معالم المسجد الأقصى تحت المجهر

عرض-محمود الفطافطة

يمثل كتاب "معالم المسجد الأقصى تحت المجهر" وثيقة معرفية شاملة ودقيقة لمعالم هذا المسجد من خلال تسليط الضوء على كل معالمه وكنوزه، وذلك عبر وضعها تحت مجهر البحث التاريخي، فضلا عن ما تميز به من ضم عدد كبير من الصور التوضيحية والمخططات والخرائط التفصيلية لهذه المعالم.

وفي هذا العرض، نعرج على العديد من العناوين التي نرى أهمية إبرازها للقارئ وتعريفه بها، لا سيما أن الأقصى المبارك مليءٌ بالكنوز التاريخية والعجائب الدنيوية والأخروية، ويكفيه من الخيرات أن جعله الله منبع البركة ونقطة الالتقاء بين الأرض والسماء، ولن يُفلح بحث أو كتاب في الإحاطة بكل جوانبه العظيمة، ولا أوصافه الجليلة.

العنوان: معالم المسجد الأقصى تحت المجهر
المؤلف: إيهاب الجلاد الناشر: مركز بيت المقدس للأدب، رام الله
الطبعة: الأولى، 2017
عدد الصفحات: 432

في المقدمة، يشير المؤلف إلى أن لكل معلم من معالم الأقصى سجلا حافلا بالمعلومات "فمنها ما وصلنا، وأكثرها لم يصلنا، فمن سبب بناء المبنى إلى الباني إلى من قام بترميم المبنى بعد تضرره بفعل الزلازل والزمن، ثم بعد ذلك اندثار المبنى في الفترة الصليبية، ثم إعادة بنائه بعد التحرير الأيوبي، ثم انتقال التسمية إلى مبنى آخر بعد إهمال الأول وتغير وظيفة استعماله".

الأسماء والروايات
ويوضح الجلاد أن عدم وصول الكثير من المعلومات بسبب الحروب الكثيرة، وضياع ما كُتب، دفع الكثير من المؤلفين إلى محاولة جسر فجوة نقص المعلومات، بالتخمين والاستنتاج، حتى صارت استنتاجاتهم جزءا من تاريخ المسجد، وأصبح الدارسون لتاريخ المسجد يتناقلونها كمسلمات.

ويضيف "المصدر الأساس" في المعلومات عن المسجد الأقصى في العصور الأولى هو مما كتبه الرحالة في وصف ما شاهدوه من معالمه، المسجد، حيث لم يتوسعوا ولم يدققوا أو يحققوا في المعلومات التي استقوها من أهل بيت المقدس. كما يوجد خلاف بين الرحالة في بعض المسميات، مثل أسماء أبواب المسجد وترتيبها، وكذلك القباب. إن قلة المصادر، بل ندرتها أدت إلى مشكلة ضبط المسميات.

وبالحديث عن معالم الأقصى، سنستعرض جملة من القضايا نبدأها بذكر المسجد الشريف في القرآن الكريم. فإلى جانب ذكر الله لاسمه تصريحا بداية سورة الإسراء، فقد ذكره مرات عديدة تلميحا كـ (الأرض، القرية، القبلة، المحراب) .

وحول ادعاء اليهود أنه كان لهم معبد (هيكل) في موقع الأقصى نفسه، وأنهم يريدون استرجاعه وبناءه من جديد -وفق زعمهم- يرد المؤلف موضحا "أن "البناء الأول للمسجد الأقصى يرجع إلى آدم عليه السلام، وبناء سليمان عليه السلام للمسجد هو بناء ترميم لا تأسيس مثلما رممه الكثير من الأنبياء والملوك قبل النبي سليمان وبعده. كذلك، فإن سليمان عليه السلام هو نبي جاء بدين الإسلام، واليهود كفروا برسالة سليمان وداود، فهم ليسوا بالتالي ورثة الأنبياء، وإن ورثة سليمان هم أتباع محمد عليه السلام".

وعلاوة على ذلك، يعقب الباحث على استشهاد اليهود بحديث الرسول الكريم عليه السلام الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص حيث قال "إن سليمان بن داود لما بنى مسجد بيت المقدس سأل الله خلاله ثلاثا: سأل الله حكما يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله حين فرغ من بنيان المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزهُ إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه". تعقيب الكاتب هو أن الحديث يذكر أن سليمان عليه السلام بنى مسجدا وليس كنيسا ولا كنيسة، ونعلم أن صلاة اليهود تخلو من السجود. 

وصف مدينة بيت المقدس ومسجدها بالبركة، أي النماء والزيادة في الخيرات والمنح والهبات، وبأنها مهاجر الأنبياء، وإليها التجاؤهم في شدتهم

فضائل ومغالطات
ويتطرق الباحث إلى فضائل الأقصى في القرآن، والمتمثلة في: وصف مدينة بيت المقدس ومسجدها بالبركة، أي النماء والزيادة في الخيرات والمنح والهبات، وبأنها مهاجر الأنبياء، وإليها التجاؤهم في شدتهم، وبالربوة ذات الخصوبة وأن ماءها هو المعين الجاري، وبأنها القبلة الأولى، والأرض التي ينادي منها الملائكة نداء الصيحة لاجتماع الخلائق يوم القيامة.

