مواجهات الضفة تحت السيطرة

تفاعلت فصائل المعارضة الفلسطينية بشكل كبير لرفض القرار الأميركي القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، وخرجت كبرى حركات المقاومة الفلسطينية من غزة تدعو لانتفاضة، وتعجلت وأطلقت لها اسم "انتفاضة القدس"، ودعت لإلهاب الأرض تحت أقدام الغزاة.

لكن الحقيقة هي ضعف التفاعل الجماهيري والشعبي الفلسطيني ضد القرار الأميركي، خلافا لتوقعات بأن تقوم الدنيا ولا تقعد بعد هذا الإعلان وربما انتفاضة جديدة.

الحقيقة أن الانتفاضات لا تقوم بدعوات، والمنطقة غير مستعدة لانتفاضات لغياب الحاضنة الرسمية، واليوم وبعد أسابيع من قرار ترمب، نجد الأمور تراوح مكانها وضمن ما خطط لها دون خروج المنطقة عن "السيطرة" وبقيت الأمور ضمن دائرة "التحكم"
.

عن الأسباب والمسببات والسبب لهذه الحالة "المزعجة"، سأحاول تشخيص الواقع والحالة لأن فهم طبيعة الحالة يساهم ويساعد في العلاج الذي لن يكون آنيًّا وسريعًا، بل بحاجة لوقت ووقت طويل.

إغلاق شارع يمر منه المستوطنون بالضفة الغربية وضرب حجر مع إصابة مباشرة، أخطر بكثير من مسيرة عسكرية يخرج بها ألف فلسطيني بكامل عتادهم وسلاحهم

الضفة الغربية
يجب أن نتفق أولا أن 
الضفة الغربية هي ساحة الصراع الحقيقي مع المحتل على اعتبار أنها منطقة التماس المباشرة مع الاحتلال وبها مسرح وساحة المواجهة، وأنها بؤرة الحدث والساحة التي يحسب لها الاحتلال ألف حساب، وأن غزة ومنذ زمن طويل يختلف شكل ونوع المقاومة فيها عن الضفة، وأن مسيرة من ألفي شخص بالضفة يحسب لها الاحتلال حسابًا أكثر من خروج مئة ألف فلسطيني بغزة، وأن إغلاق شارع يمر منه المستوطنون بالضفة الغربية، وضرب حجر مع إصابة مباشرة، أخطر بكثير من مسيرة عسكرية يخرج بها ألف فلسطيني بكامل عتادهم وسلاحهم، فالأول ضارب الحجر يشكل خطرا حاليًا حقيقيّا، ومن في غزة بعيدٌ محاصَرٌ محاطٌ مكبلٌ باتفاقيات وحالة خاصة.

لذلك يجب أن نُقِرّ بأن الضفة الغربية هي ساحة الصراع ومكان المواجهة الذي يحسب له الاحتلال ألف حساب وحساب، وهو الذي يريد الاحتلال إنهاكه وإبعاده وتفريغه من محتواه، فما الذي حدث للضفة؟ ولماذا وصلت الضفة لهذا الوضع؟!

خلال العقد الأخير وتحديدًا بعد الانقسام الفلسطيني، بات التفاعل مع جميع القضايا الوطنية بالضفة الغربية تفاعلا باهتا لا يرقى إطلاقا لمستوى الأحداث التي حدثت، فبات يوم الأسير الفلسطيني يوما موسميا يشارك فيه بضع عشرات من الجهة المنظمة دون مشاركة جماهيرية رغم الدعوات الكثيرة التي توجهه. وبات استشهاد فلسطيني حدثًا يشارك فيه المحيط ويغضب من حوله ليعود الأمر للهدوء بعد الدفع وانتهاء مسيرة التشييع.

