يا أيّام الله عودي..

على جبين صبرها اطبع قبلتك! واجعل مِن عروقك البندقية! وأطلقْ من ذخيرة روحك رصاصتك! فالقدس تاريخٌ ودينٌ وهويّة.. القدس ملامح إنسانيّتك! وأنت تزرع الإخاء في الشوارع وأفواه المآذن، في صوت الأجراس وأسطح الكنائس.. في الأسواق الكهلة وهي تتنفّس الصمود بين الموت والموت.. تحبس مع الكلمات العتيقة أنفاسها وهي تدفع عن حجارة الدكاكين دخانا تسيل له مدامعها..

القدس وجه حبيبتك التي ترتعش لصوتها حين يخترقك، فيغمرك الصمت وأنت تصغي بخشوع القلب! القدس لمستُها وهي تستقر في ذاكرة جسدك وتسكنك رغما عنك، فتسكنها! القدس أنا.. وأنت.. وهذا المدّ اللا متناهي من الأكفِّ والحدقات.. القدس أصل الحكاية! أول الحروف، وأولى الخطوات.. في القدس تُطوى صفحات العشق، ويُتوَّج مِن على الأسوار الحرّة تاريخ الانتهاء!

في القدس نساءٌ يحترقن شموعا في باحاتها، لتُضاء في عتمة المحتلّ شوارعُها، وتضحك لطفولة أفراحها المواسم والأعياد

في القدس قلوبٌ مشرّعةٌ لها أبواب السماء! فاجعل لروحك على ثراها موطئا، وتقلّد خريطة عزّها وقد امتدت من الماء إلى الماء، فالنصر مكتوب لها، يصنعه رجال يذودون بدمائهم عن خدرها، ويجعلون من أشلائهم أسوارا لها.. في القدس نساءٌ يحترقن شموعا في باحاتها، لتُضاء في عتمة المحتلّ شوارعُها، وتضحك لطفولة أفراحها المواسم والأعياد.. في القدس أطفالٌ سَحقت البنادق فرح أعينهم، وذَبحت على شفاههم صلوات لم تنته بعد.. في القدس أغنياتٌ معتقلة! وأشعارٌ باتت نشيد حياة!

لن يقرّر مصيرها السفهاء! لن يشوّه تاريخها الغرباء! ستظل حجارتها امتدادا لصمود قلوبنا، وستظل مشاجبُ صبرها تحمل لنا مفاتيح الرجاء..

فيا أيّام الله عودي بالمدد والآيات! فقد اشتاقت قلوبنا في القدس للصلاة.. يا أيّام الله أقبلي علينا بالتكبير، وحرّرينا من قيود أنفسنا! فزحف تحرير القدس قادم.. لستُ زرقاء اليمامة! ويُستدلّ على العاديات بالنقع والنفير! غبارٌ تثيره من حيث تصهل فرادى في مضاربها، وضبحا بقوّته الله يجمعها! لا زاد لها ولا خريطة، غير أن القدس لا يُخطئها قلب، ولا يُعاقَب بالتيه إلّا مَن ظلمها!

ستجتمع العاديات لتسلك طريق عمر، وستتبع رغم أنف الغزاة الأثر! وستدكّ بسنابك عزّها الأرض مِن تحتها، لتُتبّر ما أعلته يد الظلّام، فتخرّ بالشكر سُجّدا لربّها..

يا أيّام الله انظري لرجُلٍ قطّعته يد الظلم حيّا! بقذائف تحملها طائراتٌ وقودها من نفطِنا، تنثر الموت على رؤوس الرافضين بيع التراب المقدسي للعابرين.. على ذراعَي صموده تفتّحت براعم الرجاء، وكانت قد أثمرت من قبل في أربع حروب! يا أيّام الله انظري لجسد بلا رجلين، يزحف صوب القدس وراية خفّاقة في صبر اليدين.. انظري لروحه وهي تغادرنا حاملة أصفاد أرواحنا والأغلال! وتُذكّرنا.. كيف يمكن لرجل واحد أنْ يكون أُمّة!

