهجة القلوب.

في هذا المقال سنرصد ردود الفعل الرسمية والشعبية الفلسطينية وما قامت به كل جهة وما يمكن أن تفعله كل مؤسسة سواء كان ذلك قابلا للتحقيق أو غير قابل، في هذا المقال سنغوص وإياكم في تحليل ردود الأفعال ما هو صادق وما هو مصطنع، الأمر الذي سيجعلنا أكثر قربا من الحكاية لنرى الأمور بعيون القدس التي تعرف ويعرف حجارتها وأهلها خطاب الغث من السمين... الجاد من اللاهث... اللاعب من المتلاعب.

سأقسم في هذا المقال ردود الفعل إلى ثلاثة أقسام، هي الموقف الفلسطيني الذي سأقسمه لثلاثة محاور؛ هي الموقف الرسمي الفلسطيني وهو موقف حركة فتح وموقف المعارضة الفلسطينية ممثلا بموقف حركة حماس، بالإضافة إلى الموقف الشعبي الفلسطيني الذي سيقسم لموقف القدس وأهلها وحده وموقف باقي المدن.

يجب أن نشير بوضوح إلى أن قرار ترمب مرر بعد التمهيد له ونشر الكثير من التصريحات والأخبار المسبقة حوله، فخلال أسبوعين سرَّب البيت الأبيض أكثر من خبر تحت عنوان " نية" الولايات المتحدة الأميركية نقل السفارة

الموقف الرسمي
يجب أن نشير بوضوح إلى أن قرار ترمب مرّر بعد التمهيد له ونشر الكثير من التصريحات والأخبار المسبقة حوله، فخلال أسبوعين سرَّب البيت الأبيض أكثر من خبر تحت عنوان "نية" الولايات المتحدة الأميركية نقل السفارة، نُفِيَ الخبر ليتحول لاعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة للمحتل، وتحدث الساسة والإعلاميون وأشبعوا الأمر تحليلا وتوقعات.

في هذه الأثناء كانت الدول العربية الكبرى تعرف الحقيقة، فدعت السعودية الرئيس الفلسطيني والقيادة الفلسطينية وأعلمتهم بالقرار وبأنه لا مناص من هذا الإعلان، وجلست السلطة في مقرها المحاصر أصلا في رام الله تنتظر فقط إعلان القرار، وكل ما قامت به السلطة (إجراء اتصالات) مع قادة دول تعرف مسبقا بالقرار، ولم تطلق السلطة سوى التحذيرات التي نعلم يقينا (كفلسطينيين) وعرب أنها لا تتعدى النشاط الإعلامي الذي لا يمكن أن يتجاوز السقف الأعلى وهو الشجب والاستنكار الذي لا يغني في عالم السياسة شيئا.

صدر القرار (الوقح) من أميركا التي تقف مع الاحتلال وخلفه وبجواره في كل قراراته، واستشاط الجميع غضبا من هذه الوقاحة وهذا الصلف، وجلسنا خلف (التلفاز) ننتظر الرد الرسمي الفلسطيني محاولين أن نقنع أنفسنا أن شيئا يمكن أن يحدث رغم "قناعتي الشخصية" بأن شيئا لن يحدث، فمن يريد أن يعمل ويتحرك كان يجب أن يتحرك قبل القرار الذي كان معروفا للجميع.

خرج الرئيس (جالسا) وألقى بيانا (مكتوبا)، وكانت تعابير وجهه (هادئة) وتلا البيان الذي لم يحمل أي إجراء عملي، معلنا أن القيادة ستجتمع خلال الأيام القادمة لبحث تداعيات الموقف، انتهى الخطاب من دون دعوة الشارع للغضب، ومن دون أن يشعر المواطن بشيء، ونقل الرئيس والقيادة (الإحباط) للشارع وبتنا مقتنعين أن سقف السلطة هذا البيان وبضع مسيرات تخرج عفوية يعبر المواطن عن غضبه بطريقة (سلمية).