الشارع المحبط الذي لا يثق بقيادته ويشاهد عدم تحريك السلطة الوطنية (الجانب الرسمي) ساكنا أصابه بالإحباط والذهول، الأمر الذي أدى للعزوف والابتعاد تحت عنوان عريض "باعوها"

ثلاث حروب ضد قطاع غزة أكلت الأخضر واليابس لم تحرك الشارع الذي يعاني حالة إحباط وعدم ثقة، فكان الناس يخرجون ليصرخوا في بعض الأحيان وبعد وقت من نشوب الحرب ضد غزة كما حدث في حرب 2014 التي لم يحرك الشارع "الضفاوي" ساكنًا سوى بعض المسيرات الخجولة التي كانت تخرج هنا وهناك، فالشارع المحبط والذي لا يثق بقيادته ويشاهد عدم تحريك السلطة الوطنية (الجانب الرسمي) ساكنا أصابه بالإحباط والذهول، الأمر الذي أدى للعزوف والابتعاد تحت عنوان عريض "باعوها"، كما أن إجراءات ملاحقة السلطة الوطنية للمقاومين ومن يعارض، وربط كل شيء بالضفة "بالسلامة الأمنية" بمعنى إن كنت معارضا لن تتمكن من أخذ شيء ولا حسن سلوك لقيادة سيارة عمومية.

غياب حماس
سعت السلطة الوطنية الفلسطينية من خلال الأجهزة الأمنية لملاحقة شباب حماس شيوخًا وشبابًا، أنصارًا ومؤيدين، بشكل كبير، وعملت على استنزاف طاقاتهم واعتقالهم وملاحقتهم وإغلاق جميع مؤسساتهم والتضييق على مصادر رزقهم ومحاسبة عائلاتهم على انتماء بعض أفراد أسرتهم لحماس، فشقيقة حمساوي غير مسموح لها بالعمل مدرسةً في مدرسة حكومية لأن "بعبع" السلامة الأمنية يلاحقها.

لا يخفى على أحد أن حماس هي التنظيم الأكثر قدرة على التحشيد والتجميع وإخراج الجماهير، وأن أكبر المسيرات والحشود الجماهيرية في الضفة الغربية كانت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) من تقف خلفها، وأن حماس من خلال عملها الجماهيري كانت قد خلقت حالة منافسة كبيرة مع حركة فتح وباقي الفصائل التي كانت تسعى بكل جهد للمنافسة من خلال الحشد.. الأمر الذي غاب بعد أن أقصيت حماس عن المشهد والساحة بعد الاعتقالات والإعلان عن الحركة كحركة محظورة ملاحقة.

ملاحقة السلطة والاحتلال لحماس خلال عقد وأكثر أدى لهذه الحالة التي ليس من السهل الخروج منها ما دام الاحتلال يسيطر على مناطق الضفة الغربية

وتعلم حماس بالضفة الغربية -وهي عبارة عن تنظيم "محلول" لا مكاتب ولا مؤسسات له ينشط بمناطق معينة بالضفة بمناسبات معينة كحفل انطلاقة بمنطقة ما، أو مسيرة معينة بعد حرب على غزة أو إضراب أسير ينتمي لها- أن العودة للعمل بحاجة لظروف وحالة غير متوفرة حاليًا بسبب وقوف الاحتلال بالمرصاد لقادتها وشبابها.

فليس من السهل أن يسمح لها الاحتلال بالعودة للعمل لأن إستراتيجية الاحتلال بملاحقة الحركة اختلفت عن السابق، حيث يتبع الاحتلال مع حماس أسلوب "المحاسبة الفورية" بهدف الاستنزاف، وهذا الأسلوب لم يكن متبعًا في السابق، فملاحقة السلطة والاحتلال لحماس خلال عقد وأكثر أدى لهذه الحالة التي ليس من السهل الخروج منها ما دام الاحتلال يسيطر على مناطق الضفة الغربية.

عدم الثقة
يفهم الشارع الفلسطيني وتحديدًا "الضفاوي" المعادلة جيدًا ويعلم خفايا الأمور ويلعب دور المراقب دون التدخل الحقيقي الجاد، فالسلطة الوطنية الفلسطينية التي تعلن صراحة رفضًا "للمواجهة" مع الاحتلال وتعلن أنها تنتهج نهج "السلمية" في رفضها إجراءات وانتهاكات وجرائم الاحتلال، وتصر على التنسيق الأمني مع الاحتلال رغم ما يقوم به من حروب ضد قطاع غزة ورغم مصادرة الأراضي وقتل الفلسطينيين وبناء المستوطنات وحملات الاعتقالات التي لا تتوقف إطلاقًا، يعلم يقينًا أن السلطة غير جادة في مواجهتها الاحتلال، وأنها ترواغ من خلال الكلمات ولا شيء تملكه سوى إبقاء الوضع على ما هو عليه.

