من حقنا القلق من أي قرار منفرد بشأن القدس

عن الكاتب

زياد أبو زيّاد

محام فلسطيني مفاوض سابق

من حقنا أن نقلق ونتساءل عن صحة الأنباء التي تحدثت عن خطة سياسية أميركية لتصفية القضية الفلسطينية من خلال ما تُسمى صفقة القرن لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وكذلك إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب المرتقب الاعترافَ بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وقبل المضي قدما في هذا المقال، لا بد من التأكيد على خطأ الاصطلاح الدارج "النزاع الإسرائيلي الفلسطيني"، لأن المسألة ليست نزاعا بل احتلالا بالقوة لأرض وشعب، ولا بد لهذا الاحتلال أن ينتهي. فإذا كانت الصراعات والنزاعات تخضع لمفهوم الحل، فإن الاحتلال يجب أن يخضع لمفهوم الإنهاء.

لقد نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" في الثالث من الشهر الحالي تقريرا مطولا عن خطة أميركية للحل السياسي، زعمت أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عرضها على الرئيس الفلسطيني محمود عباس في زيارته الأخيرة للسعودية بعد أسبوعين من زيارة جاريد كوشنر لها، وأن الأمير السعودي حاول إقناع الرئيس عباس بقبولها، كما حاول إغراءه بالوعد بتقديم مساعدات مالية سخية للدولة وله شخصيا، ولكنه رفض.

خطة الحل
تقوم الخطة على أساس دولة فلسطينية غير متصلة جغرافيا، وأن الأغلبية الساحقة من المستوطنات الإسرائيلية ستبقى مكانها، وأن الدولة الفلسطينية ستكون منقوصة السيادة، وأن القدس كاملة ستكون لإسرائيل، بينما ستكون عاصمة الدولة الفلسطينية في أبو ديس "الشريف"، ولا ذكر لحق العودة
.

وقد جاء الإعلان عن هذه الخطة وسط أنباء مؤكدة من واشنطن تفيد بأن الرئيس الأميركي سيلقي خطابا اليوم الأربعاء يعلن فيه اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وأثارت خطة الحل المزعومة ردود فعل واسعة وعلى كل المستويات، خاصة فيما يتعلق باحتمال اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل، الأمر الذي جعل الإدارة الأميركية تُعلن أن الرئيس ترمب أرجأ الحديث عن القدس إلى يوم الاثنين القادم.

بداية لا بد من التعليق على إعلان موقف أميركي من القدس كعاصمة لإسرائيل، فالقدس أولا ليست ملكا ولا مزرعة لأميركا، وهي في قلب كل عربي ومسلم كجزء من العقيدة، وسيؤدي أي مساس بها إلى اندلاع ردود فعل من الغضب والسخط الشعبي والرسمي ستفجّر الأوضاع وتنسف أي إمكانية لأي حل سياسي يمكن أن يُجنب المنطقة استمرار الصراع الدموي والحرب.

القدس محصنة بالقرارات الأممية التي ترفض الاحتلال الإسرائيلي وتؤكد وضعها كمدينة محتلة، وهناك في ملف القدس عشرات القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي

القدس محصنة
والقدس ثانيا محصنة بالقرارات الأممية التي ترفض الاحتلال الإسرائيلي وتؤكد وضعها كمدينة محتلة، وهناك في ملف القدس عشرات القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي التي تؤكد هذه الحقيقة، وتؤكد أن الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل في القدس -سواء أكانت إجراءات على الأرض أو قوانين وقرارات- كلها إجراءات باطلة لا أساس ولا قيمة لها.
هذا بالإضافة إلى أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947 أعطى القدس وضعا خاصا جعل جميع دول العالم ترفض الاعتراف باحتلال إسرائيل للجزء الغربي من القدس، بما في ذلك أميركا التي لا يزال موقفها الرسمي حتى اللحظة أن القدس مدينة محتلة، وأن مكانتها لا تتقرر إلا من خلال المفاوضات، ولهذا السبب فإن كافة دول العالم ما زالت تقيم سفاراتها في تل أبيب.

ومما يلفت الانتباه أن العديد من الرؤساء والمسؤولين في العالم بادروا خلال هذا الأسبوع بالاتصال بالرئيس ترمب وتحذيره من المخاطر التي ستترتب على مثل هذا القرار، وطلبوا منه عدم الإقدام عليه. وكان في مقدمتهم الرئيس الفرنسي ماكرون والرئيس التركي أردوغان الذي حذر من أن بلاده ستقطع علاقاتها مع إسرائيل إذا أعلنت أميركا اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، مما أثار غضب الإسرائيليين وردود فعلهم المتشنجة كالعادة.

وأيا كان الحال فإن على أميركا تحت إمرة الرئيس ترمب أن تُدرك خطورة اللعب بالنار، والإقدام على اتخاذ أي قرار أحمق متسرع بخصوص القدس سيؤدي إلى نسف مصداقيتها كوسيط في جهود التسوية، ويعرّض مصالحها في المنطقة للخطر، ويثير غضب ورد الفعل الغاضب من المسلمين والعرب في كل مكان، ويفتح الأبواب على مصراعيها أمام العنف الذي سيجد في الدين وسيلة للتبرير، في الوقت الذي تفتقر فيه المنطقة برمتها إلى الهدوء والاستقرار.