مسيرات خجولة خرجت ليلة الأربعاء-الخميس تشتم أميركا ولم تسجل حالة اشتباك واحدة في تلك الليلة فعلمت أن الأمر سيتم احتواؤه كما توقعت

مقابلات كثيرة تمت مع قادة في السلطة، (صائب عريقات)، وكذلك غيره، لم يخرج عن اللغة الدبلوماسية ولم يتحدث إلا عن إحباطه الذي نقله للشارع وكأنهم يريدون أن يقولوا هذا القرار أكبر منا ولا يمكن أن نفعل شيئا.

مسيرات خجولة خرجت تلك الليلة ليلة الخميس من يوم الأربعاء تشتم أميركا وحالة اشتباك واحدة لم تسجل ليلتها، فعلمت أن الأمر سيتم احتواؤه كما توقعت.

اليوم التالي وهو يوم الخميس 7/12 لم تخرج علينا السلطة بأي بيان تتحدث فيه عن (إجراءاتها) التي تنوي القيام بها وما ستفعله على العكس خرج الإعلام الإسرائيلي ليكشف (ما نعرفه) وهو معرفة السلطة والدول العربية المسبقة بالقرار، وكانت المسيرات بالضفة الغربية التي أعلنت فيها الفصائل الفلسطينية "باستثناء حماس الغائبة عن المشهد السياسي بالضفة منذ انقسام 2007 الإضراب الشامل.

هذا الإجراء الذي عبر أغلب الشارع الفلسطيني عن رفضه له وعدم جدواه فلماذا تغلق المدارس والجامعات والمؤسسات التي يمكن بوجودها أن يكون الحراك الجماهيري أكبر وأكثر وكأن الأمر مدبر أن يكون حجم الحراك (تحت السيطرة). وخرجت بيانات الفصائل خجولة كموقف القيادة دون الدعوة الواضحة (لانتفاضة) ومواجهة المحتل وانفض الجمع بعد الاستماع لهذه البيانات والتقاط الصور وإجراء المقابلات، مع حديث في الشارع عن هذه الركاكة في الخطاب وحجم التحرك.

كثيرة الخيارات التي تملكها السلطة الوطنية الفلسطينية خاصة أن الشعب والشارع والفصائل الفلسطينية ستقف لتحمي موقف السلطة الذي يعبر عن رأيهم

إمكانيات السلطة
هذا السؤال الذي يجب ألا يسأل (أصلا)، ولكنه كان حاضرا لدى بعض الذين يبررون ويريدون الدفاع عن موقف السلطة، ولهم يقول الشارع كل شيء يمكن أن تفعله السلطة، فكثر خرجوا يطالبون السلطة بعمل غير مسبوق (كحل السلطة الوطنية الفلسطينية) وأن هذا الإجراء الذي لن يقبل دوليا وسيكون له تداعياته الكبيرة وسيقف الشرق الأوسط على قدميه، وهناك من طالب بالإعلان بشكل كامل وحقيقي موت (أوسلو) وسحب السلطة اعترافها بالاحتلال وقطع التنسيق الأمني وخلق حالة من الفوضى ستؤدي لتداعي العالم بأسره، ولكن هذا لم يحدث ولن يحدث، وهناك من طالب السلطة بموقف جاد من الولايات المتحدة يقضي بقطع العلاقات وإعلانها طرفا محتلا كالاحتلال.

كثيرة الخيارات التي تملكها السلطة الوطنية الفلسطينية، خاصة أن الشعب والشارع والفصائل الفلسطينية ستقف لتحمي موقف السلطة الذي يعبر عن رأيهم، تخيل موقفا قويّا يؤدي لدعم مطلق من الكل الفلسطيني وتحديدا الشعب الذي سيخرج كله يهتف ويرفع صور قادته، وهنا لا أطالب فتح أو السلطة إعلان الانتفاضة المسلحة والثورة المسلحة، فقط مقاومة سلمية حقيقية كانتفاضة الحجارة 1987 كفيلة بقلب كل الدنيا وتغير المعادلة.