يعلم الشارع الضفاوي أن "المصالح" هي التي تحكم المشهد السياسي، وأن قادة السلطة من أجل المحافظة على (VIP) لا يمكن أن يسمحون بذهاب الأمور باتجاه المواجهة التي يمكن أن تتحول لانتفاضة تجعل الأمور تخرج عن السيطرة. لذلك هو لن يقبل أن يكون "لعبة" تستخدمها السلطة لتحسين وضعها ومكاناتها تدفع به للمواجهة وقت تشاء ولمصالحها، وتعيده لمكانه حين تشاء لانتهاء المهمة، فهو لذلك لا يستجيب لها ولا لطلباتها.

هل قرأت حركة فتح التي تملك زمام الأمور بالضفة الغربية المعادلة وأن الشارع لا يثق فيها ولذلك لا يلبي دعوتها؟ أم أنها لا تريد أن ترى المشهد بعيون المواطن؟

يوم الغضب
دعت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) يوم الأربعاء الماضي (20 ديسمبر/كانون الأول) ليوم غضب عارم واشتباك مع الاحتلال على نقاط التماس وحرق الأرض تحت أقدام المحتل (كما عبر قادتها)، وتماشت الحكومة الفلسطينية مع الدعوة وأعلنت تعليق الدوام في المدارس بالضفة الغربية وجميع الدوائر الحكومية لكي يتمكن المواطن من المشاركة في هذه المسيرات، وصدحت سماعات المساجد "بتكبيرات العيد" -لماذا تكبيرات العيد لا أعلم- فقد تناول رواد مواقع التواصل الاجتماعي الأمر بالاستغراب والضحك، ودقت ساحة الصفر ولم يشارك الموظف الذي خرج من عمله لبيته مسرعًا خوفًا من إغلاق الطرق.

وحدث التجمع الجماهيري في نابلس والخليل ورام الله التي قررت التوجه لقلنديا، وكانت الصدمة بضع مئات من المشاركين يتوسطهم عدد قليل من القيادات في رام الله ومواجهات محدودة في بيت لحم وقلنديا ونابلس والخليل دون تحقيق الحد الأدنى من يوم الغضب الذي كان يوم "كتكات" حتى نتيجة المواجهة تشير لضعف التفاعل (100 إصابة بالاختناق نتيجة إطلاق الغاز المدمع). لا أقلل -لا سمح الله- من الإصابات ولكن هل قرأت حركة فتح التي تملك زمام الأمور بالضفة الغربية المعادلة وأن الشارع لا يثق فيها ولذلك لا يلبي دعوتها؟ أم أنها لا تريد أن ترى المشهد بعيون المواطن؟

جمعة الإرادة
أتت جمعة الإرادة بعد تصويت الجمعية العامة لمجلس الأمن لصالح رفض القرار الأميركي بواقع تصويت 128 دولة ضد القرار، الأمر الذي اعتبر تأييدًا للحق الفلسطيني الذي يجب أن يترجم لواقع يرقى لحجم هذا التأييد، فأعلنت حركة فتح عن جمعة الإرادة والانتصار، ودعت للمواجهة والخروج "بغضب"، وهو الأمر الذي لم يحدث، شباب هنا وهناك من دون قيادات خرجوا يلقون الحجارة ويستنشقون الغاز لتكون الحصيلة شهيدًا بغزة وشهيدًا متأثرًا بجراحه و600 إصابة جلها "اختناق بالغاز".

يدرك الشارع "الضفاوي" أن السلطة كانت على علم بالقرار الأميركي قبل صدوره وهي لم تخف الأمر ولم تعمل على التحضير لمواجهته، وقرارها بعدم لقاء نائب الرئيس الأميركي كان "تكتيكا" وليس إستراتيجية

خطب الجمعة كانت باهتة، ومشاركة رسمية ضعيفة، والشعب هو من يعاقب هذه القيادة التي لا تريد أن تفهم الدرس أن الشارع لا يثق بدعواتها لأنه يعلم بالنتائج والمقاصد وحتى لو كان الأمر يتعلق بالقدس.