أما فضائل الأقصى في السنة، فيجملها المؤلف في أنه ثاني مسجد بني في الأرض، ومشروعية السفر إليه لقصد التعبد، وأن إتيانه بقصد الصلاة يكفر الذنوب ويحط الخطايا. ومدح النبي عليه السلام له، ومضاعفة أجر الصلاة فيه، وثبات أهل الايمان فيه عند حلول الفتن، وأنه حاضرة الخلافة الإسلامية في آخر الزمان، وأن أهله مقاتلون في سبيل الله، وهم من الطائفة المنصورة، فضلا عن بشارة النبي الكريم بفتح بيت المقدس، وأن أرضه هي أرض المحشر والمنشر.

ويرد الباحث العديد من المقولات المغلوطة التي يرددها المرشدون حول الأقصى ومعالمه. وفي هذا السياق، نستعرض أبرزها: مثل مقولة "هل صخرة بيت المقدس معلقة؟ "ويجيب بأنه لدحض هذه الخرافة يجب فهم طبيعة تكوينات الكهف، وهي طبقات تتكون من نوعين من الصخور: جيري صلب وآخر هش.

ويُلاحظ أن طبقة الجير الهش في كثير من المواضع قد تآكلت بفعل الزمن أو نحت الإنسان، حتى ظهرت الطبقة الصلبة كأنها معلقة. ويضيف: إن انتشار الخرافات في الفترة الفاطمية وجهوزية الناس للقبول بأمور ما وراء الطبيعة، في الموقع الذي حصلت فيه معجزة المعراج الخارقة للطبيعة، أدى إلى قبول الناس - وحتى بعض العلماء- بفكرة تعليق الصخرة، رغم أن الأمر محدث وليس له أصل في الدين والتاريخ. علما أن سدنة المسجد قاموا في الفترة العثمانية بملء المنطقة المتآكلة من الحجر الهش بالملاط ليقضوا على خرافة الصخرة المعلقة.

أكثر المحدثين أنكروا نسبة أثر القدم للرسول عليه السلام لعدم صحة السند عندهم، حيث قال ابن قيم الجوزية: والقدم التي فيها كذب موضوع

أقدام وشعار
وينتقل المؤلَف إلى مقولة مغلوطة أخرى، وهي وجود أثر أقدام الرسول عليه السلام على الصخرة. وبشأن هذا، يبين الجلاد أن أول ذكر لآثار قدم على الصخرة يعود لعام 1047م عندما زار المؤرخ "ناصر خسرو" القبة، ودوّن بقوله "وسمعت أن النبي اسماعيل كان طفلا فمشى عليها وهذه هي آثار قدمه". وفي فترة الاحتلال الإفرنجي كان التقليد المسيحي يقول إن آثار الأقدام للنبي عيسى.

ويضيف "بعد التحرير الأيوبي لـ القدس عاد تقليد أثر قدم النبي محمد للظهور وبقي حتى يومنا، منوها إلى أن أكثر المحدثين أنكروا نسبة أثر القدم للرسول عليه السلام لعدم صحة السند عندهم، حيث قال ابن قيم الجوزية "والقدم التي فيها كذب موضوع، ممن عملته أيدي المزورين الذين يروجون لها ليكثر سواد الزائرين".

وفي تعليقه على مقولة مغلوطة أخرى، وهي مدى وجود شعار الأمويين على قبة الصخرة، يذكر الكتاب أنه يوجد حجر رخام مزخرف بدائرتين من ورق الغار في الجهة الشمالية الشرقية لقبة الصخرة. ويوجد أيضا هذا الشعار على لوحات رخامية في الجامع القبلي.

والحقيقة والصواب هما أن هذا الحجر رخامي مستورد من خارج فلسطين، وقد أحضر كل من البيزنطيين، قبل الإسلام، والصليبيين، الرخام من بلادهم، وبعد رحيلهم أعاد المسلمون استعمال هذه الحجارة بعد إزالة ما عليها من الشعارات الدينية المسيحية.

ويتابع: إن المتفحص للبقايا الأثرية البيزنطية يلحظ هذا الشعار بسهولة، فمثلا يجد هذا الشعار على الآثار البيزنطية في إسطنبول (القسطنطينية سابقا) والتي كانت عاصمة البيزنطيين حتى فتحت على يد العثمانيين. إذن، فهذه الحجارة مستخدمة ثانويا من قبل البنائين المسلمين.. وهذا الشعار ليس شعار الأمويين.