يا أيّام الله لملمي ضفائرها! ولصدرك الحاني ضمّي طفولتها وقد صفعت بكفّها الطريّ وجه الجلّاد، فارتجفت منه الروح والجسد!

يا أيّام الله عرّجي على عتمة السجون، وأضيئي بالإشراق الزنازين.. اربتي على كتف صبيّة توشّحت الجرأة! فتساقطت من بين خصلات الشعر الثائر أوراق الياسمين.. يا أيّام الله لملمي ضفائرها! ولصدرك الحاني ضمّي طفولتها وقد صفعت بكفّها الطريّ وجه الجلّاد، فارتجفت منه الروح والجسد! وما ارتعشت بالخوف كفُّها، ولا تراجعت في درب الثورة خطوتها.. هم أقزام يقودونها لمهزلة يسميها المحتلّ محكمة، هي الأكثر سخاء في تعليب عمر الثائر خلف القضبان، ومنحه العتمة والعزلة والأصفاد..

في القدس تصير الحكايات أرواحا تتحرّك بين الناس، في القدس تكبر الطفولة حتى تغمر الكون، فتُلقي دمها ورداً تنثره فوق الأقصى والقيامة! صوب الحارات العتيقة وقد حفظت أبجدية الحب، فنطقت رغم الوجع بحروفها! عهدٌ للحب والصمود.. زرعته عهد التميمي في صدر المدينة الصابرة وبين جوانحنا، أن القدس لا يُضمّد جرحها الموغل فينا غير ثورة تمتد في مشارق الأرض ومغاربها، ثورة لا تخمد نارها ولا تهمد! فخرائط الدم في وطننا العربي تصبّ في عمق جرحنا الفلسطيني، وفي شوارع القدس ينزف بها!

ضَعُف منّا الجسد، فكثٌرت على صفحته السكاكين، واستنسر البغاث، وبات السفهاء قوّادها! وبغير لغة المصالح ما عادت تتخاطب الضمائر، فاضربوا مصالح عدوّكم، وقاطعوا مَن غرس سكّينه في خاصرة جرحكم، ومَن اختار الصمت لتموتوا بنزفكم!

باتت عودتنا وشيكة! فاجمعوا أشياءكم، واتركوا على وجنات الذكريات قبلاتكم، فالقدس تنادي أيّام الله وتناديكم، إنْ لبّيتم نداء القدس نزلت أيّام الله على أجنحة الوعد لتلاقيكم!

افعلوها معذرة إلى الله.. حين تقفون في مواجهة دمٍ سفك ظلما، ورجال احترقت أعمارهم بسوط الجلاد، وطفلةٍ عرّت الجبن في صدور المرجفين حين اختارت أن تقاوم الغزاة وليس لها غير كفّها، وأنشودة زرعتها والدتها في وضاءة الجبين، فامتدت في عروق الأرض حتى صارت أيقونة وطن، يترنّم بها الثائرون! قاطعوا عدوّكم، كونوا جنودا في حربكم، فلا دين للسياسة.. والمالُ بلا ضمير!

يا أيّام الله ازرعينا باليقين، واجعلينا نحلّق في سماء القدس مع الحمائم وهي تردّد نشيد عودتنا، نحن الصابرين في المهاجر والمنافي والمخيّمات، نحن المطرودين من جنّة أرواحنا.. باتت عودتنا وشيكة! فاجمعوا أشياءكم، واتركوا على وجنات الذكريات قبلاتكم، فالقدس تنادي أيّام الله وتناديكم، إنْ لبّيتم نداء القدس نزلت أيّام الله على أجنحة الوعد لتلاقيكم!

يا أيّام الله نحن على انتظار! نُربّي لفتح المقدس أبناءنا الصغار، وتعدّ نساؤنا للفاتحين قلائد الياسمين، وقوارير ماء الورد مختومة للمسجد الأقصى، بعطرها تنتظر! فنار القدس تخلقها شرارة، قد يُهديها للأُمّة طفلٌ يحمل بدمه البشارة!

 ولنا في القدس لقاء

المصدر : الجزيرة