حماس والمعارضة
سأتطرق لموقف المعارضة الفلسطينية وتحديدا حركة حماس التي خرج قائدها إسماعيل هنية من قطاع غزة المحاصر (واقفا) متحدثا (ارتجالا) بوجه بدا عليه الغضب والشدة والحدة (ملوحا) بيده بعد كل جملة (داعيا) لانتفاضة عارمة وحالة غضب مطالبا (استلهام) روح الانتفاضة الأولى التي تصادف ذكراها يوم الجمعة 8/12، وهو اليوم الذي طالب فيه أن يكون اليوم الأول في انتفاضة (حرية القدس) معلنا أنه أوعز لعناصر تنظيمه بالبدء والإعداد لهذه الانتفاضة في ظل هذه الأجواء.

الانتفاضات لا تقوم ولا تحدث بدعوات ومطالبات، الانتفاضات يا سادة هي رد فعل جماهيري غير معد له يحدث فجأة بلا مقدمات ولا دعوات، فالانتفاضة الأولى لم يرتب لها أحد

ما قاله السيد هنية وما عبرت عنه حركة حماس هو نبض الشارع الفلسطيني، وهو ما تصبو له عيون العرب، وما يريده كل حر يرفض الظلم الذي أرادته أميركا، وهو موقف الشعوب من هذا النظام، ولكن الواقع للأسف مختلف.

الانتفاضات لا تقوم ولا تحدث بدعوات ومطالبات الانتفاضات يا سادة هي رد فعل جماهيري غير معد له يحدث فجأة بلا مقدمات ولا دعوات، فالانتفاضة الأولى لم يرتب لها أحد ولم يدع إليها فصيل، وكانت جماهيرية شعبية تحركت بعدها الفصائل وحاولت تنظيمها وترتيبها والدخول فيها، وكذلك الانتفاضة الثانية انتفاضة الأقصى أيضا كانت رد فعل جماهيريا شعبيا عارما عفويا تبنته بعدها الفصائل، هذا الأمر يغيب دوما عن قادة الفصائل التي لا تفتأ دوما تطالب به وتدعو له.

هناك الكثير من الأسباب التي تجعل تلبية هذا المطلب والدعوة غير قابل للتطبيق، وهما أمران هامان يجب أن يعيهما الجميع:

الأمر الأول: هو حالة حماس ووضعها بالضفة الغربية، فالحركة وبعد 2007 لم تعد حاضرة بالضفة قوة حقيقية قادرة على إحداث تغيير والاستجابة لمطالب قادة الحركة خارج الضفة، حماس كتنظيم غير موجودة على الأرض وإن كانت عناصر الحركة موجودة (كجسد)، ولكن من دون تلك الروح التي كان يملكها هذا الجسد الذي تعرض بعد الانقسام الفلسطيني 2007 لحالة استنزاف وإنهاء كبيرة من خلال إغلاق جميع مؤسسات الحركة ومطاردتها وسحب سلاحها وتعذيب شبابها وقادتها وملاحقتهم المستمرة.

ونضيف سياسة الباب الدوار الذي مارسه معها الاحتلال من خلال اعتقال من تعتقله السلطة وزجه في السجن فترة طويلة ليخرج وتعتقله السلطة لتعود إسرائيل وتعتقله مرة أخرى في استنزاف أهلك شباب وقادة هذه الحركة ودفعهم للجلوس في بيوتهم منتظرين حدثا قد لا يحدث يعيد وجود الحركة التي تحتاج لترميم كبير بعد ما أصابها في هذا العقد.

الذي تحتاجه الانتفاضة هو الحاضنة الرسمية فهي التي تضمن استمرارها وتصاعدها وضبطها الأمر الذي توفر في الانتفاضة الأولى وتوفر في الانتفاضة الثانية

ساحة الصراع والمواجهة الحقيقية مع المحتل الضفة الغربية فقط الضفة الغربية التي تعيش حالة تماس مع هذا المحتل، وهي التي يمكن أن تكون بها مواجهة، فساحة غزة بعيدة وشبه محررة ولا نقاط تماس بها ولا يمكن أن يحدث بها شيء، وهي بعد وصولها لمرحلة الصواريخ وخوض الحروب لا يمكن لها أن تعود لمرحلة الاشتباك مع المحتل من خلال ضرب حجارة والمقاومة وهي ليست مطالبة بذلك.