عدة نظريات لتفسير بناء الصخرة منها تخليد معجزة الإسراء والمعراج، وتحويل الحج إلى الأقصى. والأخير يخالفه الباحث

إلى ذلك، ننتقل إلى مناقشة مسألة الهدف من بناء قبة الصخرة، إذ يرى المؤلف أن هناك عدة نظريات لتفسير ذلك، الأولى: من أجل تخليد معجزة الإسراء والمعراج، والثانية: من أجل تحويل الحج إلى الأقصى. هذا التفسير يخالفه الباحث، ويذكر أن المؤرخ اليعقوبي ادعى أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان قام بتحويل قبلة الحجاج عن الكعبة المشرفة في مكة إلى الصخرة في بيت المقدس، خوفا من مبايعة الحُجاج لعبد الله بن الزبير في مكة بالخلافة.

فاليعقوبي -وفق الكاتب- عاش في زمن الخلافة العباسية، وكان شيعيا متطرفا واجتهد في تشويه صورة الخلافة الأموية، من أجل كسب ود العباسيين. ويوضح أن الخليفة عبد الملك تعلم وتربى في المدينة، حتى عُد من فقهائها وعُرف عنه الحكمة وبعد النظر والاهتمام بالعقيدة الإسلامية.

فكيف يُعقل لخلفية في مثل هذه الصفات وصاحب تاريخ عظيم، أن يقدم على التلاعب بركن من أركان الاسلام (الحج) بهذه البساطة التي يرويها اليعقوبي؟!! كما أن رواة التاريخ ذكروا أنه في فترة الصراع بين الأمويين والزبيريين، حج الأمويين للكعبة، واجتمع لواء الطرفين على جبل عرفات.

العرش الأدنى
أما بشأن الهدف من سبب بناء قبة الصخرة مثمنة الأضلاع، فإن الباحث يذكر أن كل التفسيرات بخصوص ذلك اجتهادات قديمة أو حديثة من قبل الباحثين والمؤرخين.

ويورد الكتاب نظريتين بشأن ذلك، الأولى: ترتكز على أسباب دينية وأكثرها شهرة مقولة أن الصخرة عرش الله الأدنى، وبما أن عرش الله في السماء تحمله ثمانية ملائكة حسب الآية "والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية". فلا بد أن يقوم بعرش الله الأدنى (الصخرة) ثمانية أضلاع.

أما النظرية الثانية، فعن كعب الأحبار قال: إن في التوراة يقول الله تعالى لصخرة بيت المقدس "أنت عرشي الأدنى.. أنت البدر وإليك المحشر والمنشر". وهذا واضح أنه من الإسرائيليات. إذن، فإن وصف قبة الصخرة بعرش الله الأدنى مصدره التوراة وليس له في الدين الإسلامي من أصل. كذلك، فقد يطرح البعض أن المبنى مثمن لأن أبواب الجنة ثمانية، وهو كله من قبيل الظن والاجتهاد.

الرحالة المقدسي البشاري (ت: 990م) يفاخر بأن الأقصى أكبر المساجد على وجه الأرض حينه، وأن أكثر الأشجار زراعة حوله هو الزيتون

وفي السياق ذاته، فقد امتاز الأقصى بمساحته الكبيرة، فالرحالة المقدسي البشاري (ت: 990م) يفاخر بأن الأقصى أكبر المساجد على وجه الأرض حينه، وأن أكثر الأشجار زراعة حوله هو الزيتون لاشتهار بيت المقدس بزراعته.

وقد قال المفسرون (مثل القرطبي وابن كثير) في آية "والتين والزيتون وطور سنين" إن الزيتون يرمز إلى بيت المقدس. وذكر المؤرخ آوليا الجلبي وجود أربعة آلاف قنديل توقد بالزيت منتشرة في أنحاء المسجد المبارك.

ومن النباتات المنتشرة في ساحات الأقصى، يذكر المؤلف: الأقحوان، أشجار الورد واللبلاب والأس. وهناك أشجار أخرى مثمرة، من نوع شجر الطوبى. وإلى جانب ذلك هناك أشجار المحلب والحور والصفصاف، والرمان، وكذلك أشجار الأرز اللافتة للنظر، متوازنة الشكل. كما توجد أربع شجرات سرو في منطقة "سبيل الكاس" زرعت في الفترة العثمانية.

وقد سُمي عدد من معالم المسجد باسم الأشجار التي بجانبها، فقبة موسى دعيت قبة الشجرة، وهناك مسطبة الصنوبر، ومسطبة الميس.

ويبين الكاتب أن العديد من أشجار المسجد الأقصى في الجهة الغربية سقطت بشكلٍ مفاجئ، حيث تم إرجاع السبب لحفريات الاحتلال التي قطعت جذور هذه الأشجار، أو لاستخدام إسرائيل مواد سامة تفتت التربة، وتسهل عليها الحفر، علما أن سلطات الاحتلال تمنع إعادة زراعة أشجار جديدة في باحات المسجد.

المصدر : الجزيرة