يدرك الشارع "الضفاوي" أن السلطة كانت على علم بالقرار الأميركي قبل صدوره وهي لم تخف الأمر ولم تعمل على التحضير لمواجهته، وقرارها بعدم لقاء نائب الرئيس الأميركي كان "تكتيكا" وليس إستراتيجية، ويدرك أن السلطة لا تستطيع أن تستغني عن "أميركا"، وأن "الاعتقاد" كما عبرت السلطة أن أميركا لم تعد طرفًا نزيهًا لرعاية مفاوضات السلام هو مجرد تصريح لا يمكن أن يترجم لواقع، وأن البحث عن طرف يرعى السلام هو مجرد "كلام"، فالسلطة لا تزال تعتقد أن المشكلة تمكن في "الراعي" وليس بالاحتلال الذي لن يقدم لها شيئا، ولا فرق بين الراعي والاحتلال، فكلاهما وجهان للعملة ذاتها.

الأجهزة الأمنية
تسيطر الأجهزة الأمنية الفلسطينية على الأمور بالضفة الغربية بشكل جيد، ليس هذا فحسب، بل هي من تحدد حجم ونوع وشكل المواجهة وتحديدا في رام الله، فهي التي تواجه وهي التي تريد أن تبقى الأمور بهذا الشكل من باب المحافظة على "شكلها العام" من جانب، ومن باب إبقاء الأمور "تحت السيطرة" من جانب آخر، ولم يخفِ قادة الأجهزة رغبتهم في أن لا تخرج الأمور عن السيطرة، ولن أستشهد بقول ترمب الذي غرد تحت هذا العنوان ولكن الواقع ومتابعتنا للأحداث ومعرفتنا بمن هو في الشارع هو الذي أدى لهذا التحليل.

كما تفتقر الساحة الفلسطينية والميدان والشارع للقائد الميداني والصوت القوي والمحرك للأمور، فالكل يدور بنسق محدد ولا أبطال قادرة الأحداث على إبرازهم، فالانتفاضة الثانية التي تصدرها مروان البرغوثي وحسن يوسف وغيرهما من القادة الميدانيين غير موجودين في هذه الأحداث، والقيادي محمود العالول نائب الرئيس وعضو المجلس المركزي يخرج بتصريح ومن ثم يغيب وقتًا لكي لا "يتهور" في تصريحاته، فخلال شهر سمعنا له تصريحًا ورد عليه من يدَّعى "منسق الاحتلال"، ومن ثم غاب الأمر الذي يجعل الشارع غير قادر على إعطاء الثقة له ولفتح وللقيادات.

فتح حركة غير مستعدة في هذا الوقت للتضحية بشيء أو تقديم شيء، وغير واثقة بمن حولها، فلا هي تريد توحيد الشارع الفلسطيني ولا تريد المواجهة ولا تستطيع أن تجد لها حليفًا عربيا

ما أريد قوله إن الشارع الضفاوي الذي يعتبر ساحة المواجهة الحقيقية والذي تحكمه حركة وفتح وأجهزتها الأمنية، لا يمكن أن تخرج ردات فعلها ورفضها ومواجهتها عن هذا المستوى لكي تحافظ على مكاسبها ومواقعها وامتيازاتها.

هي حركة غير مستعدة في هذا الوقت للتضحية بشيء أو تقديم شيء وغير واثقة بمن حولها، فلا هي تريد توحيد الشارع الفلسطيني ولا تريد المواجهة ولا تستطيع أن تجد لها حليفًا عربيا، وتريد أن تبقى وتبقي الأمور على ما هي عليه على اعتبار أن الوضع الحالي أفضل لها وللحالة الفلسطينية التي تمثلها هي.

مع العلم أن الخروج من هذه الحالة ضمن هذا النوع من القيادة وهذا النهج أشبه بالمستحيل، لذلك ستبقى الأمور على ما هي عليه وليس من السهل بمكان تغيرها.

المصدر : الجزيرة