ترمب والقدس.. تقييم قانوني وتاريخي

عن الكاتب

لورنزو كامل

كاتب ومؤرخ متخصص في الشرق الأوسط

صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الوقت قد حان للاعتراف رسميا بالقدس عاصمة لإسرائيل. ويأتي هذا القرار بعد سبعة عقود من إعلان إنشاء دولة إسرائيل، وهو الإعلان الذي قام به ديفد بن غوريون في 14 مايو/أيار 1948 من طرف واحد.
 
في ذلك الوقت، لم تُخطّ أية حدود للدولة الجديدة، وهذا هو السبب الذي سريعا ما جعل مسألة قبول إسرائيل في الأمم المتحدة أولوية إستراتيجية، إذ كان قبول الدولة في الأمم المتحدة -وما زال- هو الطريقة الأكثر أمانا وسرعة للحصول على اعتراف دولي واسع النطاق.

ومع ذلك، رُفض الطلب الأصلي الذي تقدمت به إسرائيل للالتحاق بالأمم المتحدة من قبل مجلس الأمن الدولي في 17 ديسمبر/كانون الأول 1948، وقُدم الالتماس الثاني لطلب الالتحاق بالمنظمة في 24 فبراير/ شباط 1949، وأكد وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك أبّا إيبان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن "المفاوضات لن تؤثر على الوضع القانوني للقدس الذي سيُحدد بموافقة دولية".

مجلس الأمن تبنى القرار رقم 476، والذي أكد فيه أن جميع التدابير والإجراءات التي غيرت الطابع الجغرافي والديمغرافي والتاريخي لمدينة القدس المقدسة تعتبر لاغية وباطلة

أُعلنت هذه التأكيدات الملزمة -والتي شكلت حجر الأساس في قبول إسرائيل في الأمم المتحدة- بعد عام واحدٍ من حرب 1947-1948 (انظر أوري أفنيري "العبارات المقدسة" حول "الرفض").

جديرٌ بالذكر أن أيا من الأحداث التاريخية التي وقعت عبر العقود السبعة التي تلت هذا الاتفاق، لم تمتلك القدرة القانونية على محوه، بل الأكثر من ذلك، أن إسرائيل عندما أصدرت عام 1980 قانونا أساسيا لاعتبار القدس "الكاملة والموحدة" عاصمة لإسرائيل، تبنى مجلس الأمن القرار رقم 476، والذي أكد فيه أن جميع التدابير والإجراءات التي غيرت الطابع الجغرافي والديمغرافي والتاريخي لمدينة القدس المقدسة، تعتبر لاغية وباطلة".

وجاء هذا القرار متسقا مع المبادئ القانونية التي تمّ التأكيد عليها قبل 35 عاما. ففي يونيو/حزيران 1945، نص مؤتمر سان فرانسيسكو -في المادة 80 من ميثاق الأمم المتحدة- على أن المنظمة تمتلك السلطة اللازمة لإبرام اتفاقات الوصاية التي يمكن أن تغير الحقوق التي كانت قائمة خلال الانتداب السابق لفلسطين. وصرّحت الجمعية العامة للأمم المتحدة في خطة التقسيم (القرار رقم 181، الصادر في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947) عن عزمها إنشاء نظام دولي للوصاية على القدس.

أهمية التاريخ
وعلى الرغم من هذه الاعتبارات، فإن الجوانب القانونية وحدها لا يمكنها أن تفسر لماذا لا يمكن لأي خطوة أحادية الجانب متعلقة بالقدس إلا أن تشعل مزيدا من الاستقطاب. في الواقع، التاريخ هو الذي يبين لنا الأسباب الجوهرية التي ستفضي -بقرارات ومحاولات ترمب الأحادية الجانب- إلى مصير محكوم عليه بالفشل.

على الرغم من تزايد المزاعم الظالمة والمطلقة، فإن "أورشليم" (المدينة "التي أسسها شاليم"، وهو الإله المبجل عند الكنعانيين مؤسسي المدينة منذ 5000 سنة)، لم تنتمِ إلى شعب واحد على مدار تاريخها كله.

اعترف يونغ بنفسه بأن اليهودي عند الحاجة كان باستطاعته أن يجد المأوى في منزل المسلم أسرع من منزل المسيحي

في مطلع القرن الماضي، عاش ما يقرب من 80% من سكان المدينة في مناطق وأحياء مختلطة.

في مذكرات ياكوف يهوشوا، يالدوت بي-يروشالاييم ها-ياشينا Yaldut be-Yerushalayim ha-yashena، يذكر المؤلف أن المدينة ضمت "أحياء ومجمعات مشتركة لليهود والمسلمين، كنا مثل أسرة واحدة، لعب أطفالنا مع أطفالهم (أطفال المسلمين) في الفناء، وإذا هاجمنا أطفال من الأحياء الأخرى، كان أطفال المسلمين الذين يعيشون في مجمعنا يحموننا، كانوا حلفاءنا".