الأمر الثاني: الذي تحتاجه الانتفاضة هو الحاضنة الرسمية وهو الذي يضمن استمرارها وتصاعدها وضبطها الأمر الذي توفر في الانتفاضة الأولى وتوفر في الانتفاضة الثانية حين تبناها الشهيد أبو عمار وطالب بها، وهو غير متوفر حاليا من قبل القيادة الفلسطينية التي لا يمكن أن تسمح بها وتوافق عليها وتحتضنها وعدم وجود حركة حماس (كتنظيم) في الشارع الضفاوي نتيجة ما ذكر سابقا.

لهذين السببين بات من الصعب حدوث انتفاضة وبقاء الأمر ضمن (هَبَّة) كَهَبَّة القدس التي حدثت قبل عامين ترتفع وتيرتها ساعة وتنخفض ساعات وسيستمر مسلسل تقديم التنازلات دون إمكان وصولنا للخروج من هذه الحالة في ظل سياسة القيادة الفلسطينية الحالية.

الموقف الشعبي
أما عن الموقف الشعبي الفلسطيني فهو أيضا يجب أن يقسم لثلاثة أقسام بناء على ثلاث دوائر؛ هي غزة والضفة والقدس. ففي غزة خرجت الجماهير بالآلاف وصرخت (عن بعد) وهددت ووعدت وأرعدت، ولكنها تبقى عن بعد لا يخشاها الاحتلال ما دامت لم تستخدم القوة (الصواريخ)، وهو الأمر الذي يجب ألا يحدث، فغزة المحاصرة غير مطلوب منها قيادة الحروب في هذه المرحلة.

الموقف الأخير هو الذي يمكن أن نُعَوِّل عليه حقيقة هو موقف القدس بشوارعها وقراها ومخيماتها بشباب باب العامود وواد الجوز وشعفاط والعيسوية

وموقف الضفة: مسيرات ومواجهة كالتي حدثت أمس الجمعة ومواجهات في نقاط التماس ستخف يوما بعد يوم إلى أن تتوقف، وهنا لا أنسى (الداخل المحتل) ودورهم وثقلهم، ولكن لا أتوقع أن يكون لهم حراك ما في هذه المرحلة.

والموقف الأخير هو الذي يمكن أن نُعَوِّل عليه حقيقة وهو موقف القدس بشوارعها وقراها ومخيماتها بشباب باب العامود وواد الجوز وشعفاط والعيسوية، فهؤلاء هم الرهان الحقيقي، وهؤلاء الذين لن يسمحوا بتمرير شيء، وهم الذين يجب أن تصب الجهود لدعم وتعزيز صمودهم والوقوف خلفهم لإفشال أي مؤامرة، هؤلاء هم عنوان الصراع، هم الذين لم يخذلوا القدس يوما، وهم الذين يجلسون حول أسوارها ينظرون لعدوهم الذي لا يستطيع أن يبعد إصبعه عن زناد بندقيته الأميركية الصنع ولا ترمش عيونه خوفا من غضبة وانقضاضة وثورة في أي لحظة.

لا يظن أحد أني أريد أن أبث إحباطا من خلال هذه الكلمات، ففهم الواقع وتشخيص الحالة سبب رئيسي في تقديم الحلول والعلاج والطرق البديلة ومعرفة مواطن الضعف والقوة التي نملكها.

وأختم بالقول "لا أخشى على القدس وبه المقدسيون ورثة التاريخ، فهم من سيكتب المستقبل ويصنع النصر، فحماكم الله يا حماة الأقصى، ونمضي في انتظار النصر الذي ستصنعونه... فالنصر دوما للمقاتل."

المصدر : الجزيرة