رفقة القواسمي تنتصر لذاتها ورفيقاتها

رفقة (يمين) تعرضت للاعتداء ثم الاعتقال وفرض عليها الحبس المنزلي (الجزيرة)
رفقة (يمين) تعرضت للاعتداء ثم الاعتقال وفرض عليها الحبس المنزلي (الجزيرة)
هبة أصلان-القدس

لم تمر رحلة تسوق الطفل المقدسي آدم ووالدته رفقة القواسمي في أسواق القدس العتيقة مرور الكرام، بل انتهت بالاثنين أسيرين في سجون الاحتلال بعدما أبقت سلطاته على آدم رهن الاحتجاز إلى حين تسليم والدته نفسها.. أما السبب فهو ما بات يعرف بين المقدسيين "بمعركة باب العامود" حين ظهرت رفقة عبر شاشات التلفاز هناك وهي تتعارك مع شرطية إسرائيلية وتشد شعرها.

كان ذلك مساء اليوم السادس لاعتصام المقدسيين عند باب العامود رفضا لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، حيث وصلت رفقة إلى البلدة القديمة عصر ذلك اليوم لشراء بعض الحاجيات لطفلها آدم، لكنه انتهى بالعراك مع الشرطية واعتقال ابنها ومن ثم اعتقالها وقضائها أربعة أيام داخل مركز الاعتقال.

اشترت "رفقة" الحاجيات وغادرت البلدة القديمة مع غروب شمس ذلك اليوم، وسلكت طريق باب العامود، ومع خروجها عبر البوابة التاريخية المقوسة والمصنوعة من الخشب الذي تملؤه آثار رصاص الحروب، قابلت عيناها تجمعا للمقدسيين من الرجال والنساء والشبان والشابات، فقررت أن تكون جزءا من حراكهم السلمي، وهذا ما حصل، فانضمت الأم الأربعينية إلى تجمع المعتصمين عند درج باب العامود.. جلست وبجانبها أغراضها وابنها آدم.

صمت فانفجار
استفزت الهتافات الوطنية المنطلقة من حناجر المعتصمين لتملأ فضاء مدرج باب العامود، عناصر جنود وشرطة الاحتلال الذين ما لبثوا أن شرعوا في سحب المعتصمين بالقوة من موقع الاعتصام لتفريغ المكان وتفريقهم وإفشال خطوتهم الاحتجاجية
.

التزمت "رفقة" الصمت خلال العشرين دقيقة الأولى للاعتصام الذي بدأه أحد المقدسيين بالتكبير ورفع أذان المغرب، وبقيت تراقب ما يحصل حولها، وفجأة تجاوزت عددا من النساء والفتيات الجالسات بقربها، حتى وصلت إلى فتاة كانت مجندة قد بدأت بشدها بالقوة، محاولة إبعادها.

ساد الهدوء المشحون المكان لدقائق معدودة، حتى عاد التوتر بهجوم القوات على المعتصمين الرجال والتعارك معهم بالأيدي ودفعهم نحو أعلى الدرج، كل هذا وضباط الاحتلال في الموقع يتلقون التعليمات عبر الأجهزة اللاسلكية ويعممونها على القوات في المكان.

عادت "رفقة" وجلست بين الفتيات، وعلى بعد مترين تقريبا، كانت المجندة ذات الشعر الأشقر تقف هي الأخرى لتأخذ التعليمات، فقد جُلبت إلى المكان لتفريق الإناث من المعتصمات، وهي خطوة اعتادت عليها المقدسيات اللواتي أمسين يعرفن تكتيكات عمل الشرطة.

مواقف الكر والفر بين عناصر شرطة الاحتلال والمعتصمين لم تنتهِ هنا، وفي لحظة ما اعتقل أحد الشبان واقتاده عناصر الشرطة باتجاه المخرج الشمالي لباب العامود، لكن المجندة كانت الوحيدة المتبقية لقمع الفتيات.

شوهدت المجندة الشقراء وهي تصفع فتاة فلسطينية كانت قريبة من "رفقة" وتشد يدها، فحاولت رفقة كأم توفير الحماية للفتاة، فتعاركت مع المجندة بالأيدي واستطاعت السيطرة عليها وشدّ شعرها، في مشهد فيه من عنفوان الأم وجرأتها ما فيه.

انتهى العراك وانتصرت رفقة للفتاة وأوصلت رسالة مصورة للعالم أجمع، قرؤوا فيها ماذا يمكن أن تفعل أم فلسطينية لأجل ابنها أو من تعتبرهم أبناءها وبناتها، لكن استفزاز الشرطية المهزومة لم ينته وأرادت أن تثأر لنفسها.

رفقة القواسمي (يسار) بعد الإفراج عنها وتحويلها للحبس المنزلي (الجزيرة)

تنحية العاطفة
بقيت الشرطية الإسرائيلية تلاحق الفتيات حتى اعتقلت "ريحان عودة" الطالبة في جامعة بيرزيت، ومن ثم اعتقل "آدم" الطفل الذي كان رفيقا لأمه "رفقة"، التي أنستها عاطفتها كأم ودفاعها عن الفتيات ابنها "آدم" ولو لوقت قليل
.

اعتقل "آدم" واقتيد إلى أحد مراكز شرطة الاحتلال وسط المدينة، ولم يفرج عنه إلا بعد أن سلمت "رفقة" نفسها لمركز شرطة الاحتلال، واشترط عليها الحبس المنزلي لمدة خمسة أيام.

وجهت للأم تهمة المشاركة في الاحتجاجات والاعتداء على شرطية، وقضت أربعة أيام في سجن الرملة شمالا، بعيدة عن أبنائها الأربعة، وبينهم آدم الذي كان في فترة امتحانات نصف السنة، لكنه لم يؤدّ بعضها بسبب الحبس المنزلي.

بُث عراك "رفقة" الأم مع الشرطية الإسرائيلية عبر محطات التلفزة وانتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثل النار في الهشيم، لدرجة أن البعض أطلق على الحدث توصيف "تمزيع الشعر مقاومة".

المصدر : الجزيرة