الشريف.. فنان ينقل القدس إلى أسوار جنين

عاطف دغلس-جنين

على جدران مدينة جنين، حضرت القدس بمساجدها وكنائسها وقباب بيوتها العتيقة، يتخللها أمل بنصر طال انتظاره، لكنه آت رغم كل شيء ورغم ذاك الألم الذي يلف المدينة ويطوِّق عنقها.

وجدت "جداريات القدس" للفنان التشكيلي الفلسطيني محمد الشريف ابن مدينة جنين شمال الضفة الغربية، طريقا في قلوب المارة من الناس قبل عيونهم، فتكحلت أسوار المدينة وبلدة عرابة للجنوب منها -مسقط رأس الشريف- بأربع لوحات ضخمة تجلى فيها الإبداع بكل شيء.

بين الأزقة وفي الأماكن العامة كالمدارس والمتنزهات ولدت "حكاية القدس"، هكذا يروق للفنان الشريف تسمية جدارياته التي بدت كأنها تروي لكل غاد ورائح تفاصيل المدينة وأبرز معالمها بما احتوته من أبجديات النضال، كالمرأة والمقاوم والأمل بالنصر القادم من خيوط الشمس، وبألوانها الجذابة والجياشة.

ليست تلك تجربة الفنان الشريف الأولى لرسم المدينة المقدسة، فقد قرع "خزان موهبته" باكرا وكانت القدس أولى بداياته وإن بلوحات صغيرة، وما انفك يُشكِّلها ويُقدمها بمعارض عالمية ومحلية بصفتها تاريخ الفلسطينيين "وعاصمتهم الأبدية"، بحسب ما يقول الفنان الشريف.

أطفال ينظرون إلى جدارية للقدس رسمها الفنان محمد الشريف (الجزيرة)

ترسيخ الثقافة
لم تكن صدفة اختيار الرجل الأماكن العامة لتقديم أعماله، فقد قصد "ترسيخ الثقافة" حول القدس للأيام القادمة وتعزيز "مكانتها التاريخية" لدى الأجيال الشابة، لذلك حظيت المدارس ببعض الجداريات
.

أراد كذلك لجمهور الفلسطينيين رؤيتها "بلا موعد" أو "تكلفة"، فالخروج من إطار المعارض الضيقة أو اللوحات الخاصة والصغيرة جعل العمل متاحا للجميع، وهو ما قصده الفنان الشريف أيضا، فهو يبحث عن "المتلقي العام" ولا يريد لعمله أن يقتصر أو يكون حكرا على أحد دون سواه.

الشريف رسم أربع جداريات ضخمة لمدينة القدس توزعت بين المدارس والمتنزهات والطرق العامة (الجزيرة)

في الجهة المقابلة لمنزل الفنان الشريف في قريته عرابة كانت أولى لوحاته للمدينة المقدسة، تظهر بين الطالبات في مدرسة الشهيد سامي طه الثانوية. بدت اللوحة وكأنها تُلقي التحايا على التلاميذ وهم أيضا لا يفارقونها بنظراتهم المتأملة لعلهم يخففون شيئا من "ألم الحرمان" كما تقول الطالبة ميناس خليل (14 عاما).

بسبب المنع الإسرائيلي، لم تزر ميناس القدس إلا مرتين، لكنها تواسي نفسها بالزيارات المتواصلة لجداريات الفنان الشريف داخل المدرسة وخارجها التي تجعلها "قريبة" أكثر إلى القدس.

وكذلك رأت رؤى عارضة زميلة ميناس معاناة الفلسطيني في تلك الجداريات بما جسدته من واقع الحال، لذا دعت لأن تعم هذه الجداريات وما يشابهها مناطق أوسع من فلسطين وخارجها، لإيصال "قيم الجمال والمعنى" الذي عكسته تلك الجداريات.

مثل ميناس ورؤى، يُمنع الفنان الشريف من زيارة القدس كأغلب الفلسطينيين، فلا يستطيع الرسم على جدرانها، لكنه يسعى جاهدا لذلك ولو على مقربة منها؛ لكن ذلك لم يمنعه من استغلال "مرض طفله" وعلاجه في مستشفيات المدينة للدخول إليها ولو لمرات متقطعة، ليسترق النظر ويطلع عن قرب على "دهاليز" حاراتها ومعالمها، ليسقط كل تلك التفاصيل في جدارياته.

الجدارية الأولى التي خطها الفنان الشريف لمدينة القدس في إحدى مدارس قريته عرابة (الجزيرة)

فن الكلمات
شكلت تلك النظرات الخاطفة للقدس مخزونا كبيرا لدى الشريف لإنجاز لوحاته بدقة، وإظهار المدينة بمنازلها ومساجدها وكنائسها وكأنها شاخصة أمامه، لذلك "حضرت اللوحات في قلوب الناس قبل عيونهم"، ولا سيما أنها أرفقت برموز تُجذِّرُ الفلسطينيين بأرضهم كالمرأة ومفتاح العودة والزي الفلسطيني ورموز كنعانية أخرى
.

وإضافة إلى تلك الرموز، ظهرت الحروفيات (فن الكلمات) كمتلازمة في جداريات القدس، أضفت عليها جمالا وتناغمت بألوانها وشكلها وطريقة الرسم أيضا، فبعضها أتى على ذكر مدن فلسطين المحتلة وأخرى حوت شعرا وأدبا، وزادها جمالا حجمها الكبير رغم تفاوته بين واحدة وأخرى.

ورغم بساطتها، ثمة ما يجعل الناظر إلى جداريات القدس يطرح تساؤلات شتى حولها، لكنها لن تجد تفسيرا في قاموس الفنان الشريف، "فالإحساس ووجدانية الروح حين تخرج من الفنان على اللوحة لا تترجم".

المصدر : الجزيرة