لا يهم أن يكون لك قدمان لكي تنتصر

إذا أردت أن يزهر ياسمين الشام من جديد ويعود لدجلة والفرات بهاؤهما النبيل فاعلم أن البداية من القدس.

فالقدس أول السطر وأول النزف.. هي كفُّ المسيح تفيض بالنور.. هي ترتيل محمد يجمع شتات القلوب.

إذا أُطفئت قناديل القدس تمادت العتمة في العواصم، وإذا أُضيئت ستبصر بغداد والشام وصنعاء الطريق.. ستُكسر الأصنام والأزلام.

لقد ظننا لوهلة أن العربي منشغل برتق جراحه.. ظننا أن الدم العربي غدا باردا ساكنا، فإذا به يشتعل غاضبا ثائرا ساخنا رغم عمق الجراح ورغم هرولة الرسميات العربية وانبطاحها

لقد ظننا لوهلة أن العربي منشغل برتق جراحه.. ظننا أن الدم العربي غدا باردا ساكنا، فإذا به يشتعل غاضبا ثائرا ساخنا رغم عمق الجراح ورغم هرولة الرسميات العربية وانبطاحها المؤلم أمام الفئران الصهيونية.

وفي حين كان ترمب وزبانيته يعلنون نقل السفارة ويجيشون الجيوش الإلكترونية ويوظفون النخب ويطلقون الوسوم لنشر الأكاذيب وصدم الوعي العربي، كان الشارع العربي والفلسطيني يشتعل ويمزق الأكذوبة.

كم خنجرا زرعوا في خاصرة فلسطين؟ كم كلمة جارحة صمّت الآذان وفتكت بالروح؟ كم أكذوبة ساهموا في ترويجها عن الشعب الأعزل المقاوم؟ حتى لتحسب أنهم العدو، لتفاجأ بالاسم والرسم أنه عربي تجري دماؤه في عروقك.

كيف انقلبت الأمور؟ كيف صار القيد زينة؟ والركوع للجلاد منجاة وفضيلة؟ والسياط نضرب بها ظهورنا والمقاومة إثم وخطيئة؟

من كان يرتدي عباءة الفضيلة والقضية ويتغنى بها ليحصل على رضى الجماهير هاهو يتبجح ويلقي العباءة عن ظهره لتغدو جمرا يحرقنا.

ومن اجتمعنا يوما على عمامته يفاجئنا بأن العمامة طعم لا يلبث أن ينفجر كلغم ينال من نبل صاحب القضية ومن تعلق بحبل الله.

لا يهم أن تملك أقداما لتنتصر، يكفي أن تحمل قلبا فلسطينيَّ النبضات واثقا ببركة الأرض التي لا تمنح بركتها إلا لمقاوم.

في هذا الوقت بالذات يأتي الرد فلسطينيا مقدسيا عربيا حرا لا يركع إلا لله، يأتي الرد من شهيد قعيد.

لا يهم أن تملك أقداما لكي تنتصر، يكفي أن تحمل قلبا فلسطينيَّ النبضات واثقا ببركة الأرض التي لا تمنح بركتها إلا لمقاوم.

يكفي أن تقف على عتبات النصر بيقين الواثق بوعد الله.

كم أوجعتَنا يا إبراهيم، كم صفعت وجوها مدبرة، لله درك يا إبراهيم فقدماك المبتورتان رسمتا الخط الفاصل بين الثرى والثريا.

فنحن لا نقاتل لننتصر، نحن نقاتل كي لا ننكسر، فمجرد أن تقف بين الراكعين فأنت منتصر، فكيف إذا وقفت بلا قدمين؟

النفير جاء مقدسيا وعربيا ومن كل العواصم، فالعتمة لا تحتاج إلا لقلب من يقين حتى يبددها، وكلما اشتد سواد الليل اقترب ضوء الفجر.

وحدهم من يملكون حق الرد.

وحدهم من يمزقون خريطة الشتات والتيه.

وحدهم من يحملون القناديل ويتكفل الله بإيقادها.

بل انظروا إلى يمين الحرة المقدسية التي لا تملك غير حرقتها ويدها العزلاء لتدافع بها عن عرض الأمة فتشدَّ شعر مجندة مدججة بالسلاح

هذه الخيانات المتتالية وهذا التبجح والاستعراض السخي والارتماء في حضن قاتل يحيى الفلسطيني وهذه التنازلات التي كانت تُقدَّم على استحياء وبعيدا عن أعين الجماهير والنخب ووسط اشمئزازهم ورفضهم لما يحدث صارت علنا وعلى مرأى من الشعوب، لكن هذا العهر العلني يقابله لحن يوقظ من كان في سبات عميق.

لا تنظروا إلى هؤلاء الخونة، بل انظروا إلى يمين الحرة المقدسية التي لا تملك غير حرقتها ويدها العزلاء لتدافع بها عن عرض الأمة فتشدَّ شعر مجندة مدججة بالسلاح.

انظروا إلى فتية الكهف وهم يحملون النصر على أكفهم ويرسمون خطا فاصلا بين القاع والقمة، بين العمالة والمقاومة.

ومواكب الشهداء تسير، تضيء لكل العالقين في المنطقة الحرام بين الصمت والترقب.

فطوبى لمن كانت القدس جرحه ودواءه، وطوبى للشهداء وهم يطهرون أيامنا من الخبث ويمحون خيانات الأمة بطهر دمائهم.

من يحمل فلسطين في قلبه لن يهرم أبدا، لن يموت أبدا، لن يشعر بالبرد ولا بالوحدة فهي الوحيدة القادرة على منحك البركة والطهر والدفء إن مددت إليها يدك.

وسلام على من يتنفسون الوطن في عروقهم ويضمونه ضمة عاشق فيمنحهم بركته وهداه، وسلام على من توضأ بدمه ليقيم في الأقصى الصلاة.

فلسطين لمن يحملها في قلبه وفي عنقه تعويذة.

من يحمل فلسطين في قلبه لن يهرم أبدا ولن يموت أبدا ولن يشعر بالبرد ولا بالوحدة فهي الوحيدة القادرة على منحك البركة والطهر والدفء إن مددت إليها يدك.

ويبقى رهاننا على الشعوب لا على الجيوش والأنظمة الوظيفية.

رهاننا على الحجر وعشاق فلسطين لا على الذخائر والرصاص.

فعندما يعز السلاح تبقى الإرادة هي النصر الحقيقي، بها يصبح الحجر أغلى من كل الرصاص.

المصدر : الجزيرة