لا ينبغي أن يُفهم من هذا الكلام أن الصراعات الدينية أو المشاكل الطائفية كانت غير معروفة تاريخيا، بل على العكس، وُثِّقت بعض الاشتباكات في وقت مبكر يرجع للعصور الوسطى؛ ومع ذلك، فإن طبيعة تلك الاشتباكات ونطاقها لا يمكن مقارنتهما بأوقات أكثر حداثة، والأهم من ذلك أنها لا تعكس التاريخ الفعلي لماضي معظم البلدة القديمة بالقدس، وما حولها.

صحيحٌ أن "التاريخ الفعلي" والتوازنات المحلية، ولا سيما في أواخر العصر العثماني، لم ينظر إليه جميع المراقبين -ولا سيما المراقبين الخارجيين- بنفس الطريقة. ففي عام 1839، أشار نائب القنصل البريطاني الأول في القدس "وليام ت. يونغ" -على سبيل المثال- إلى أن منزلة يهودي القدس في ذلك الوقت لم تكن فوق منزلة الكلاب، ومع ذلك اعترف يونغ نفسه بأن اليهودي عند الحاجة كان باستطاعته أن يجد المأوى في منزل المسلم أسرع من منزل المسيحي.

عام 1857 أشار القنصل البريطاني في القدس جيمس فين، إلى أن "عددا قليلا من البلدان في العالم تمتلك الكثير من التسامح الديني الفعلي كما هو الحال في فلسطين

وفضلا عن ذلك، طرح المراقبون الخارجيون آراء شديدة الاختلاف، بل متناقضة في بعض الأحيان. فبعد بضع سنوات فقط من يونغ، وتحديدا في عام 1857 -على سبيل المثال- أشار القنصل البريطاني في القدس جيمس فين إلى أن "عددا قليلا من البلدان في العالم تمتلك الكثير من التسامح الديني الفعلي كما هو الحال في فلسطين، على الرغم من التقاليد والمظاهر المناقضة لذلك ظاهريا".

ولكن إذا أردنا أن نتحقق من الأمر، فلا يوجد ما يمكن أن يرشدنا إلى حقيقة الوضع وإلى أي مدى كان المجتمع المحلي مجتمعا بناءً، وكيفية إدراكه لذاته، سواء في وقت "فين" أو في الفترات الأخرى من التاريخ العثماني؛ كما ترشدنا السجلات القضائية.

وجد المؤرخ الأميركي أمنون كوهين -الذي أمضى سنوات في دراسة الوثائق المخزنة في أرشيف سجلات المحكمة الشرعية العثمانية في القدس- ألف قضية يهودية مرفوعة ما بين عامي 1530 و1601.

فضّل اليهود استخدام المحاكم الشرعية الإسلامية بدلا من محاكمهم الحاخامية الخاصة بهم، كما أشار كوهين إلى أن مواطني السلطنة من اليهود لم يكن لديهم أسباب للحزن على وضعهم أو الشكوى من ظروف حياتهم.

على العكس، كان اليهود في القدس العثمانية يتمتعون بالاستقلال الديني والإداري داخل الدولة الإسلامية، وتم اعتبارهم عنصرا بناءً وديناميكيا في الاقتصاد المحلي وداخل المجتمع الذي أسهموا بالفعل في فاعليته". 

لا يختلف الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن آرثر بلفور منذ قرن مضى، فهو يفرض فهما أحادي الجانب للواقع المحلي دون أن يعرف الكثير عن ماضيه وحاضره المعقدين

لفهم أوسع.. تكرار النمط
زار آرثر بلفور -الذي قرن اسمه بإعلان عام 1917- فلسطين للمرة الأولى في حياته عام 1925. وفي تلك المناسبة، ترأس افتتاح الجامعة العبرية في القدس، برفقة حاييم وايزمان وزوجته فيرا.

وعلى الرغم من معرفة بلفور المحدودة جدا بالواقع المحلي، استندت تصرفاته إلى قناعة راسخة بأن الأفكار التي كان يحتضنها "تستند إلى تقاليد بالغة القدم، وإلى احتياجات حالية، وآمال مستقبلية لمضمون ومغزى أكثر عمقا من رغبات وتحيزات العرب، الذين يعيشون الآن في تلك الأرض القديمة".

يمكن لكل مراقب ومؤرخ أن يمتلك رأيا مختلفا حول هذه الجوانب وحول نهج بلفور، إلا أن "الحقيقة نادرا ما تكون نقية، ويستحيل أن تكون بسيطة" كما قال أوسكار وايلد.

ومع ذلك، تبقى النقطة هنا: أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يختلف عن آرثر بلفور منذ قرن مضى، فهو يفرض فهما أحادي الجانب للواقع المحلي دون أن يعرف الكثير عن ماضيه وحاضره المعقدين، وسيدفع ثمن ذلك الإسرائيليون والفلسطينيون مرة أخرى على حد سواء.

المصدر : الجزيرة