على أميركا تحت إمرة الرئيس ترمب أن تُدرك خطورة اللعب بالنار والإقدام على اتخاذ أي قرار أحمق متسرع بخصوص القدس سيؤدي إلى نسف مصداقيتها

مشاعر القلق
وفيما يتعلق بخطة الحل التي طرحها ولي العهد السعودي على الرئيس عباس فلا بد من الإشارة إلى عدد من الحقائق قبل إعطاء الرأي النهائي في هذا الموضوع
.

أولى هذه الحقائق أنه لم يصدر أي تأكيد رسمي لصحة الأنباء التي تحدثت عن هذه الخطة، وأن كل ما قيل عنها جاء على لسان أشخاص مجهولين زعموا أنهم سمعوا ذلك من الرئيس عباس، وذلك يقع في دائرة "البينة السماعية" التي لا قيمة لها.

ليس هذا فحسب، بل إن الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة نفى هذا النبأ، وكذلك البيت الأبيض والسفير السعودي لدى واشنطن الأمير خالد بن سلمان الذي أكد استمرار التزام بلاده بمبادرة السلام العربية.

ورغم النفي الرسمي وعلى أصعدة مختلفة فإن المرء لا يستطيع إخفاء مشاعر القلق، إذ يُقال "لا دخان بدون نار"، ولأن هناك قرائن ومؤشرات لا تستبعد أن تكون طبخة "صفقة القرن" إنما يتم طبخها على حساب الشعب الفلسطيني.

ليست موضع اهتمام
وعلى رأس هذه القرائن حقيقة أن القضية الفلسطينية لم تعد تقف على رأس اهتمامات العالم العربي وخاصة دول المشرق العربي، وأن الاعتقاد السائد في السعودية ودول الخليج هو أن العدو الأول لها هو إيران وليس إسرائيل، بل إن بعض هذه الدول ترى في إسرائيل شريكا وحليفا في الحرب ضد إيران أو ما يسمونه "الإرهاب".

ليس هذا فحسب، فقد عقد مؤخرا في واشنطن لقاء حضره رؤساء أركان خمس دول عربية -بينها السعودية- جنبا إلى جنب مع رئيس الأركان الإسرائيلي غادي آيزنكوت الذي أجرى قبل أسبوعين مقابلة حصرية مع صحيفة "إيلاف" السعودية الصادرة في لندن؛ أكد فيها على المصالح المشتركة بين البلدين واستعداد بلاده للتعاون الاستخباراتي معها. ناهيك عن قيام الجنرال السعودي المتقاعد أنور عشقي بزيارة علنية لإسرائيل في الصيف الماضي.

وسائل التواصل الاجتماعي تعج بتغريدات ومقالات وتسجيلات صوتية للعديد من الصحفيين ورجال الدين السعوديين وغيرهم، تدعم التوجه نحو تطبيع العلاقات العلني مع إسرائيل

أضف إلى كل هذا ما تعج به وسائل التواصل الاجتماعي من تغريدات ومقالات وتسجيلات صوتية للعديد من الصحفيين ورجال الدين السعوديين وغيرهم، تدعم التوجه نحو تطبيع العلاقات العلني مع إسرائيل "لأن الإسرائيليين لم يقتلوا سعوديا واحدا.."!.

وهوجم الفلسطينيون واتهموا ببيع وطنهم وقضيتهم، ومُنّ عليهم بأن السعودية أطعمت جوعهم وتفضلت عليهم، إلى ما شابه تلك المقولات التي تثير العواطف وتجرح المشاعر.

بيع فلسطين
في هذه الأجواء ينمو الخوف من أن يكون هناك من هم على استعداد لبيع فلسطين والفلسطينيين لحساب الحليف الجديد والشريك في محاربة إيران، ويبحثون فقط عن مبرر يتيح لهم كشف نواياهم والإفصاح عن توجهاتهم نحو إسرائيل
.

وعلى أية حال، فإننا لم نفقد الأمل والثقة بالأشقاء العرب وعلى رأسهم السعوديون، لكننا نصارحهم بالإعراب عن مخاوفنا المشروعة ونقول لهم بالفم المليان: نفهم بأن العلاقات بين الدول تقوم على المصالح لا على القيم والمُثل، وإذا كنتم تعتقدون أن لكم مصلحة مع أميركا أو حتى مع إسرائيل، فإن تحقيق تلك المصالح لا يمكن أن يكون على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته.

لقد جنح شعبنا للسلام، ولكن إسرائيل تجنح للاستيطان والاحتلال والتطرف، فلا تنخدعوا بها لأنكم إن فعلتم ستؤكلون في أول فرصة مواتية كما أكل الثور الأبيض.

المصدر : الجزيرة